الرأي

علم النفس الفائق والاختبار العلمي

بقلم: خالص جلبي

وصف المؤرخ البريطاني (جون أرنولد توينبي) الدولة الآشورية بأنها ماتت في )الدرع)، وعندما هوت هذه الجثة إلى الأرض لم يرحمها جيرانها، بل مزقوا جثتها إربا، لأنهم لم يصدقوا أن تسقط تلك الدولة الرهيبة، التي حكمت معظم الشرق الأوسط ومصر وهي في زهوة القوة، فدولة آشور كانت تتفقد آلتها الحربية باستمرار وتطورها بإحكام. وعندما دفنت جثة الدولة الآشورية في مقبرة التاريخ، لم يعد يتذكر أحد أنه كانت في العراق الشمالي في عاصمتها نينوى (مدينة الموصل العراقية الحالية) دولة ذات ذراع بطاشة طويلة دفنت معظم شعوب الشرق الأوسط تحت الثرى، وسوت مدنه بالأرض في حملات عسكرية جهنمية، إلى درجة أن بعثة عسكرية يونانية مرت، بعد قرنين، في المنطقة وخلدتها بلوحة أدبية دون أية إشارة إلى طبيعة واسم الشعب الذي عاش في هذه المنطقة.
كان موت آشور عجيبا، لأن اسمها عُرف فقط من خلال البعثات الأثرية الحديثة التي كشفت عن حضارة قامت بكل جبروت، ثم انهارت ومزقت كل ممزق وجُعلت أحاديث، كما جاء في منام (نبوخذ نصر) الذي عبره له النبي (دانيال) من الأنبياء العبرانيين.
تفتقت جهنمية العقل العسكري الآشوري عن وسائل جديدة لتطويع وتركيع الشعوب المجاورة لقبضتها الفولاذية؛ فمدن الشرق الأوسط إما أن تستسلم بدون قيد أو شرط لإرادة ملوك آشور، أو أمامهم هدم مدنهم وتسويتها بالأرض واقتلاع شعوب بأكملها؛ لتزرب في معسكرات اعتقال جماعية مروعة، قبل أن يهتدي إلى هذه الطرق الفاشيون في العصر الحديث، كما فعلت إيطاليا الفاشية مع الشعب الليبي.
وهكذا سيق الشعب اليهودي إلى معسكرات الاعتقال الجماعية الآشورية، هولوكوست العصر القديم، وخلدت أدبيات اليهود تلك الأيام الحالكة، وأما النخبة الجيدة منهم فقد سيقت إلى قصر نبوخذ نصر فبدلت ثيابهم وأسماؤهم وأعطي النبي دانيال اسم (بلطشاصر)، حتى كان ذلك اليوم الذي ارتجت فيه ردهات الاقصر من رؤيا مفزعة للملك.
في السنة الثانية من حكم الملك نبوخذ نصر حلم ما أزعج روحه وطار النوم من عينيه، فأمر الملك بأن يستدعى المجوس والسحرة والعرافون والكلدانيون، ليخبروا الملك ليس ما هو تفسير المنام، بل ما رأى على وجه الدقة، ثم تفسيره وإلا كان مصيرهم الذبح!
الذي حل المشكلة كان (بلطشاصر)، النبي دانيال، الذي أخبر الملك عما رأى، ثم مضى في تعبير المنام: أيها الملك كنت تنظر وإذا بتمثال عظيم. هذا التمثال العظيم البهي جدا وقف قبالتك ومنظره هائل، رأسه من ذهب وصدره وذراعاه من فضة، بطنه وفخذه من نحاس، ساقاه من حديد، قدماه بعضهما من حديد وبعضهما من خزف. أيها الملك كنت تنظر إلى هذا التمثال حتى انطلق حجر من غير يدين من جبل؛ فضرب التمثال في نقطة ضعفه في قدميه، التي هي خليطة غير متماسكة من الحديد والخزف؛ فهوى التمثال صريعا إلى الأرض.
أنصت نبوخذ نصر إلى المنام مرتاعا وانتظر بقية الحديث بلهفة، تابع النبي دانيال مفسرا المنام هذه المرة: ستتابع الدول والممالك واحدة تلو الأخرى، فأنت رأس الذهب القوي المتمكن، ولكن المملكة التي بعدك ستكون أضعف وأصغر ويتتابع الضعف في الدولة، حتى تصل المملكة إلى وضع الهشاشة وعدم التماسك الداخلي، كما هو الحال في خليطة الخزف والحديد، عندها تسقط ويجرفها التاريخ. أيها الملك: الحلم حق وتعبيره يقين.
يطرق العلم اليوم بابا جديدا يحاول ولوجه والإمساك بأسراره. فهناك مجموعة من الظواهر التي يلاحظها الناس، ولكن لا يعرفون مصدرها ولا قانونها الذي ينظمها، ولكنها حقيقة مكررة معروفة؛ فإذا كان المنام الذي رآه نبوخذ نصر وطلب ممن حوله أن يخبروه بما رأى قبل تعبيره؛ فإن يوسف الذي عاصر ملوك الهكسوس طُلب منه تفسير المنام الذي تكرر وأدخل الملك في حالة مزاج سوداوي، من منظر بقر يأكل البقر وليس العشب، بقر ضاوي متبارز الأضلاع يهجم على بقر سمين ممتلئ الصحة، فيفترسه كالسبع الضاري الجائع «وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف».
من مثل هذه الظواهر العجيبة والتي هي قوى كامنة فينا لم نعرف أسرارها بعد، انطلق ليس علم النفس فقط؛ بل تدفق علم جديد يمكن ترجمته إلى علم (النفس الموازي) أو علم (النفس الفائق).
المنامات أو الحلم الذي يراه كل واحد منا وتشاركنا فيه أيضا الحيوانات على ما يبدو، عالم قائم بذاته وهو وجودنا الثاني، فنحن نفرح أو نتألم، قد نبكي حزنا، أو نصيح رعبا، ونحن نرى أنفسنا في وضعٍ يقوم على وهم كامل وغير حقيقي، إلى درجة أن بعض جذور الفلسفة نبتت من ظاهرة المنام، حينما قالت: كيف يمكن لنا أن نصدق حواسنا وهي تروي لنا الكذب بأكمله في المنام؟ فنحن نرى فيلما عاريا من الحقيقة تماما! فيجب علينا أن نكذب ما تراه حواسنا، وما يدرينا أننا في نوم من نوع مختلف، ومن هنا ظهرت أقوال تزعم أن الناس نيام حتى إذا ماتوا استيقظوا، فما بعد الموت هو يقظة كاملة. ولعل في الآية القرآنية من سورة (ق) ظل لهذا المعنى «فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد».

إقرأ أيضاً  أمونيوم حيفا ونترات حمص وبيروت

المنامات أو الحلم الذي يراه كل واحد منا وتشاركنا فيه أيضا الحيوانات على ما يبدو، عالم قائم بذاته وهو وجودنا الثاني، فنحن نفرح أو نتألم، قد نبكي حزنا، أو نصيح رعبا، ونحن نرى أنفسنا في وضعٍ يقوم على وهم كامل وغير حقيقي، إلى درجة أن بعض جذور الفلسفة نبتت من ظاهرة المنام

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى