الرأي

علة انهيار الحضارات

بقلم: خالص جلبي

جاء في كتاب «في سبيل ارتقاء المرأة»: «وهكذا تفهم المؤسسة العسكرية أكثر المؤسسات تميزا في النظام الذكوري، التي تعتبر نموذجا لجميع المؤسسات الأخرى وتقوم على الطاعة غير المشروطة، وتنتزع من الإنسان بعده الإنساني الخاص، أي ذلك البعد المتسم بالاستقلال الواعي والمبادرة والمسؤولية، والذي بدونه لا يكون التجمع الإنساني الخاص، إن لجهة ابتكار أشكال جديدة للحياة، أو حتى لجهة الدفاع بالمعنى الحصري كالمقاومة أو حركات التحرير، التي لا يمكن تصورها بدون نظام مقبول، بحرية ومجازفة وتضحية يختارها الفرد، والجيش هو النموذج الأصلي المحتذى لجميع الأشكال الأخرى للتفويض واستلاب المسؤولية.
إن هذا الاختراع الذكوري المحض يقوض بمقتضى المبدأ نفسه الذي يقوم عليه كل إمكانية حقيقية للدفاع، أي الدفاع عن استقلال الشخص الإنساني ضد أي اقتحام خارجي، أو أي اضطهاد داخلي، والدولة ليست إلا تعميم الصلة العسكرية بين السيطرة وخنق استقلال الشخص الإنساني على جميع مظاهر التنظيم الاجتماعي الأخرى، ومركزية العنف العسكري هي نموذج لجميع أشكال المركزية الأخرى: الأبوية والبيروقراطية والإدارية والبوليسية وحتى التربوية والثقافية، والتنظيم المدني الخانق للمجموعات الكبرى، ليس إلا التغيير المدني للثكنة، شأنه في ذلك شأن الجامعة أو الكلية ذات الأصل (النابليوني) وهي كلها، حسب فكرة مؤسسها، تؤمن الموظفين والضباط، كما تؤمن – في غياب أية فكرة – لدى خلفائه التكنوقراطيين والبيروقراطيين، تلك هي النهاية المحتمة للثقافة التي لم تدرها إلا نصف الإنسانية فقط، أي النصف الذكوري».
يقيم المفكر الفرنسي المشهور (فولتير) ظاهرة الحرب على الشكل التالي:
«ساعة أكلمكم ثمة مائة ألف مجنون يلبسون القبعات، يقتلون مائة ألف حيوان آخر في سبيل بضعة أكوام من الوحل العظيم… ولا يتعلق الأمر إلا بأن نعرف أينتمون إلى رجل اسمه سلطان، أم إلى آخر؟ لا أدري لماذا قيصر». وتحت ظاهرة الطاعة والإذعان يحدث أمر عجيب، فتحت كلمة (أوامر) تهجم مجموعة مسلحة على أخرى لا تعرفها ولم تجتمع بها من قبل، فيفتكون ببعضهم بأشد من الذئاب «لا تفعل الذئاب ذلك كما دلت على ذلك دراسات العالم الأنثروبولوجي كونراد لورنتز» وبدون أي رحمة، فقط لأن (الأوامر) جاءتهم!
وهو ما علل به النازيون المجرمون في الحرب العالمية الثانية كل الجرائم التي قاموا بها «كان علي تنفيذ الأوامر، كل ما فعلته تنفيذ الأوامر التي صدرت إلي، حاكموا من أصدر الأوامر».
ومن الغريب أن القاتل والمقتول في هذه المذبحة المروعة، لو اجتمعا خارج هذا الميدان لتبادلا التحيات والكلام والضيافة، فكيف يحصل أن يقتل إنسان إنسانا آخر لم يعرفه من قبل، ليس بينهم أحقاد، ولا ثأر سابق، كيف يحصل هذا الشيء بهذه البساطة؟ حقا إن الإنسان كان أكثر شيء جدلا.
لا غرابة إذاً أن دعا الفيلسوف الألماني (إيمانويل كانط) إلى إلغاء الجيوش، وهو الشيء الذي تفكر به سويسرا «يجب أن تزول الجيوش النظامية كليا مع الوقت… لأن ظهور هذه الجيوش الدائم على أهبة الاستعداد للقتال، يجعلها تهدد الدول الأخرى بالحرب تهديدا مستمرا؛ ومن شأن هذا الواقع أن يدفع بكل دولة من الدول إلى محاولة بز الأخرى من حيث حشد الأعداد غير المحدودة من الفرق العسكرية، فتترتب على هذه المنافسة نفقات مالية تجعل السلام أبهظ تكلفة من القيام بحرب قصيرة، وتسبب أعمالا عدائية تعتمد للتخلص من العبء المالي المعني.
أضف إلى ما تقدم أن إكراه الناس ليقتلوا أو يُقتلوا إنما هو، على ما يبدو، معاملة البشر كما لو كانوا مجرد آلات بأيدي الآخرين (الدولة)، الأمر الذي قلما يتوافق مع حق الإنسانية المتمثلة في شخص كل منا…».
ويعقب الفيلسوف على ما مر بهذه القصة:
«أجاب أحد الأمراء البلغاريين إمبراطورا يونانيا كان قد اقترح عليه الاقتراح الشهم بالمنازلة لإنهاء الخلاف بينهما، من دون سفك دماء رعاياهما، فقال: الحداد الذي لديه ملقط لا يستخرج من كوزه قطعة الحديد المحماة بيده!».

دراسة المؤرخ توينبي على انهيار الحضارات

قام المؤرخ البريطاني (جون أرنولد توينبي) بدراسة للتاريخ والحضارات، في مدى نصف قرن من الزمان، درس فيها بزوغ 28 حضارة من أصل 600 مجتمع بدائي، وكان السؤال الذي يقلقه دوما كيف تنهار الحضارات بعد أن تستوي على سوقها؟ وما هي الأمراض التي تعصف بها فتقوضها، في الوقت الذي يظن أصحابها أنهم قد تمكنوا من كل شيء؟
يقول توينبي في كتابه «مختصر دراسة التاريخ»: «قادنا بحثنا عن علة انهيار الحضارات إلى رتل من الاستنتاجات السلبية:
الأول: ليس الانهيار الحضاري من فعل القضاء والقدر بالمعنى الذي يعنيه رجال القانون.
الثاني: لا يعتبر الانهيار إعادات عابثة لقوانين الطبيعة الجامدة.
الثالث: لن يتيسر رد انهيار الحضارات إلى فقدان السيطرة على البيئة، طبيعية كانت أم بشرية.
الرابع : لا يرجع الانهيار إلى انحطاط في الأساليب الصناعية أوالتكنولوجية.
الخامس: لايرد الانهيار إلى عدوان مهلك يشنه خصوم دخلاء».
وإذا كانت كل هذه العناصر ـ حسب توينبي ـ ليست سببا لسقوط الحضارة، فما هو السبب الجوهري إذاً؟

(الانتحار) هو علة (الانهيار)
يرى توينبي أن علة سقوط الحضارات هي داخلية بالدرجة الأولى.
الجنس البشري على فوهة بركان حاليا، في ما لو اندلعت حرب نووية أن تنتهي الحضارة الإنسانية في عشرين دقيقة!

قام المؤرخ البريطاني (جون أرنولد توينبي) بدراسة للتاريخ والحضارات، في مدى نصف قرن من الزمان، درس فيها بزوغ 28 حضارة من أصل 600 مجتمع بدائي، وكان السؤال الذي يقلقه دوما كيف تنهار الحضارات؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى