الافتتاحية

في الحاجة إلى برلمان قوي

تطلق الأحزاب السياسية هذا الأسبوع جولات مكوكية لتشكيل الحكومة المقبلة بقيادة الحزب المتصدر التجمع الوطني للأحرار، كل أعين الأحزاب تتجه للمشاركة في الحكومة باستثناء حزب العدالة والتنمية الذي قرر المعارضة بعد تعرضه لهزيمة انتخابية قاسية. لكن قبل أن ترسم المفاوضات لوحة المشهد السياسي المقبل، لا بد أن يضع الجميع نصب أعينهم بناء مؤسسات دستورية قوية ومنسجمة تعزز الجبهة الداخلية كما قال جلالة الملك في خطابه الأخير، لتفادي ما عشناه طيلة العقد الأخير من حروب لا تنتهي داخل الحكومة وتناقضات سريالية داخل المعارضة والأغلبية.
ومن الواضح أن مصلحتنا كمجتمع ودولة ليست فقط بناء حكومة منسجمة بل بالدرجة الأولى بل أيضا تشكيل برلمان فاعل وقوي، والحكم على فعاليته وقوته يجب أن تحتكم لمعايير التوازن السياسي والعددي، فلا يمكن أن تتحول المؤسسة التشريعية إلى طائر يطير بجناح واحد للأغلبية بينما جناح المعارضة معطل، وهناك من يعتقد أن ضعف البرلمان وتحوله إلى لعبة في يد السلطة التنفيذية سيُسهل على الحكومة إنجاز الكثير من الأمور دون إزعاج، هذا التقدير قد يكون صحيحا لكنه غير صحي لسير النظام برمته، فضعف البرلمان ولا سيما المعارضة يعني فتح الباب مشرعا أمام الشارع والفاعل الاحتجاجي والتيارات العدمية.
فلم يحدث أن كان البرلمان المغربي ممثلا للأغلبية فقط أو خادما للحكومة، وحتى في ظل الولايات التشريعية التي كانت تهيمن فيها الأحزاب «الإدارية»، ضم البرلمان معارضة قوية تقودها أحزاب الحركة الوطنية مما كان يضمن الكثير من التوازن الدستوري والسياسي، ويجنب البلد الانزياحات خارج الأطر الدستورية المشروعة.
لذلك فالذين يفكرون في تشكيل الأغلبية البرلمانية دون إيلاء المعارضة مكانتها، هم واهمون وحالمون ويركبون مغامرة غير محسوبة العواقب، لأن قوة الأغلبية من قوة المعارضة، وقوة الحكومة من قوة البرلمان، لذلك من الواجب جدا إعطاء مجلس ممثلي الأمة المقبل مساحته السياسية الكاملة للعمل والتحرك لحماية المجتمع من أي تغول، ولا بد أن نوفر له القوة العددية لكي يشتبك مع الحكومة مؤسسيا مرافعا عن الشعب ضمن إطار دستوري يبتعد عن أي شكل من أشكال هدر الزمن التنموي والسياسي.
المطلوب مؤسسات قوية وعلاقة تحكمها الأطر الدستورية الناظمة بوجود حكومة تنفذ القوانين وتدير شؤون البلد وتنزل مشاريعه الكبرى، ومؤسسة تشريعية تجود ما عجزت عنه الحكومة  وتراقب بقوة عملها وتقيم سياساتها، هذا ما حرمنا منه خلال العشر سنوات الماضية، وأدى لخلل كبير في السياسات العمومية ومنظومة المساءلة الدستورية والسياسية، ولذلك لا نريد أن نسبح في النهر نفسه مرة أخرى.
صحيح لم تظهر بعد معالم الأغلبية والمعارضة لكن من اللازم أن تدرك جميع الأحزاب أهمية وحاجة البلد لبرلمان فاعل وقوي، وضرورة إعطائه المساحة السياسية والقوة العددية الوافية لتحقيق المقاصد التي وضعها الدستور والتي يتطلبها السياق المليء بالتحديات والرهانات والمخاطر أيضا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى