شوف تشوف

عطيه النخال

من يتابع مجريات الأمور عند الجارين الإسباني والفرنسي، أقرب شركائنا التجاريين والاقتصاديين، يلاحظ كيف أن محاسبة المسؤولين السياسيين سواء السابقين أو الحاليين قائمة على قدم وساق.
هناك أحكام بالسجن تصدر ضد وزراء سابقين ولجان تقصي الحقيقة حول طريقة تعامل الحكومة مع جائحة كورونا وصرف المال العام.
أي هناك صحافة تقوم بواجبها في تعرية وكشف الملفات وهناك قضاء يحاسب ويرتب الأثر القانوني على كل تجاوز.
وهذا تمرين ديمقراطي جيد يعطي عن البلد صورة إيجابية.
عندنا في المغرب يحدث شيء آخر، فهناك سياسة حكومية ممنهجة تقوم على مقولة شعبية مغربية اسمها “عطيه النخال”، أي قابله بالصمت والتجاهل. وهي سياسة يمكن أن ينهجها المواطن العادي الذي يطلب السلامة ولا يريد أن يدخل في الجدل والتبريرات مع الآخرين حفاظًا على أعصابه وأحيانًا على سلامته الجسدية، خصوصًا إذا كان محاوره “شي مطونص”، أما أن يلجأ مسؤولون حكوميون ووزراء
لمواجهة الرأي العام في مواضيع حيوية وحساسة تهم صحته ومستقبله بإعطائه النخال فهذا بنظري قمة الاحتقار.
هؤلاء مسؤولون ندفع رواتبهم وتعويضاتهم وامتيازاتهم من ضرائبنا لكي يسيروا شؤوننا ومع ذلك يحتقروننا ويمارسون علينا الاستعلائية والتبجح، وعندما يقع حادث مأساوي يتوارون إلى الخلف ويلوذون بالصمت بانتظار أن تمر العاصفة.
ما وقع في معامل الفراولة بلالة ميمونة من إصابات بالفيروس قاربت الستمائة كارثة صحية تسائل رئيس الحكومة الذي يتحمل المسؤولية المباشرة في عدم مراقبة تطبيق أصحاب الضيعات والمصانع لشروط السلامة، يليه وزير الشغل ووزير الصحة. هؤلاء كلهم أعطوا النخال للمغاربة وأرسلوا موظفة لكي تتلو أمام المغاربة أرقام الإصابات المفزعة دون أي شرح لظروف وملابسات ما حصل. فيما الجميع ما زال ينتظر نتائج تحقيقات اللجنة التي تشكلت والتي وعدت بحصر لائحة المسؤولين عن هذا التراخي وبترتيب الآثار القانونية عليه.
والخطير في الأمر أن أصواتًا تعالت قبل شهر محذرة من كارثة وشيكة في ضيعات ومصانع الفراولة، لكن سياسة عطيه النخال كانت هي الجواب الوحيد، إلى أن أصبحنا اليوم نتصدر عناوين الصحف العالمية في عدد الإصابات بعدما كان المغرب مضرب المثل في التحكم في الفيروس.
عادة إعطاء النخال للمغاربة من طرف مسؤوليهم أصبحت قاعدة، خصوصا عندما “يحصل الوزير قطي” متورطًا في فضيحة، مثل مصطفى الرميد وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان والمجتمع المدني والعلاقات مع البرلمان الذي رأى المغاربة قاطبة كيف أنه ظل يستغل مستخدمة في مكتبه طوال 24 سنةً دون تسجيلها في صندوق الضمان الاجتماعي.
رغم أن الجميع كتب وندد وشجب هذا السلوك وطلب من الوزير المحامي راعي حقوق الإنسان أن يوضح موقفه مما قام به إلا أنه قرر إعطاء النخال للجميع.
فلا هو دافع عن نفسه ولا هو اعتذر ولا هو قدم استقالته وأراح نفسه وأراح الناس منه.
وحتى وزير الشغل الوصي على قطاع الضمان الاجتماعي ورئيس مجلسه الإداري “دار عين ميكة” عن هذه الفضيحة ولاذ بالصمت وكأن الأمر لا يعنيه.
هل أرواح وحياة وسلامة المغاربة رخيصة عندكم إلى هذا الحد؟
هل تستكثرون على المغاربة الذين يدفعون رواتبكم وتقاعدكم مجرد إخبارهم بالذي يحدث؟
هل تعتقدون أن تنخيل المغاربة وحرمانهم من حقهم في المعلومة واحتقار ذكائهم يمكن أن يكون سياسة حكومية؟
إن تواصلكم مع الرأي العام وتقديم الحساب أمامه ليس ترفا حكوميا وزقزقة صباحية في تويتر، بل هو واجب مفروض عليكم بحكم القانون والدستور.
راكم مدايرينش فينا الخير بتوليكم المسؤولية، را حنا اللي دايرين فيكم الخير كانخلصوكم بفلوسنا كل شهر. ولذلك هضرو معانا وشرحوا لينا شنو واقع، اللي باغي يخدم يخدم ويورينا حنة يديه، واللي ما قادرش على المسؤولية يحط السوارت ويعطينا قلة النظر.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق