شوف تشوف

طعم الخديعة

أعلن وزير الداخلية أن الانتخابات ستجري في وقتها سنة 2021. يعني أن الحزب الذي يقود الحكومة سيكمل عشر سنوات كاملة في السلطة.
عشر سنوات هي مدة أكثر من كافية لتقييم مساهمة هذا الحزب في بناء المغرب، ولئن كان البناء على المستوى الديمقراطي قد احترم الشكليات فإن مرور هذا الحزب من سدة الحكم سيترك أعطابا اقتصادية واجتماعية جد غائرة.
لكن سؤالا تكرر أكثر من مرة حول سبب تركيزي على انتقاد حزب العدالة والتنمية وتتبعي لزلاته وأخطائه والجواب أنه يقف وراءه سبب بسيط جدا، وهو أنني كصحافي دافع بشراسة عن هذا الحزب عندما كان في المعارضة ودفع ثمن ذلك، وكمواطن دافع للضرائب، أشعر بالخذلان من طرف حزب كانت لديه فرصة ذهبية لكي ينجز إصلاحًا ولو جزئيا للوضع، لكنه فشل في ذلك فشلا ذريعا ويريد أن يبرر ذلك بكونه لا يمتلك وسائل الإصلاح وأنه بدوره مضطهد وضحية وما إلى ذلك من التبريرات الوهمية.
الحقيقة أنه خلال العشر سنوات التي يقترب حزب العدالة والتنمية من إقفالها في رئاسة الحكومة ضيع فرصة نادرة لفرض احترام الحقوق الاجتماعية للطبقة الشغيلة. وهذه أكبر جريمة ارتكبها في حق هذا الشعب.
هناك حقول مهنية وجد فيها ملايين المغاربة أنفسهم بسبب الجائحة صفرًا على الشمال بدون تغطية اجتماعية.
آلاف الضيعات الفلاحية التي تستغل العمال والعاملات بدون ضمان اجتماعي وبتعويض بائس وساعات عمل بلا عدد.
آلاف أوراش البناء التي تشغل مئات الآلاف من العطاشة
الذين يشيدون بعرقهم وعضلاتهم إقامات سكنية وفيلات ومؤسسات ومنشآت دون أن يكونوا مسجلين في الضمان الاجتماعي.
شعب كامل يشتغل في قطاع المقاهي والمطاعم والفنادق والمؤسسات السياحية بدون أي حق في الضمان الاجتماعي.
مليونان ونصف يشتغلون في قطاع الصناعة التقليدية
وجدوا أنفسهم ينتظرون دعم الدولة مع أنهم يشتغلون في قطاع يدر مداخيل مهمة على الخزينة. مئات الآلاف يكدحون في ورشات الجلد والصباغة والمعدن والطين والجبس والخشب يبدعون التحف ولا يربحون سوى آلام المفاصل والأمراض الصدرية ويتحولون عندما تخونهم الصحة إلى عالة على أسرهم.
مئات الآلاف يشتغلون كسائقي سيارات أجرة كبيرة وصغيرة في ملكية أناس محظوظين يملكون عوض الرخصة رخصتين أو ثلاثا، يقضون النهار كله بظهورهم ملتصقة بكرسي السيارة لكي يوفروا خبزهم اليومي من تلك الروصيطة التي سيحملونها في المساء لمول الكريمة الذي يرتاح في بيته فيما تشتغل عليه رخصه التي حصل عليها من الريع، الريع الذي وعد حزب العدالة والتنمية أنه سيضع له حدًا فإذا به يزداد في عهده.
كل هذه القطاعات كانت بيد حزب العدالة والتنمية ومع ذلك فشل في تحقيق الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية فيها، وترك الأقوياء ينهشون الضعفاء والنافذين يستغلون البسطاء، وبقيت المؤسسات الموكول إليها تطبيق القانون وحماية ظهر الطبقة الشغيلة تتفرج والنقابات تقاضت ثمن صمتها وتوارت إلى الخلف لكي يظهر زعماؤها الخالدون كل فاتح ماي
ويكرروا خطبة السنوات الخوالي.
واليوم يكتشف الجميع أن الفشل الذريع لهذا الحزب هو فشله في توفير الحماية الاجتماعية للمغاربة، مع أن قليلا من الصرامة والجدية كان كافيا لإجبار مالين الشكارة والمنهشين العقاريين وكل المشغلين الجشعين على تسجيل مستخدميهم في الضمان الاجتماعي.
وشخصيا أعتقد أنه من الآن فصاعدًا كل شركة أو مقاولة لا تسجل مستخدميها في صندوق الضمان الاجتماعي يجب أن تغلق أبوابها وأن يتوصل صاحبها بغرامة ثقيلة، كما يحدث في كل البلدان التي تحترم مواطنيها.
ولذلك فهذه الطبقة تحديدًا والتي تعيش في المدن العتيقة ودور الصفيح هي التي كانت هدفا لإصابات كورونا، وهذا لا أقوله أنا بل يقوله تقرير للمندوبية السامية للتخطيط.
إذن فهذه الطبقات الاجتماعية الهشة تدفع الثمن اليوم على جهتين، أولا من جهة تعرضها للإصابة بالفيروس، ناهيك عن الأمراض الأخرى القاتلة التي لا يتحدث عنها أحد، وثانيًا من جهة انحسار مداخيلها بسبب ضياع أيام عملها خلال الحجر. ولولا مساعدات الدولة لما وجد هؤلاء الناس ما يطعمون به أنفسهم وأبناءهم.
لهذا فمعركة الحماية الاجتماعية لهذه الطبقات الشغيلة سواء في القطاع المهيكل أو القطاع غير المهيكل يجب أن تكون أم المعارك اليوم.
فالدولة لا يمكنها في كل مرة أن تقدم دعما ماليا مباشرا لملايين المواطنين كلما وقعت أزمة، يجب أن تتحمل مؤسسات الحماية الاجتماعية مسؤوليتها وأن تشرع في تطبيق القانون وأن توظف المزيد من مفتشي الشغل ومراقبي صندوق الضمان الاجتماعي وأن تتخلص من المرتشين بينهم الذين يتصلون بأصحاب المقاهي والمطاعم والمصانع والشركات لإخبارهم بأنهم سيزورون مقراتهم لتفتيشها في التاريخ الفلاني لكي يستعدوا للزيارة.
لهذا أنا ناقم على هذا الحزب، لأنه خذلنا جميعًا وخيب ظننا فيه وتسبب لنا في ضياع فادح للزمن السياسي.
ولذلك فإن مشكلة بعض القياديين والوزراء في العدالة والتنمية هي أنهم أصبحوا عدوانيين تجاه الجميع. وأصبحوا، بتنكرهم للجميل، يستعدون عليهم حتى من كان إلى حدود الأمس يتعاطف مع محنتهم ويدافع عن حقهم في الوجود، أيام كانوا مضطهدين في الأرض يبحثون عن سطر في مقال ينتصر لهم لكي يعيدوا نشره في جريدتهم، أو خبر يورط خصومهم يقرؤونه من منصة المعارضة في البرلمان وينسبونه إلى “بعض الصحف‪”‬.
وهم يذكرون كيف بالغوا في “سلخ” الأخبار والمعلومات التي كانت ترد في هذا العمود من أجل طرحها في البرلمان على شكل أسئلة وإحاطات علما من أجل “تحصيل” كل الوزراء، إلى الحد الذي طالب فيه النائب أبو زيد برلمانيي حزبه بتقديم استقالتهم وتوفير رواتبهم على الدولة لأن عمود “شوف تشوف” يقوم بما يقومون به وأكثر‪.‬
وبعدما غادر “الإخوان” جحيم المعارضة واستطابت جنوبهم الفردوس الحكومي، صاروا حساسين جدا لا يطيقون سماع كلمة انتقاد أو عتاب من أحد. وصار “العمود” الذي طالما استعملوه لكي يهشوا به على خصومهم الذين كانوا لا يتجرؤون على مجرد ذكر أسمائهم ولو همسا، عمودا يروج للأكاذيب ضدهم وضد حكومتهم‪.‬
‪ ولو أن هؤلاء “الإخوان” الغاضبين كلفوا أنفسهم الرجوع إلى الأرشيف لمراجعة ما كان ينشر في هذا العمود حول اليوسفي وحكومته، وجطو وحكومته، وعباس الفاسي وحكومتيه، لفهموا أن كل من يغادر كراسي المعارضة لكي يضع مؤخرته فوق كراسي الحكم عليه أن يكون مستعدا لكي يكون هدفا يوميا لمقالات وأعمدة وانتقادات الصحافة‬.
وأنا أعدهم أنهم عندما سيغادرون كراسي الحكم للعودة إلى كراسي المعارضة لن يجدوا أسماءهم في هذا العمود، لأن الصحافة تحاسب وتراقب من يملكون مقاليد السلطة والتسيير، وليس من يمارسون المعارضة ويراقبون بدورهم ويحاسبون الحكومة، أو من يختارون مغادرة الساحة السياسية إلى بيوتهم مثل اليوسفي وجطو وعباس الفاسي‪.‬
وما يحدث للحزب الحاكم طبيعي جدا، فلكل داخل دهشة كما يقال، وكراسي المعارضة ليست بمثل “رطوبية” كراسي السلطة والحكم. والذي تغير في نهاية المطاف ليس “العمود” أو صاحبه كما يروجون في مواقعهم الافتراضية وصفحاتهم الإلكترونية، وإنما “الإخوان” هم الذين تغيروا بعدما انتقلوا من المعارضة إلى الأغلبية، فصاروا يحسبون كل صيحة عليهم، فتعاركوا مع الجميع واستعدوا عليهم بعجرفتهم وادعائهم امتلاك الأصل التجاري للطهرانية والنورانية حتى أقرب حلفائهم في الحكومة، حتى صار يكرههم الجميع‪.‬
لذلك فالسبب الحقيقي لتخوفهم من النزول إلى المعارضة هو اقتناعهم بأنهم سيقعون في تناقضات كبيرة وهم يطالبون الأغلبية الحكومية بإنجاز أشياء عجزوا هم عن القيام بها لما كانت السلطة بين أيديهم‪.‬
لقد تصرف حزب العدالة والتنمية بعد دخوله للحكومة كمن قطع واد المعارضة إلى الأبد وثبت أقدامه عميقا في أرض الأغلبية الحكومية، ولذلك أحرق مراكب العودة إلى ضفة المعارضة باتخاذ قرارات لا شعبية تصب جميعها في مصلحة الشركات الكبرى والبنوك ومؤسسات التأمينات على حساب مصالح الطبقات المتوسطة والمسحوقة.
واليوم بعد قرابة عشر سنوات في رئاسة الحكومة على الحزب الحاكم أن يقوم بمراجعة عميقة وشاملة لمساره ليرى بأم عينيه الدمار الذي تسبب فيه للمواطنين ولقدرتهم الشرائية وعجزهم عن الادخار لمستقبلهم ومستقبل أبنائهم.
إنها فرصة مواتية أيضا لكي يتأمل المواطن الذي ظل يصوت لهذا الحزب لكي يراجع نفسه ويتخذ القرار المناسب في الوقت المناسب.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق