الرأي

مراحل متقدمة في التسلح

بقلم: خالص جلبي  

استطاع الإسكندر بجيش لا يتجاوز 47 ألف مقاتل أن يحطم جيوش (داريوس)، كما تفعل المطرقة في صدم وعاء من الفخار! فعلى الرغم من جيش داريوس الهائل والمكون من قرابة المليون من الجنود، والفيلة والعربات ذات الأنصال «العربات الآشورية»، فإنها لم تصمد أمام جهاز «الفالانكس» الإغريقي والمكون بشكل رئيسي من المشاة المدرعين، المزودين بالحراب الثقيلة الطويلة، في أرتال منظمة تعمل كالمطرقة في الاختراق وتتحرك في مجموعات تشبه كل مجموعة «القنفذ ذا الأشواك». ثم جاء دور «الليجيون – LEGION» الروماني الذي تسيد الصراع لقرون لاحقة، بفضل التطوير الجديد على نظام «الفالانكس» الإغريقي، فأضاف السيف الإسباني القصير المعمر وأنقص طول الرمح ليطور الرمح الخاص به بطول قدمين «PILUM»، إلا أن نظام الليجيونات الرومانية تم هزيمته واختراقه، سواء بمبدأ «الكماشة» الذي طبقه هانيبال في معركة (كاني –  CANNAE)، بحيث أصبح لفظ كاني دليلا على الكماشة الفظيعة! أو عن طريق الجرمان الذين طوروا «الفأس مخترق الدروع – الفرانسيسكا»، أو أخيرا على يد الخيالة القوط في معركة (أدريانوبل – ADRIANOPLE) عام 378 م، حيث تسيد راكب الحصان الذي يستخدم سلاح الصدمة «الرمح والقوس» للفترة التالية. ثم جاء الدور من جديد ليُلغى دور الخيالة الخفيفة وأقواسها الممتازة، على الرغم من براعة أصحابها كما حصل لجيش «العاصفة» القديم المتمثل في جيوش جنكيز خان التي لم تقهر، كان ذلك بواسطة ظهور الخيالة المدرعة والتي أرعبت الناس، حينما ظهر الملك (شارلمان) يلمع بالحديد المخيف تحت أشعة الشمس حينما حقق انتصاره في معركة (بافيا) عام 814 م. ثم جاءت هزيمة الدروع من داخلها، فقد أثقلت الفارس إلى الدرجة التي لم يعد الحصان قادرا على حمل كل هذا الحديد، وكان منظر سقوط الفارس المدرع من ظهر الفرس على الأرض يثير الشفقة لأنه لا يعود بعدها يستطيع حراكا، كما يحصل مع الحيوان البحري إذا أخرج من الماء! وعندما بدأ ترقيق الدروع فاجأتها أسهم القوس المتصالب والقوس الطويل في كل من معركة (هاستنجز) عام 1066م، تلك التي انتصر فيها الدوق ويليام واحتل فيها بريطانيا، أو في معركة كريسي عام 1346 ميلادي، حيث كان بإمكان السهم اختراق الدرع والفخذ وتسمير الفارس في سرجه الخشبي! وعندما أراد الفلاحون السويسريون التخلص من الإقطاع الألماني، طوروا سلاحهم الخاص بهم والذي يُرى في المتاحف الآن «الهالبارد» ذو نهاية مثلثة: رمح للطعن وفأس لضرب الخوذة، ثم خطاف لنتر الفارس من ظهر الحصان. ثم جاءت القفزة النوعية في تطوير الأسلحة النارية، فمع البارود بطل دور قلعة «الإقطاعي» ومعه النظام الإقطاعي، إلا أن البندقية الأولى وحاملها «الموسكيتير» وجد صعوبة في التكيف معها بين الحشي والإشعال والإطلاق لمرة واحدة، حتى جاء القائد المبدع فريدريك لينجز انتصاره الرائع في معركة (لوثن) من خلال الاستخدام الجيد للسلاح الناري، وأمكن تطوير أمد الرصاصة وقوة انطلاقها من خلال أمرين، تطويل السبطانة و«حلزنتها». ولبطء الحشي في المراحل الأولى، تم إضافة «السونكي» كي تأخذ البارودة وظيفة الرمح والبارودة في الوقت نفسه. واستمر تطوير نظام «لأقتلنك»، وعندما أمكن الوصول إلى «الماشين غن – الرشاش» استطاع الجنرال كيتشنر دحر المهديين ورماحهم في السودان، كما قُتل من خيرة جنود كيتشنر في الحرب العامة الأولى 60 ألفا في إحدى الهجمات برشاشات الألمان المتمركزين في أوحال «السوم». ويعتبر نابوليون المعلم الكبير في استخدام النظام المدفعي وبه شق الطريق لأمجاده في حروب أوروبا قبل أن يهزم في واترلو. ومع تطوير الطيران والرشاشات والمدفعية، ثم الدبابات، وأخيرا الغازات السامة بدأت معارك الحرب العالمية الأولى تتحول إلى مسالخ بشرية فعلية، حيث وصل عدد القتلى في إحدى المعارك بـ«السوم»، على مدى أربعة أشهر، إلى مليون و265 ألفا من الشباب الأوروبي بين ألماني وفرنسي وبريطاني، ثم «ختامها مسك»! اختتمت الحرب العالمية الثانية بتطوير الصاروخ والسلاح النووي، وبتركيب الثاني على ظهر الأول لم يبق مكان على وجه الأرض ينعم بالأمن، وبذا انقلب السحر على الساحر.
وكانت الحروب في العصور الوسطى تعتمد الجنود المرتزقة، فأعدادهم قليلة والمعارك تعتمد الفروسية، وتكاليف ساحات المعارك تبقى بين حملة السيف. ومع الثورة الفرنسية والأمريكية حصل انعطاف في تركيبة الجيوش، فأصبحت شعبية، وبالتالي بدأ المدنيون يعانون من الحروب بشكل مباشر وغير مباشر، وبدأ ما تسمى «الحرب الشاملة»، وأصبح أكثر الضحايا بين المدنيين وهكذا تغيرت الصورة وانقلبت الآية.
وفي مرحلة أخرى، وبالضبط في صباح يوم 16 يوليوز من عام 1945 ميلادي، وفي تمام الساعة الخامسة والنصف، حصل انعطاف «نوعي» في امتلاك القوة، إذ وضع الإنسان يده على الوقود الكوني هذه المرة، حيث تم تفجير قنبلة «البلوتونيوم 239» التجريبية، وكانت قوة التفجير التجريبية في ذلك الصباح البارد حوالي 15 ألف طن من مادة
«ت. ن. ت»، وطبق هذا السلاح بكل أسف في إبادة البشر مثل فئران التجارب تماما، وكانت كل قنبلة «مع أن كل محتواها لم ينفجر تماما كما تبين بعد ذلك»، قد مسحت مدينة عظيمة بمعظم سكانها، مع أن قدرة التدمير كانت متواضعة.
وقد يتساءل القارئ وكيف كانت متواضعة؟ والجواب أن الجيل الثاني من السلاح النووي طور قوة التفجير حتى وصل بقنبلة تجريبية إلى (58 ميجاطن)، أي أقوى من قنبلة هيروشيما بـ(3800 مرة)! واعتمد الجيل الثاني على مبدأ الالتحام «لمادة الهيدروجين ولذا سميت هيدروجينية»، وليس الانشطار «انشطار مادة اليورانيوم 235 أو 239» كما كان مع الجيل الأول. وكانت وراء القنبلة الأخيرة الاتحاد السوفياتي، فأراد البنتاغون إنتاج قنبلة بقوة 100 ميجاطن، أي أقوى من قنبلة هيروشيما بـ(6666) مرة، وعند مناقشة الموضوع شعر الجميع أن هذا الطريق الذي يمشون فيه ليس سوى «جنون مطبق» و«انتحار جماعي» و«تلويث للبيئة» وتهديد جدي للإنسانية، التهديد هذه المرة بالفناء الماحق المترع بالعذاب، حيث لا توجد كرة أرضية ثانية نجرب عليها أو ننتقل إليها بعد خراب الأولى «كبرت كلمة تخرج من أفواههم».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى