الرأي

طرق تحرر الشعوب

بقلم: خالص جلبي

تحررت فيتنام من أمريكا بكلفة ثلاثة ملايين قتيل ونيف، ولكن الهند تحررت من بريطانيا على يد غاندي بأعداد لا تذكر. وفي الثورة الفرنسية قطعت على المقصلة رؤوس الطبقة الأرستقراطية كاملة بدون رحمة، بمن فيهم العلماء مثل (لافوازييه)، أبو الكيمياء الحديثة، و(كوندورسيه)، عالم الاجتماع الشهير. وحين تقدم لافوازييه بهلع إلى لجنة الإعدامات أنه عالم وليس سياسيا، اعتبروه أرستقراطيا يجب أن يطير رأسه ولو كان سيد العلماء وأبو الكيمياء. وهكذا فالثورة هي من الثور، وهي مثل القط الذي يأكل أولاده.
وخاضت الثورة البلشفية في أوقيانوس من الدماء، وحسب (ستيفان كورتوا)، الشيوعي الفرنسي المخضرم، في «الكتاب الأسود»، فقد كانت الشيوعية خلف إبادة مائة مليون إنسان في ثمانين سنة. وتحررت الولايات الأمريكية من بريطانيا بحرب شعبية كلفت الكثير من الضحايا، ويومها فرح الجنرالات بالحرب وأخذوا زوجاتهم إلى الفرجة! ولم تفعل ذلك كندا للاستقلال عن التاج البريطاني، وما زالت في الكومنولث بدون استعمار. وفي «كينغستن» نصبت كندا المدافع على بحيرة «أونتاريو»، تحسبا لأي هجوم أمريكي واليوم لها قيمة متحفية. وهكذا فلكل شعب طريقته في الخلاص. واستطاع المغرب أن يحرر الصحراء بمسيرة خضراء سلمية، ولكنه لم يفعل الشيء نفسه مع سبتة ومليلية. وتحررت الجزائر بمليون شهيد، ولكنها تخلصت من قبضة الجنرالات الفرنسيين لتقع في قبضة الجنرالات الجزائريين، ولم تزد الأمور إلا خسفا ومسخا، مما يؤكد أن حالة الاستعمار لم تزل، وأن ما تبدل فيه هو صورته أما حقيقته فباقية. وفي عاصمة عربية حاولت نخبة أن تعبر عن رأيها فألقت السلطة القبض عليهم في باصات، قائلة لهم: «حرصا عليكم وعلى السلامة العامة فاهتفوا ما تشاؤون، ولكن من نوافذ باصات متحركة». كان الأمر أكبر من نكتة، وخيل للناس أنهم مجموعات شاردة من المصحات العقلية ضلت طريقها وسط العاصمة. وتحررت أفغانستان من السوفيات بمليون ونصف المليون من القتلى، وسبعة ملايين ونصف المليون من اللاجئين، ولكنها خرجت من جوف السوفيات لتدخل جيب طالبان والأمريكان، كمن يستبدل السرطان بالإيدز. وفي العالم العربي زلزلت الأرض زلزالها بانقلابات عسكرية، تحت دعوى الحرية والعدل والتخلص من الاستعمار، فلم تحصد الشعوب إلا استبدادا وفقرا وذلا. وفي سوريا كان من يمتنع عن هتافات «وحدة، حرية، اشتراكية» يعاقب بالزحف، وهو ما حصل معي، فتحولت إلى زاحف صحراوي مثل سحالي الكومودو في جزر أندونيسيا. وبالطبع فالقاموس يربح الكلمات والواقع يخسر الحقائق؛ وهكذا كانت الحرية استبدادا مقيما، والاشتراكية فقرا مدقعا، والوحدة تفتيتا ممنهجا للمنطقة. وإذا كانت الثورة الإيرانية قد نجحت وتحررت من قبضة الشاه والسافاك بمقتل ثمانين ألفا؛ فإن الحرب مع العراق كلفت نصف مليون ولم تحقق أهدافها بإزالة يزيد، حتى جاء اليانكي فشنقوه بيد أولاد بلده. وفي يوغوسلافيا تخلصت الأمة من الطاغية «ميلوسوفيتش»، بدون انقلاب عسكري وإعدامات ميدانية. وفي رومانيا قطعت رقبة التنين «تشاوسيسكو»، الذي كان يبني قصر الشعب مزينا بوابته بـ400 كلغ من الذهب الخالص، وهو ابن (الإسكافي). وبالمقابل استسلمت اليابان بدون قيد أو شرط، بعد أن ضربت بالسلاح النووي، ولم تحرر نفسها بانقلاب عسكري أو حرب تحرير شعبية. واليابان اليوم عملاق اقتصادي بدون سلاح نووي وجيوش جرارة. وعندما تناشد أمريكا اليابان أن يتسلح، يبتسم اليابانيون بخبث ويقولون: لا، نحن ملتزمون باتفاقية الاستسلام، وسوف نصنع أجهزة تلفزيون وفيديو وسيارات. وإذا كانت ألمانيا واليابان قد صعدتا بدون قوة، فقد انهار الاتحاد السوفياتي بدون هجوم خارجي، وهو يملك 30 ألف رأس نووي و40 مليون طن من الأسلحة الكيمياوية، بما يمكن أن يدمر الكرة الأرضية خمس مرات؛ فكلها دروس من التاريخ الحديث لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
واليوم يطرح السؤال نفسه أمام الشعب الفلسطيني عن نوع الطريق الذي يسلكه، هل يختار طريق غاندي؟ أم اليابان؟ أم أفغانستان؟ فكلها نماذج وعينات، فأما حماس فقد أعلنت سابقا مذهب ابن آدم الأول، فقالت للسلطة الفلسطينية: «لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك، إني أخاف الله رب العالمين»، وهو أول بداية اليقظة. ويراهن الكثيرون أن المزيد من العمليات الانتحارية سوف تجعل الصهاينة في فلسطين ينسحبون، كما انسحبوا من جنوب لبنان. ولكن درس التاريخ يعلمنا أن لكل شعب طريقته الإبداعية الخاصة في التحرر. وأكبر خلط يقع اليوم في قضية التحرر الفلسطيني، اعتماد نسخة «حزب الله» في التحرير. فما حدث في جنوب لبنان هو غير ما يمكن أن يحدث في فلسطين، كما أن تجربة لبنان ليست بدون آثار جانبية. ومن تعود قتل العدو، سيقتل الأخ والصديق. وبعد أن قتل الأفغان السوفيات، قتلوا العرب والأفغان. ولكن ما هي الحرية تحديدا؟ إن الحرية ثلاث: التخلص من استعمار خارجي، والتخلص من طاغية داخلي، وقبل هذا الحرية من الاستعداد للذل في أي شكل، أي التخلص من القابلية للعبودية، وهي تتدرج من الأسهل إلى الأصعب، فأسهلها محاربة العدو الخارجي، وأصعبها التخلص من الديكتاتورية الداخلية، وأعقدها هي ولادة الإنسان الجديد محررا من علاقات القوة. وهو عمل الدماغ بدل العضلات في البيولوجيا، وهو التوحيد في الدين، وهي الديموقراطية في السياسة. هناك من يربط بين النجاح ووفرة الضحايا، وهذا الربط خطأ، فلا قتل الشخص شهادة على صحة فكرته، ولا عدم المعاناة دليل على فساد الرأي، فيجب الفصل بين الفكرة والشخص. ومنذ فترة طويلة فرق (مالك بن نبي) بين عالم «الأشخاص» وعالم «الأفكار» وعالم «الأشياء»، وأن الطفل والمجتمع يتطوران في علاقتهما مع العالم الخارجي تدريجيا مع مستوى النضج من عالم الأشياء إلى الأشخاص، وانتهاء بالأفكار. وكل إعاقة في مرحلة من المراحل الثلاث تحتجز الفرد والمجتمع في الوثنية وتأليه الزعامات. وأفغانستان اليوم يتم تشكيلها «صناعيا» على يد قوى خارجية، وتسليط قوم على قوم بمزيد من السلاح والدولارات، فإذا هم قاهرون وبعزة أمريكا هم الغالبون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى