الرأي

قصة السلاح النووي

بقلم: خالص جلبي

عندما سقطت ألمانيا الهتلرية في الحرب العالمية الثانية، كان هاجس الحلفاء هو المدى الذي بلغته ألمانيا في تطوير سلاحها، وما كنه السلاح السري الذي هدد به هتلر العالم، والرايخ الثالث يغرغر في سكرات الموت؟ وهل قصد به السلاح النووي؟
كان هم الحلفاء مركزا على وجه الخصوص على سلاحين؛ فأما الأول فكانت ألمانيا قد بدأت في تطويره قبل نهاية الحرب بقليل، وهو سلاح الطيارات بدون طيارين والصواريخ (ف 1 وف 2- V1 V2) الذي ذاقت منه لندن الويلات يومها، وأما الثاني وهو الأكثر أهمية فهو السلاح النووي، فبحمل المقذوف النووي على ظهر الصاروخ يمكن تدمير أي بقعة على وجه الأرض، وبامتلاك سلاح من هذا النوع لا يبقى فرق بين دولة صغرى وعظمى. وفي الوقت الذي كان الاتحاد السوفياتي يقتلع القضبان الحديدية ويجمع بقايا المعامل الألمانية في ما عرف بعد ذلك بألمانيا الشرقية (DDR) كغنائم حرب ومعها العلماء، كان هم الحلفاء – وبوجه خاص الولايات المتحدة الأمريكية- منصبا على الاستيلاء على المادة الرمادية، أي الأدمغة العلمية (والمادة المادية -GRAY MATTER- تعني قشرة المخ).
كان خوف الحلفاء له ما يبرره، وحرصهم دليل على قمة الذكاء، لأن التفوق العسكري هو تفوق تقني وعملية ذكاء قبل كل شيء. وتنقل لنا أسرار الحرب خبرين عن صراع الديناصورات الخفي، الأول الاجتماع الذي قامت به وزارة الدفاع الألمانية في بداية الحرب العالمية الثانية مع فريق العلماء بقيادة الجنرال (ميلش MILCH)، والثاني التنصت السري الذي مارسته استخبارات الحلفاء على الفريق العلمي الألماني، الذي سقط في يد الحلفاء إبان سقوط الرايخ الثالث.
في ظروف الحرب الكونية حصل اجتماع هام ومصيري في وزارة الدفاع الألمانية، قاده أحد الجنرالات النازيين المخضرمين، حين وجه السؤال إلى الفيزيائي المبدع (فيرنر هايزنبرغ) عن الطاقة النووية، والقدرة التدميرية فيها، «كم يبلغ حجم القنبلة ومدى تدميرها؟»، وهزته الإجابة أنها في إمكانية أن تمسح مدينة بكاملها من خارطة الوجود! فأغرته الإجابة بمتابعة التفصيلات: «يا ترى كم حجم هذه القنبلة؟»، وكان الجواب صاعقا: «ربما لا تزيد عن حجم رأس ثمرة الأناناس!»، (كان وزن قنبلة البلوتونيوم التي ألقيت على ناجازاكي 2.6 كلغ، ولم ينفجر منها إلا 21 في المائة فقط!) فتابع يسأل: «ولكن كيف الطريق إلى امتلاك مثل هذا السلاح؟»، وكان جواب هايزنبرغ والفريق العلمي المرافق: «إن الطاقة النووية هي الآن ليست أكثر من فكرة نظرية وصلت إليها الفيزياء النووية، منذ فترة قريبة، وهي تقوم على انشطار نواة اليورانيوم، وبموجب نظرية (النسبية الخاصة) التي وحدت ما بين الطاقة والكتلة، فإن كمية قليلة من مادة اليورانيوم سوف تقود إلى نتائج تدميرية لم تخطر بعد على قلب بشر، إلا أن الطريق لمثل هذا السلاح يحتاج إلى سنوات طويلة من العمل المخبري، قد تصل ربما إلى عشرين سنة!».
شعر الجنرال النازي بكثير من الإحباط لطول الوقت والتكاليف، وكانت الحرب العالمية الثانية قد حمي أوارها واشتد سعارها وتعالت نارها، فاكتفى النظام النازي بدفع المشروع باتجاه التطوير بدون حماس كبير، خاصة وأن (القائد FUEHRER الفوهرر) لا يميل كثيرا إلى هذه الكيمياء اليهودية!
لنرجع إلى ألمانيا بعد سقوطها، فقد تم اعتقال مجموعة من العلماء الفيزيائيين الألمان كغنائم حرب لا يتجاوز عددهم العشرة، تم وضعهم في فيلا مريحة للغاية في لندن مع كل تجهيزات الرفاهية الممكنة، إلا أن الفيلا كانت مصممة بكيفية شيطانية على طريقة (أرسين لوبين وشارلوك هولمز وقصص أغاثا كريستي)، حيث لا توجد زاوية أو حائط أو طاولة أو جهاز بدون ميكروفون صغير أو لوحة تسجيل وتنصت، وهذه الشبكة الفظيعة متصلة بمركز مراقبة مركزي، يسجل كل حديث عابر، أو خاطرة فكرة، أو زفرة حسرة تصدر عن أي عالم من هذه المجموعة العلمية الهامة، وعلى مدار الأربع وعشرين ساعة. وكان المشرفون على عملية التنصت خبراء متقنين للغة الألمانية، واجتمعت أشرطة بطول بلغ كيلومترات لا نهاية لها في نهاية المطاف، وبعد مراقبة استغرقت ستة أشهر كاملة وفي نهاية الرحلة، تبين للحلفاء كمية العمل الذي قام به الفريق العلمي الألماني، والمدى المتواضع الذي وصل إليه البحث النووي، الذي كانت أمريكا تمثل فيه (المونوبول الدولي)، أي الاحتكار الدولي الكامل من طرف واحد؛ فالفريق الألماني لم يتقدم شيئا يذكر في مجال تطوير السلاح النووي، خلافا لنظام الصواريخ الذي استفادت منه الولايات المتحدة بعد ذلك لتطوير نظامها العابر للقارات.
كان الفريق العلمي الألماني الخاضع للتجربة مثل فئران المخابر، يتكون من أدمغة في غاية الذكاء والنباهة والإبداع مثل (فيرنر هايزنبرغ)، صاحب نظرية الارتياب ومطور ميكانيكا الكم، و(أوتو هان) الذي انشطرت الذرة على طاولته، و(كارل فريدريش فون فايتسكر) الذي اهتدى إلى الوقود النووي، الذي تستخدمه الشمس في لهيبها الذي مرت عليه خمسة مليارات سنة. مما أوحى لهم باستحضار وقود الشمس إلى الأرض!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى