الرأي

صفحات بؤس فلسطيني

أرنست خوري

القاع الذي بلغته القضية الفلسطينية توازيه، في منسوب الفضيحة، الأخبار الآتية من فلسطين وعنها. لا أنباء القتل وسرقة الأراضي والتهجير وهدم المنازل بأيدي أصحابها عنوة والاعتقال والاستيطان وضم الضفة وقطع أشجار زيتونها، إلى آخر ما يرتكبه الجيش الإسرائيلي وحكومته والمستوطنون، بل أخبارنا التي يكون الفلسطيني مصدرها الأول.
إنه موسم إعادة تشكيل السلطة من خلال الانتخابات. سلطة الرواتب والمناصب الموزعة على كانتونَي الضفة وغزة، مستنفرة في سبيلها، وقد وجدت طريقة للنجاة من أي نتيجة قد تفرزها، في حال أجريت أصلا، وذلك من خلال اختراع هو عدو للديمقراطية، اسمه «الانتخابات بالإجماع». ترجمة ذلك الإجماع هو «القائمة الانتخابية الموحدة» التي تسعى معظم الفصائل إلى تشكيلها، لاختيار أعضاء المجلس التشريعي والمجلس الوطني لمنظمة التحرير المهمشة منذ «أوسلو». وما الداعي لتكبد العناء، في حال اجتمعت الفصائل في قائمة موحدة؟ ضد من سيترشح أعضاء القائمة؟ في هذه الحالة، لمَ لا توزع المناصب والأموال، وهي أساس النزاع، في ما بين المتفقين من دون تضييع للوقت والإمكانات؟ ربما يحيل الجواب إلى أن موجبات المصالحة بين حركتي حماس وفتح تفرض إتمام «العرس» من خلال الانتخابات. إنها المصالحة إذا. مصالحة على ماذا طالما أن سلطة غزة تطالب بالإفراج عن أسراها لدى رام الله، فيرد رئيس الوزراء محمد اشتية، يوم الاثنين، بأنه لا يوجد لدى الأجهزة الفلسطينية أي معتقل سياسي، ويطالب «حماس» بإطلاق سراح 85 معتقلا سياسيا في سجونها؟ مصالحة لا علاقة لها بالاتفاق على إعادة إحياء منظمة التحرير، ولا بشكل العمل المطلوب لوقف مسلسل انهيار كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، ولا بكيفية مواجهة ما ستفرزه نتائج الانتخابات الإسرائيلية بين طرفي اليمين المتطرف هناك، بل على تقاسم للسلطة وللرواتب بلقب انتخابي يظن القيمون عليه أن المجتمع الدولي والممولين من جماعة اتفاقية باريس سيقتنعون به ليزيدوا جرعات تمويل المؤسسات والوزارات الفلسطينية.
والانتخابات ليست حكرا على فلسطينيي الضفة وغزة. في الداخل، أخبار منصور عباس ومفاوضاته ظلت تحتكر المشهد حتى أيام مضت، حين تحدثت «يديعوت أحرونوت» عن تواصل فريق بنيامين نتنياهو مع محمد المدني (ممثلا للسلطة) لطلب منه إقناع من تؤثر السلطة عليهم (وهل من تمون عليه سلطة محمود عباس فعلا خارج إطار رواتبها وبطاقات الـ«في آي بي»؟) في بلدات الداخل بعدم التصويت للقائمة العربية المشتركة (التي خرجت منها الحركة الإسلامية الجنوبية) أو بالتصويت لحزب الليكود، على اعتبار أنه أكثر اعتدالا من حزب «أمل جديد» لصاحبه جدعون ساعر، أو رئيس «يمينا» نفتالي بنيت. طبعا صدرت تكذيبات من أوساط السلطة للخبر المسنود بأسماء وبمضمون ما تردد أنه تم التداول به، لكن هل هناك سوريالية أكثر فداحة من مجرد أن يكون هناك احتمال بصحة النبأ؟
وأوقات الفراغ مديدة عند طيف واسع من المحامين والصحافيين الفلسطينيين. فقد قررت مجموعة من هؤلاء في نابلس مقاضاة بريطانيا نيابة عن «التجمع الوطني للمستقلين»، و«المؤسسة الدولية لمتابعة حقوق الشعب الفلسطيني»، و«نقابة الصحافيين الفلسطينيين» لإبطال وعد بلفور، وتم الأمر بعونه تعالى، فصدر الحكم قبل أسبوع، وقد حمل لندن المسؤولية القانونية والتبعات عن الوعد، وانهالت التبريكات على الانتصار.
أما في غزة، فالبؤس هناك له طعم آخر، كأن محاربة إسرائيل لا تستوي من دون قمع وتخلف. هناك، تتخصص مؤسسات تابعة لحركة حماس بمنع تقديم التهاني للمسيحيين بأعياد الميلاد، ثم بمنع سفر النساء من دون الحصول على إذن «ولي». ولكي لا يتهم أصحاب القرار باضطهاد النساء حصرا، جُعل منع السفر يسري على كل «ولد تجاوز عمره 18 عاما»، وأعطي أحد الأبوين والجد للأب حق منعه من مغادرة غزة «إذا كان يترتب على سفره ضرر محض».
ترتفع وتيرة الإجرام الإسرائيلي ويتعمق بالتوازي قاعنا الذي نحفره بأنفسنا. يدُ تخلف كثيرين منا، مشبوكة بيد صهيونية مهنتها اقتناص الفرص، هكذا نفنى ويفنى ما تبقى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى