الافتتاحية

عنف لفظي

مع اقتراب موعد الانتخابات بدأت تتفاقم مخاوف جدية من اتساع رقعة العنف اللفظي للحزب الحاكم، بعدما تحولت الصفة البرلمانية لبعض أعضائه بالبرلمان كمؤسسة دستورية، إلى منصات للتحريض والوعيد ضد المعارضين لمواقف وسياسات حزب العدالة والتنمية العمومية.
بدون شك ما أطلقه إدريس الأزمي، البرلماني ورئيس المجلس الوطني للبيجيدي، من تهديدات بالمواجهة المفتوحة ضد المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي وشيطنة بعضهم والتأليب عليهم ونعتهم من طرف البرلماني ونائب رئيس المجلس الوطني لـ”البيجيدي” عبد العالي حامي الدين، المتهم والمتابع في ملف اغتيال طالب يساري، بقاموس يمتح من مفاهيم حربية تتهم نشطاء العالم الأزرق بـ”الميليشيات” التي يتم تجنيدها لخوض حرب بالوكالة ضد حزبه، قد تكون لها تداعيات خطيرة على السلامة الجسدية لمنتقدي أداء الحزب الحاكم.
اليوم في فرنسا هناك نقاش حول دور بعض المحرضين الذين يروجون لخطابات عدوانية وعنيفة لفظيًا في دفع بعض المتطرفين للقيام بأعمال عنف في حق من يعتقدون أنهم خصوم للشريعة ومن يمثلها، وهناك توجه لتحميل هؤلاء المحرضين المسؤولية المعنوية لما يرتكبه بعض المجانين بسببهم.
ولعل ما يثير التوجس والريبة حقيقة أن قيادة الحزب الحاكم في المغرب لم تقم بأي إشارة من شأنها إيقاف تمدد هاته اللغة العنيفة داخل المؤسسات الدستورية ومن يفترض أنهم يمثلونها وينطقون باسم الشعب، بل على العكس من ذلك تماما ظهر أن هناك حماية ومباركة من طرف الأمين العام لحزب العدالة والتنمية لمثل هذا الخطاب العدواني المتهور، بل زاد عليهم بوصف المنتقدين بـ”المسعورين”. قد يكون هناك داخل الحزب الحاكم من استهجن باللسان أو القلب داخل المجموعات الخاصة خطاب التحريض والشيطنة لكن لم يظهر لهم تأثير وبقيت الغلبة للأعلى صوتا والأكثر جلبة وضجيجا، والأقدر على التأليب ضد الآخرين.
في الحقيقة لا نبالغ إذا قلنا إن ما تفوه به الأزمي وحامي الدين يرتقي إلى مرتبة التحريض الذي يمهد لارتكاب أفعال عنيفة، فالاستهانة من تبعات هذا الخطاب والرسائل التي يبعثها رموز الحزب الحاكم لمنتقديه، قد تكون فاتورته مكلفة جدا خصوصا في أجواء الانتخابات المشحونة بالصراع وارتفاع منسوب التعصب، نتيجة الأجواء المحمومة التي لا يصل فيها إلا صوت مقت الآخر. ما يعلمه جيدا رموز العدالة والتنمية بناء على سوابقهم التاريخية أن تأثير خطاب الكراهية والعنف اللفظي له قدرة رهيبة على التغلغل إلى عقول بعض الشباب المتهور، والخطير أن يشكل غطاء إيديولوجيا يقود لأفعال غير مضمونة العواقب، خصوصا أن المتتبع لموجة التأييد لكلام الأزمي وحامي الدين داخل شباب العدالة والتنمية سيجد أن هناك دعما لخطابهما المليء بالإقصاء والتحريض، ما يؤكد وجود نوع من الموافقة الضمنية لفحواه.
لا ينبغي لحزب العدالة والتنمية أن ينسى أنه كان قاب قوسين أو أدنى من الحل القانوني بسبب مسؤوليته المعنوية عن أحداث 16 ماي، التي ذهب ضحيتها عدد من المغاربة الأبرياء، حيث شكل آنذاك خطابه السياسي العنيف حاضنة لارتكاب أفعال إجرامية كاد أن يدفع ثمنها غاليا، لكن المؤسسات منحته فرصة ثانية لإظهار حسن سيرته والابتعاد عن كل ما من شأنه أن يضعه في خانة دعاة التحريض والتهييج.
واليوم يقف الحزب الحاكم أمام مفترق طريقين لا ثالث لهما، إما ممارسة السياسة بقواعدها والانحياز إلى خطاب سياسي عقلاني متوازن دون السقوط في هاوية شيطنة الآخر والتحريض ضده، أو الاستمرار في التحدي وجعل التحريض خطابا ممنهجا داخل الحزب لبث الرعب في قلوب المعارضين، وهنا ينبغي للجهات الدستورية والقضائية التدخل لترتيب المسؤوليات القانونية وتتبع كل المحرضين على العنف ونشر خطاب التحريض السياسي الذي يساهم في توتير الأجواء السياسية والاجتماعية ويجرنا لهاوية العنف السحيقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى