حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

مفاعلات رمضانية

في السنوات الأخيرة، ظهر في المجتمع المغربي طقس جديد لا يقل قداسة عن طقوس الاستهلال، وهو طقس التحضيرات المسبقة لشهر رمضان. حيث تتحول المطابخ إلى ورشات شبه صناعية، وتتحول الهواتف إلى كاميرات مراقبة توثق أحدث تقنيات تحمير الدقيق، وأنجع الطرق المبتكرة للتقليل من السعرات الحرارية لـ«سلو». هذا الطقس لم يولد من فراغ، بل غذته قنوات اليوتيوب ومجموعات الفيسبوك، قبل أن يلتحق التيكتوك بالموكب خلال الخمس سنوات الأخيرة، ليصبح السباق عاما، معلنا ومشحونا بالمقارنات والإعجابات والروابط الشرائية. هنا لا نتحدث عن وصفات، بقدر ما نتحدث عن اقتصاد رمضاني مواز، يقوم على منطق التخزين المسبق والخوف من الندرة الوهمية في زمن الوفرة الرقمية.

هوس التحضيرات يبدأ حين نلاحظ كيف يتحول شهر الصوم إلى شهر العرض، حيث يقاس الإيمان بعدد الأكياس المصفوفة في المجمد ويقاس التدين بمدى امتلاء الرفوف. هذا التحول ليس بريئا، فهو يزاوج بين رأسمالية ناعمة وخطاب ديني مطمئن، يخبرك أن التحضير فضيلة، وأن الاقتصاد في الوقت عبادة وأن تعبئة الكونجيلاتور شكل من أشكال الحكمة. هكذا يصبح الاستهلاك لغة أخلاقية، ويصبح الشراء المفرط سلوكا مبررا باسم التنظيم العائلي، بينما يغيب السؤال البسيط: ماذا نفعل بكل هذا الوقت الذي ادخرناه، إذا كان سَيُقْضَى في التذوق، والتصوير والتكديس؟

من الناحية النفسية يعتبر الخوف محركا قويا، والخوف هنا ليس من الجوع، بل من النقص الرمزي.. من أن نبدو أقل استعدادا من الآخرين، أقل مهارة، أقل مواكبة للصيحة السائدة. وهكذا يتحول الفضاء الرقمي إلى محكمة ذوق، تصدر أحكامها يوميا وتمنح شهادات التفوق لمن يملك مجمدا أكبر، ووقت فراغ أطول ورغبة أعلى في العرض. الرأسمالية بدورها لا تضيع الفرصة، فهي تعيد تسمية الأشياء. تسمي الشباكية طقوسا روحانية، وتسمي البريوة استعدادا إيمانيا وتسمي الاكتناز المرضي اقتصادا منزليا. وبذلك تبيع الطمأنينة في علب بلاستيكية، بينما يبقى القلق حاضرا، لأن السباق لا ينتهي. دائما هناك وصفة جديدة، وقالب أحدث ومجمد أعمق.

في النهاية، يصبح رمضان مسرحا لمفارقة عجيبة. شهر يفترض فيه تقليص الرغبات، فيتم توسيعها. وشهر يفترض فيه الصمت، فيعلو فيه الضجيج وشهر يفترض فيه المشاركة، فيتحول إلى استعراض فردي. تبلغ ملحمة المسمن والبسطيلة ذروتها حين نكتشف أن المجمد صار قبلة جديدة، وأن السكينة باتت تقاس بدرجة البرودة. كلما انخفضت الحرارة ارتفع الاطمئنان، وكلما امتلأ المجمد فرغت الأسئلة.

فرمضان لا يحتاج إلى عشرات الكيلوغرامات من المعسلات ليكون كريما، ولا يحتاج إلى مئات المقاطع الدينية ليكون روحانيا. يحتاج فقط إلى إنسان أقل خوفا وأكثر حضورا. إنسان يفهم أن الصوم ليس تمرينا على التخزين، بل تمرين على التحرر من وهم الامتلاك. وحين نحرر أنفسنا من سباق المجمد، ربما نكتشف أن الوقت الذي وفرناه لم يكن للطبخ فقط، بل للتفكير، وللجلوس مع الذات وللإصغاء لما تبقى من المعنى. في عالم يفضل المعلب على الحي والبارد على الدافئ.

هنا تنتهي المهزلة ويبدأ السؤال الحقيقي: هل نملك الشجاعة لنفتح المجمد، ونغلق قليلا شاشة الهاتف، لنستعيد رمضان كفكرة لا كمخزون؟ وكزمن للتخفف لا للتكديس؟ وكفرصة للانتباه لا للاستعراض؟ هذا السؤال وحده كفيل بأن يعيد ترتيب علاقتنا بالشهر، وبأنفسنا، وبما نأكله، وبما نشاهده وبما نؤمن به. بعيدا عن ضجيج الوصفات، وعدد الأكياس ونصائح المؤثرين. لأن رمضان في جوهره ليس مسابقة، ولا حملة تسويقية، بل فرصة هادئة لإعادة التوازن بين الرغبة والمعنى وبين السوق والضمير.

ولو أردنا خلاصة تصف حمى المطابخ استعدادا للشهر الفضيل، لقلنا إن أعظم ابتكار رمضاني حديث توصلت له ربات البيوت المغربيات هو تحويل العبادة إلى محتوى وتحويل القلق إلى وصفة قابلة للمشاركة. غير أن المحتوى يزول والقلق يبقى. لذلك تبدو العودة إلى البساطة فعلا مقاوما، بسيطا مثل طبق ساخن يؤكل بهدوء دون تصوير، ومثل وقت يمر دون إشعار، ومثل مجمد فارغ يترك القلب أخف والفكرة أوضح. وربما، حينها فقط، سنضحك حقا على سنوات الركض خلف البرودة ونتذكر أن الدفء كان دائما هنا. في المشاركة، وفي القصد، وفي الاعتدال وفي قدرة الإنسان على أن يقول كفى حين يلزم القول كفى. دون ضجيج، ودون هاشتاغ ودون مجمدات إضافية. فهكذا فقط يعود رمضان كما كان، وعدا بالصفاء، لا قائمة تسوق طويلة ولا معرض مطابخ مفتوحة. وهكذا فقط تنتهي معارك العسل والزنجلان بوقفة تأمل، لا تجرح ولا تمجد، بل تلمح وتترك للقارئ حرية التفكير والاختيار، والمسافة الضرورية بين الدين والسوق، وبين الروح والسلعة، وبين رمضان كمعنى ورمضان كسباق محموم نحو التسلح بالبريوات.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى