الرأي

محمد السادس.. خطاب الأمل والتبصر

خالد فتحي

مرة أخرى ينجح صاحب الجلالة محمد السادس في ضخ لقاح الأمل لدى المغاربة، وحتى لدى جيراننا الشرقيين، فخطابه لذكرى عيد العرش أتى كعادته كثيف المعاني غني الدلالات، مهمته أن يستبصر المستقبل لنا وللمغرب الكبير حلم الشعب المغاربي الذي أجهض بالنزاعات المفتعلة المعطلة للتنمية، المعيقة للحاق بالركب العالمي. لقد كان خطابا مفعما بالرسائل البليغة التي تدل على وجاهة الرؤية التي يمتلكها المغرب لتذليل الصعاب الجديدة وغير المسبوقة التي جاءت مع الوباء اللعين.
في هذا الخطاب، يقول جلالة الملك للداخل إن سر نجاح المغرب وتميزه في مواجهة تداعيات الجائحة بل وتحوله إلى نموذج ملهم حتى للأغنياء من الدول لم يكن صدفة، بل يعود للعمق الحضاري للأمة المغربية، ولتعلقها بمقدساتها التي تمدها بالقوة اللازمة لتخطي الملمات والشدائد، ولانصهارها في ملوكها وسلاطينها عبر التاريخ. هذه القيادة السياسية التي تحظى بالإجماع، والتي ظلت دائما بعيدة عن التجاذبات، هي التي أسعفت المغرب في هذه المرحلة العصيبة، حيث وجد الوباء من يقاومه، فاتخذت القرارات الصائبة بسلاسة واقتدار، وفي التوقيت المناسب، وهو ما جنبنا سيناريوهات سوداء كانت بعض الديمقراطيات الغربية ترشحنا للوقوع فيها بسبب جهل مترسخ لديها بمكامن القوة فينا. جلالة الملك الواعي بحجم وخطورة هذه الأزمة الضارية التي وقع في أتونها العالم، يريد أيضا من خلال خطابه أن ينبه شعبه إلى أن المعركة ضد الوباء ما زالت طويلة، وإلى أنها تتطلب الأناة والصبر والذكاء لأجل ربحها، إنه الرائد الذي لا يكذب أهله، ولذلك يقول لهم إن كورونا تخوض حرب استنزاف ضد مقدرات الشعوب، وإن المعول عليهم في الصفوف الأمامية هم الجنود الجدد، فقد انتقلت العسكرية إلى الأطباء والممرضين، لذا حرص على أن يعلم الأطر الصحية من أطباء وممرضين وإداريين بعرفان الشعب المغربي لهم، لكأنه يشحذ هممهم بموهبة القائد الفطن الذي يقرأ مشاعر النفوس ويحدس السيناريوهات المحتملة لعدم وضع البندقية التي ليست سوى السماعة في حرب الكورونا لمواصلة الكفاح ضد هذا الفيروس الهائج والمتحور المغير لخطط الهجوم، وكتابة صفحات أخرى مشرقة من التضحية والفداء في سبيل الوطن، الملك الذي يحس بآلام المغاربة وهواجسهم بخصوص المستقبل يؤكد لهم أن الدولة كانت وستظل حاضرة لدعمهم في هذه الحرب المستمرة، المرهقة لنفسياتهم وجيوبهم، وطمأنينتهم، بل إنها تستعد للسنوات والعقود القادمة من خلال السعي لتحقيق السيادة اللقاحية من خلال الاعتماد على النفس وعلى العلم، وعدم الارتهان إلى الآخرين الذين سرعان ما يعودون لمجتمع الطبيعة حالما تشتد وطأة الأزمات. ذلك أن الحياة قد تغيرت جذريا، وربما للأبد. والأمة التي لا تأخذ القرارات المصيرية الآن ستشقى كثيرا، وستضمحل في القريب العاجل. فالمغرب قاد حملة من أنجح الحملات التلقيحية في العالم بفضل سياسة الاستباق التي تميزه، نجده الآن في وضعية أحسن بكثير من دول مماثلة له أو حتى دول كانت تنظر إليه من عل. لقد غطت الرؤيا الثاقبة لجلالته، وكذلك إرادته الصلبة وشجاعته في اتخاذ القرارات على محدودية الإمكانيات التي كانت بأيدينا حين داهمتنا على حين غرة هذه الجائحة. ولذلك كان جلالته ولازال مجمعا للقوة الكامنة في هذا الشعب العظيم الذي يصطف وراء القائد في الملمات والخطوب الكبرى. وكانت الجائحة لحظة مناسبة لنعرف معنى أن يكون لنا نظام حكم تضرب شرعيته في أعماق التاريخ، شرعية تسعف في المنعرجات الخطيرة التي قد تمر منها الشعوب، فتكون السبيل نحو تحقيق الخلاص.
لقد كان للنموذج التنموي أيضا نصيبه من الخطاب الملكي، فهو كما قال الملك خارطة الطريق التي ينبغي السير فيها دون تردد. فلقد انتهى لغير رجعة زمن عدم الانفراز بخصوص الهوية والمقاصد التي تتطلع لها الشعوب، الدول المترددة المتأرجحة بين نماذج مختلفة ستفشل في زمن الكورونا، ولذلك كان يتعين علينا أن نعرف من نحن وأن ندرك غاياتنا، ونحدد ما معنى أن تكون مغربيا، لن يكون التنافس الا في التنفيذ. أما الأسس والأهداف فقد تم التوافق عليها بين القوى الحية للبلاد لحظة إعداد النموذج، وهو التنفيذ الذي أناطه جلالة الملك بالنخب والكفاءات حيث تحتفظ الملكية بدور المواكبة لهذه المرحلة لتفادي الأخطاء والانزلاقات.
ولأن المصير مشترك مع الجزائر الجارة الشرقية، فقد كان الخطاب الملكي أيضا خطاب الأمل في تصفية الأجواء وترك الشعوب تتفرغ لتحدي الجائحة الذي تهون أمامه هاته المناكفات والمشاحنات غير المبررة المعاكسة لمنطق التاريخ. فقد مرت، حسب جلالة الملك، مياه كثيرة تحت الجسر، ولا يعقل أن نستمر في دفع ضريبة صراعات الأجيال السابقة. لذلك مد يده مرة أخرى للجزائر لبناء المغرب الكبير الذي تختفي فيه الحدود التي ليست إلا صنيعة وإرثا ملعونا من الاستعمار. وهكذا فإن الملك، وفي ذروة التوتر مع الجارة، يترفع عن العداوة والبغضاء، ويبادر بالجنوح نحو السلم والبناء. فهذه هي أخلاق الإسلام الذي يطالبنا بالتسامح وبالدفع بالتي هي أحسن حتى نكون كالبنيان المرصوص. هذا ما نحتاجه في الحقيقة في زمن كورونا. فشعوبنا المغاربية أمام تحد وجودي، وكورونا يهدم الخطط، ويربك المصائر، وليس لنا من حل أو نجاة إلا بالتكاتف والتعاضد والتعاون والإخاء. لأننا توأمان، وتوأمان سياميان يستحيل الفصل بينهما. لا يعيشان إلا معا. إنها دعوة صادقة من ملك صادق متسامح، فهل من مجيب لإنهاء هذا الفراق المضني الذي طال أمده بين الشعبين المغربي والجزائري، إذ كفانا تضييعا للفرص.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى