الرأي

عواجيز بريطانيا

أحمد مصطفى

لا حديث في بريطانيا هذه الأيام سوى عن زيادة الضرائب، خاصة على الطبقة الوسطى. ليس لأن بريطانيا لا تفرض ضرائب باهظة على مواطنيها، ولكن لأن الحزب الحاكم حاليا معروف بأنه حزب الأعمال، وخفض الضرائب وتقليل الإنفاق.
هذا الأسبوع، تخلى رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون عن مبادئ حزب المحافظين الذي يتزعمه وقرر زيادة مستحقات التأمينات الاجتماعية المستقطعة من العاملين والموظفين، لتمويل إنفاق إضافي على الرعاية الصحية والاجتماعية.
في بريطانيا نظام ضريبي متشدد، والضرائب والرسوم في بريطانيا من الأعلى في بعض فئاتها بين الدول الرأسمالية الكبرى.
على سبيل المثال فإن ما يدفعه المستهلك ثمنا للتر البنزين في محطة الوقود يذهب أكثر من ثلثيه للحكومة في شكل ضرائب ورسوم. وهي من أعلى النسب في العالم.
بالطبع يحتاج النظام الصحي لمزيد من الدعم، وأيضا دور الرعاية الاجتماعية، لكن الأخيرة كانت سبب الجدل الواسع والمرشح للاستمرار في المجتمع البريطاني.
وبغض النظر عن مسألة مبادئ حزب انتهكت، أو شكوى البعض من أن زيادة الضرائب على الموظفين والعاملين يمكن أن تضر بالتعافي الاقتصادي، فإن بؤرة الجدل هي «عواجيز بريطانيا». أي ذلك الجيل الذي تقاعد عن العمل، متجاوزا سن التقاعد عند 67 عاما، ويفترض أن يتمتع بالدعم الحكومي.
قبل فترة، كشف دومينيك كمنغز كبير مستشاري جونسون السابق عن أن رئيس الوزراء قال في بداية وباء كورونا إنه غير معني بوفاة من تجاوزوا السبعين والثمانين من العمر.
وقال كمنغز إن جونسون استخدم تعبير «فلتتكدس الجثث» وأنه لا يصح أن يتعطل البلد من أجل زيادة أعمار من عاشوا أعمارهم بالفعل بضعة أشهر. وقامت الدنيا ولم تقعد، وكتب سياسيون ومعلقون متهمين الحكومة وحزب المحافظين بأنهم لا يهمه كبار السن. بل إن البعض ذهب إلى جلد الذات والقول إن بريطانيا أصبحت بالفعل بلدا ضد عواجيزها.
هذه المرة، وفي القلب من خطة جونسون لإصلاح نظام الرعاية الاجتماعية أن تتحمل الدولة قدرا أكبر من كلفة دور الرعاية حتى لا يضطر المسنون في سن التقاعد إلى بيع بيوتهم وإنفاق كل مدخراتهم على دور الرعاية.
وحددت الحكومة سقفا منخفضا لإنفاق كبار السن على الرعاية في تقاعدهم. وثار من كانوا يتهمون الحكومة وحزب المحافظين بأنه يعادي عواجيز بريطانيا على جونسون والحكومة والمحافظين. هذه المرة يتهمون حكومة جونسون بمحاباة العواجيز على حساب الشباب ممن يعملون ويضطرون لدفع مزيد من الضرائب لتمويل الإنفاق على رعاية كبار السن.
الحقيقة، أن هناك بعض المنطق في الاتهامات هذه المرة. فمستحقات التأمينات الاجتماعية التي زادتها الحكومة تخصم من العاملين والموظفين، ولا يدفعها من دخلهم من استثمار أو إيجار عقار أو ما شابه ذلك من أصحاب المهن الحرة والأعمال. بينما الدعم الذي ستقدمه الحكومة لن يفيد سوى العواجيز الموسرين، أي الذين لديهم أصول من عقارات أو ما شابه سيورثونها لأبنائهم. وهكذا تبدو الحكومة وكأنها تأخذ من صغار السن الذين يعملون ليكفي دخلهم بالكاد لمعيشتهم لحماية تركة كبار السن. وليس هناك ما يضمن أن حكومات أخرى ستغير النظم بحيث لا يستفيد الجيل الذي يدفع حاليا من دعم الحكومة في المستقبل.
أما الضرر المباشر على عواجيز بريطانيا فجاء في ما تضمنته الخطة من وقف إجراءات حماية معاشات التقاعد، أي عمليا خفض الزيادة السنوية فيها بما يوفر للخزينة بضع مليارات. وما زاد الجدل حول سياسة الحكومة أنها قبل فترة وجيزة ألغت زيادة متواضعة في مخصصات الضمان الاجتماعي للمحتاجين، في حدود 20 جنيها فقط. بينما ما ستدفعه الحكومة ضمن خطة الرعاية الجديدة للمسنين فهو بالآلاف.
كل ذلك يثبت أن حكومة جونسون لم تتخل تماما عن المبادئ الأساسية لحزب المحافظين الذي تمثله، أي كونه حزبا صديقا للأعمال والشركات. فلا ضريبة الشركات زادت ولا نجحت محاولات حزب العمال المعارض في إفشال التصويت على خطة جونسون في البرلمان عبر طرح تمويل بديل بزيادة الضريبة على الأثرياء. لكن في الوقت نفسه تصعب الإجابة على السؤال الأهم بشأن اهتمام بريطانيا بعواجيزها. وهو سؤال لا يقتصر طرحه على بريطانيا وحدها، بل يكاد ينسحب على أغلب الدول المتقدمة اقتصاديا.
فهناك شكوى باستمرار من أنها مجتمعات «شاخت»، أي أصبحت نسبة كبار السن المتقاعدين فيها أكبر من نسبة من هم في سن العمل. وغالبا يتم التلاعب بالأرقام للشكوى من أنها «مجتمعات متقاعدة»، لكن الحقيقة أن نسبة كبيرة ممن يحصلون على المساعدات الاجتماعية هم من العاطلين في سن أقل من سن التقاعد. وهناك من «أدمنوا» العيش على مساعدات الدولة – ليس من اللاجئين والمهاجرين، بل أغلبهم من السكان الأصليين.
وطالما تتعامل تلك الدول مع كبار السن فيها باعتبارهم عبئا على نظامها الاجتماعي، ستظل تلك المشكلة. وهذا يختلف تماما عما في بلاد مثل بلادنا التي تنظر لكبارها باعتبارهم قيمة تستحق الرعاية والتقدير وليسوا عبئا على الأجيال الصغرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى