الرئيسيةالملف الأسبوعي

ملوك المغرب في مذكرات القادة العرب والأجانب

اعترافات وأسرار في علاقة القصر مع زعماء سياسيين أجانب

لا تخلو مذكرات السياسيين من أسرار وحقائق تنشر بأثر رجعي، خاصة إذا كانت صادرة عن رؤساء وقادة من صناع التاريخ. بعضهم يكتب سيرة ذاتية يميل فيها إلى التحليل السياسي للأحداث، والبعض يقدم روايته لوقائع بعد أن طالها النسيان وآخرون يعيدون ترتيبها سواء بأقلامهم أو بتفويض منهم لكتاب يمتهنون حرفة المذكرات.
تعد كتب السير الذاتية للسياسيين بمثابة قراءة جديدة للتاريخ المعاصر، بمعالجة أخرى من أشخاص ساهموا في صنعه، فهي لا تعيد كتابة بورتري للزعيم بقلم كتاب يروون قصصا ضاعت في زحمة الأحداث، الفرق بين مادة تاريخية وسيرة ذاتية كالفرق بين مدرس للتاريخ يقدم درسا للتلاميذ، وزعيم يقص على التلاميذ تفاصيل واقعة تاريخية كان شاهدا عليها بل ومن صناعها، ومن خلال روايته سيتعرف المرء على وجهة نظر الحاكم في الوقائع وسيقف على مبررات ما اتخذ حينها من قرارات سياسية، حتى وإن كنت غير متحمس للقرار فقد تعثر في المذكرات على أسباب النزول، وتعرف مدى تأثير الإيديولوجيا في التاريخ والسياسة.
المذكرات ليست «نميمة سياسية أو اغتيابا فكريا» كما يرى بعض الكتاب، بل هي شهادات تستحق أن نتوقف عندها لإعادة ترتيب الوقائع السياسية، لذا حين يجمع القادة أوراقهم المتناثرة ويحولونها إلى مذكرات فإنهم يساهمون في كتابة التاريخ الذي أغفله الإعلام وقفزت عليه اعترافات «الشاهدين على العصر».
في هذا الملف الأسبوعي سنعيد قراءة مذكرات القادة العرب والأجانب، لنزيل طبقات الغبار عن وقائع مرت سريعة دون أن تلفت الانتباه. هنا سنركز على حضور المغرب من خلال ملوكه الثلاثة ودوره في صناعة التاريخ.

ساركوزي: محمد السادس يجمع بين صرامة وذكاء والده والطابع العصري لسنه وإنسانية طبعه
عندما كانت الأخبار القادمة من فرنسا لا تحمل عن نيكولا ساركوزي، رئيس فرنسا السابق في الفترة ما بين 2007 و2012، إلا الأخبار التي تحقق أعلى نسبة من الإثارة، كشف الرئيس السابق، في كتاب عنوانه «زمن العواصف»، النقاب عن العلاقات التي كانت تربطه برؤساء أفارقة وآخرين من المنطقة المغاربية، وهو ما دفع الكثير من الدول إلى البحث عن الشهادة التي منحها ساركوزي لرئيس أو ملك أو زعيم.
في الجزء الأول من مذكرات ساركوزي الصادرة أخيرا، وصف الرئيس الفرنسي السابق ملك المغرب محمد السادس بـ«بالرجل الذكي»، وقدم بيانات عن زعماء عايشهم في مساره السياسي، كاشفا عن حقيقة العلاقات التي كانت تربطه ببعض رؤساء دول إفريقيا والمنطقة المغاربية.
وعبر ساركوزي، في هذه المذكرات، عن إعجابه بشخصية الملك محمد السادس الذي يمزج بين صفات ثلاث «السلطة والقوة» التي ورثها من والده الحسن الثاني و«الذكاء» و«الإنسانية» اللتين يتمتع بهما جيله، وقال إن «المغرب محظوظ جدا بامتلاكه ملكا بهذه الأهمية». وأضاف ساركوزي، في الجزء المتعلق بالعاهل المغربي محمد السادس: «هو رجل يتمتع بذكاء كبير وهو شخص لطيف ويميل إلى الفكر الفرنكفوني».
وتوقف ساركوزي عند الرئيس الجزائري المقال عبد العزيز بوتفليقة، حيث كشف عن قلق هذا الأخير من العلاقات الجيدة التي كانت تربط الرباط بباريس، مضيفا أن الرئيس الجزائري السابق كان «يعاتبني بسبب الميول المحتملة للسياسة الخارجية الفرنسية نحو المغرب. لكن كنت أدافع عن نفسي بقوة قائلا في أعماق قلبي على الأقل عندما أتواجد في الرباط، الملك لا يعاتبني ولا يسألني لماذا وقع المغرب تحت الحماية الفرنسية».
في مذكراته تحدث ساركوزي عن الضيافة المغربية وعن اللحظات الجميلة التي قضاها في مدينة مراكش حين اختارها مكانا لقضاء فترة النقاهة عقب مغادرته المستشفى، مشيرا إلى الرعاية التي حظي بها من طرف الملك محمد السادس، «لقد جعلني مقامي في مدينة مراكش الساحرة أشعر بأن فترة النقاهة قد وجدت فضاءها، حظيت برعاية الملك وأسرته وظل وضعي الصحي يشغل بال العاهل المغربي، حتى في حفل العشاء الذي أقيم على شرفي أصر الملك على أن يكون محاطا بالأسرة الملكية التي أحاطتني بعناية فائقة جعلتني أكتشف الجانب الإنساني للملك الذي وضع رهن إشارتي إقامة ملكية ساحرة في منطقة النخيل تطل على جبال تكسو الثلوج قممها».

مذكرات جاك شيراك.. محمد السادس منشغل بالوضع السياسي لبلده
ما أن غادر قصر الإليزي حتى شرع الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك في جمع أشلاء مذكراته التي تروي قصة حكم دام 12 سنة.
قسم شيراك مذكراته وفق كرونولوجيا تاريخية، ففي الجزء الأول من مذكراته «كل خطوة يجب أن تكون هدفا»، كشف الرجل عن خطواته الأولى في الرئاسة، وفي الجزء الثاني «الزمن الرئاسي» يروي وقائع حين جلس على كرسي المسؤولية وعلاقاته الدولية، خصوصا علاقته بالمنطقة العربية والإفريقية، لكن، وعلى الرغم من العلاقات المتينة التي ربطت شيراك بالمغرب ووصفه بصديق الملك، إلا أنه لم يخصص فقرات كثيرة للحديث عن المغرب، رغم عمق العلاقة بين البلدين وعلاقة القرب التي كانت تجمع جاك شيراك بالراحل الحسن الثاني، والتي استمرت مع الملك محمد السادس رغم اختلاف الأجيال. «يبدو أن شيراك أعطى تفاصيل كثيرة حول البلدان والقضايا التي شغلته أو خلقت له متاعب أكثر من القضايا التي لم تطرح عليه أي مشكل علاقاته المعقدة بالرئيس السابق للجمهورية نيكولا ساركوزي، الذي خصص لها صفحات عديدة، نفس الشيء لعلاقته بالوزير الأول الاشتراكي ليونيل جوسبان الذي ترأس الحكومة في فترة التعايش، وكذا علاقته المضطربة بالرئيس الأمريكي جورج بوش بسبب اختلاف الرؤية في التعاطي مع الأزمة العراقية»، كما يقول المحلل السياسي للشأن الفرنسي يوسف الهلالي.
وجاء في مذكرات شيراك: «هذه العلاقة كانت علاقة قرب ولعب فيها التقارب من المغرب دورا خاصا وكذلك اهتمام الرباط وباريس بالعالم العربي. كنت أرى وزير الخارجية تقريبا بشكل يومي مدة خمس سنوات، اهتمامنا المشترك بالعالم العربي، وعلاقتنا الخاصة مع المغرب والذي يعرفه فيدرين منذ نعومة أظافره، أما أنا فقد كانت لي علاقات خاصة بالمغرب، وهو ما قربني بشكل كبير من هذا الوزير الذي كان حسب نظري يختلف عن باقي الفريق الحكومي الذي ينتمي إليه».
حتى وهو يتحدث عن الجارة الجزائر، فقد وجد نفسه مضطرا للحديث عن المغرب، أو ما وصفه بالإحباط الذي تعرض له من الجزائر رغم كل المحاولات للرقي بهذه العلاقات الفرنسية- الجزائرية نحو علاقات صداقة كما هو الحال مع المغرب.
ويتوقف شيراك عند الملك محمد السادس، في لقاء جمعهما بجوهانسبورغ: «يوم ثالث شتنبر حضرت أحد لقاءات رؤساء الدول الفرنكوفونية الذي انعقد بفندق هيلتون، كان العاهل الشاب جد مشغول بالوضع السياسي لبلده، منذ اكتشاف خلية للقاعدة في شهر يونيو، لهذه الاعتبارات لم أتوقف عن تقديم دعمي له، ودعم وجهة نظر المغرب حول الصحراء وهي جزء لا يتجزأ من المغرب».

أثنار: الحسن الثاني لوح بخيار الحرب في حديثنا عن سبتة ومليلية
خصصت الصحافة الإسبانية حيزا مهمة لمذكرات الرئيس الأسبق للحكومة المركزية بمدريد، خوصي ماريا أثنار، وشددت على اللقاءات التي جمعته بالملك الراحل الحسن الثاني، منذ أول زيارة مباشرة بعد توليه الحكم سنة 1996. ونشرت صحف إسبانية وفرنسية مذكرات رئيس الحكومة الإسبانية، التي اختار لها كعنوان: «التزام».
في المجلد الثاني يروي المسؤول السياسي الإسباني ما جرى له مع الحسن الثاني في أول زيارة رسمية يقوم بها خارج بلده، وهو في المسؤولية، وهمت الحفاظ على العلاقات المتميزة بين البلدين، وخلالها التقى بالملك لأزيد من ثلاث ساعات تخللتها رسائل مشفرة من الحسن الثاني.
خلال زيارته الرسمية الثانية للمغرب في أبريل 1999، تم استقبال خوصي من طرف الملك الحسن الثاني، ثلاثة أشهر فقط قبل وفاته، وعاود الملك مطالبته بحق المغرب في استرجاع سبتة ومليلية، ويصف أثنار محادثته مع الحسن الثاني بأنها كانت أكثر حدة من سابقتها.
«في لحظة من اللحظات، تفوه الحسن الثاني بكلمة حرب، بالطبع ليقول إن بلاده لن تعلن الحرب بخصوص هذه المسألة. لكن كلامه كان خارجا عن الموضوع مما دفعني إلى الرد: «موقفك جيد ولكن إذا أعلن المغرب الحرب على إسبانيا فسيخسرها». لم يذكر أثنار رد فعل الملك الحسن الثاني، لكن العارفين بملك المغرب الراحل يستبعدون أن يكون قد سكت أمام غرور أثنار وغطرسته، حتى لو كان الملك مريضا يعيش الشهور الأخيرة من حياته.
في مذكراته لحظات مغرقة في الإنسانية، خاصة بعد الإعلان عن وفاة الملك الحسن الثاني في ذلك اليوم الصيفي، حيث قرر خوصي ماريا أثنار عدم التخلف عن الركب، وانضم إلى قافلة رؤساء الدول والحكومات الذين حجوا إلى الرباط من أجل تشييع جنازة الحسن الثاني، ويصف لحظات الجنازة في الكتاب نفسه بقوله: «لقد حضرت مراسيم دفن الملك الحسن الثاني، فالأهمية الدولية التي كان يحظى بها كانت جلية في الحضور المكثف لزعماء الدول، لقد كان على طائرتنا الانتظار لمدة معينة لكي تحط بسبب كثافة الحركة الجوية».. شخصية الحسن الثاني كانت حاسمة في الحياة السياسية المغربية وظهرت 
بجلاء يوم الجنازة.

مذكرات الشاذلي بن جديد.. بين الحسن الثاني وبومدين حساب قديم
على الرغم من صفته رئيسا للجزائر، إلا أن الشاذلي بن جديد ركز في مذكراته على صفته العسكرية، خاصة حين ينبش في العلاقات بين المغرب والجزائر.
ويعتبر الشاذلي بن جديد العلاقات بين الجزائر والمغرب متوترة باستمرار، ولم تتسم بالثقة المتبادلة والتعاون الأخوي وحسن الجوار إلا نادرا. كما أن العلاقة بين هواري بومدين والحسن الثاني «كانت متصلبة، وكأنما بين الرجلين حساب قديم تجب تصفيته، وحقد دفين لم يستطيعا تجاوزه، وخلق هذا كلّه جوا من الشك وانعدام الثقة بين البلدين».
وسلط بن جديد، الرئيس السابق للجزائر، الضوء على الخلاف بين الجارين: «الدرس الذي استخلصناه، نحن العسكريين، من التجربة مع الحسن الثاني هو أنه لا يعترف بالحدود الموروثة عن الاستعمار، والتي نص عليها ميثاق منظمة الوحدة الإفريقية».
ويلمس كل من يطلع على المذكرات حجم تغول العسكر في الجزائر، حيث يؤكد بن جديد أن القادة العسكريين ضغطوا على بومدين حتى لا يتوصل إلى تسوية مع الحسن الثاني، قائلا: «لقد عبرنا نحن القادة العسكريين، في العديد من اللقاءات مع هواري بومدين عن رفضنا لتقديم أي تنازلات في مسألة الحدود». بل أكثر من ذلك اعترف بالإشراف على تدريب معارضة الحسن الثاني لإسقاط النظام بالعنف، قائلا: «كان الجيش يشرف على تدريب المعارضة، أما الإشراف السياسي واللوجيتسيكي فكان من صلاحيات جبهة التحرير الوطني. وكان المحافظ الوطني للحزب في عمالة وهران آنذاك يدعى قواسمية الشاذلي عبد الحميد، لذلك اعتقدت المخابرات المغربية، والملك الحسن الثاني، استنادا إلى تقاريرها، أن الشاذلي بن جديد هو من نظم سياسيا هذه المعارضة ووجهها».

مزالي.. حيلة الحسن الثاني لإبعاد القذافي عن البوليساريو
خصص الوزير الأول التونسي السابق محمد مزالي للمغرب نصيبا في كتابه الذي حمل عنوان: «نصيبي من الحقيقة»، الذي يسلط الضوء على حقبة تاريخية مهمة في المنطقة المغاربية خلال عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة.
في الكثير من صفحات هذا الكتاب إشارات للرئيس معمر القذافي ولعدائه التاريخي مع المغرب، إلى أن توقف عند معاهدة وجدة التي وضعت حدا لخلاف عمر منذ انقلاب القذافي على الملك الليبي السنوسي.
«تم بوجدة إبرام معاهدة 13 غشت 1984، انبعث بموجبها الاتحاد المغربي- الليبي. وكان الحسن الثاني يأمل من ذلك، وضع حد للإعانة المالية والعسكرية واللوجستيكية التي كان يقدمها العقيد القذافي بسخاء للبوليساريو. وهتف لي الحسن الثاني في اليوم نفسه على الساعة الثانية ظهرا ليخبرني بإمضاء هذه المعاهدة وإعلام الرئيس بورقيبة قبل أن تبث وسائل الإعلام النبأ. وطلب مني أيضا المساعدة حتى يستقبل بورقيبة القذافي وهو في طريق العودة إلى ليبيا. ولكن بورقيبة رفض استقباله رفضا باتا
وتلافيا لحدوث مشكل دبلوماسي آخر حولنا طائرة العقيد إلى مطار تونس واستقبلته أنا والباجي قايد السبسي وزير الخارجية وقدمت له اعتذار بورقيبة لأنه (متعب) ولكن القذافي واصل طريقه برا في اتجاه المنستير وبذلت جهدا كبيرا مستنجدا بكنوز من الدبلوماسية حتى أتلافى القطيعة»، يقول مزالي.
كرد فعل أصدر القذافي قرارا في غشت 1985، بطرد آلاف العمال التونسيين سالبا إياهم أملاكهم ومجمدا أرصدتهم بالبنوك. «علمت بهذا الخبر السيئ بينما كنت أقود الوفد التونسي في القمة العربية الاستثنائية المنعقدة من 7 إلى 9 غشت بالدار البيضاء. ولم يخف علي الحسن الثاني أن عملية الطرد هذه يجب أخذها مأخذ الجد، وقرر تضامنا ألا يسمح بتعويض التونسيين المطرودين بالمغاربة وأوفد مستشاره الخاص رضا كديرة ووزير خارجيته عبد اللطيف الفيلالي لدى الحكومتين التونسية والليبية لمحاولة الوساطة». بلغ عدد المطرودين 32 ألف شخص، وفي المناطق الحدودية كانت صور هذا الترحيل المؤسف تقض المضاجع، وحتى أرصدة تونس الجوية جمدت بلا مسوغ قانوني.

عمرو موسى: هكذا جنب الحسن الثاني مصر غضب جبهة الرفض
لم يكن عمرو موسى مجرد وزير لخارجية مصر لعشر سنوات متصلة، أو أمينا عاما لجامعة الدول العربية لفترة مماثلة، وإنما كان أيضا واحدا من صناع التاريخ السياسي للأمة العربية. ولأن جملة المناصب التي شغلها والأدوار التي لعبها على مدى الأعوام الثلاثين الماضية، فإن شهاداته تستحق أن تروى، خاصة وأنه كان شاهدا على العصر على امتداد تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.
«كانت المواجهة الأولى مع «جبهة الرفض» في مؤتمر وزراء خارجية منظمة المؤتمر الإسلامي العاشر في فاس المغربية. وجهت المغرب الدعوة لمصر لحضور هذا المؤتمر المقرر افتتاحه في 8 ماي 1979. «عندما شرعت القاهرة في التحضير لسفر وفدها، طلبت الحكومة المغربية من مصر التريث، حتى يصل مبعوث من الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي لمناقشة الموضوع مع الحكومة المصرية، وهو ما استجابت له القاهرة. كنت عضوا في الوفد المصري الذي تقرر سفره إلى فاس برئاسة المرحوم حسن التهامي، مستشار رئيس الجمهورية. كان التهامي يتعامل من دون نظام واضح يليق برئيس لوفد مصر في مهمة صعبة قد تصل لمعركة دبلوماسية. كان أثناء التحضير للقمة يعطي مواعيده من دون تحديد ساعة معينة، كأن يقول «نجتمع بعد العشاء أو قبل المغرب»، وهو ما جعلني أستشعر بعض الاستغراب، بل بعض الطرافة، وكذلك بعض التخوف من تصرفات التهامي».
كشف عمرو موسى عن حكمة الحسن الثاني الذي رفض غياب مصر عن المؤتمر، وقال للرئيس المصري: «مسألة الطرد من المؤتمر الإسلامي غير واردة، لا بد أن يجتمع الوفد المصري بمبعوث المنظمة قبل السفر. يجب أن تسافروا وتحضروا القمة. وجودكم سيمكننا من تغيير الموقف، وربما نتمكن من استصدار قرار جيد، أو منع قرار سيئ، أما الغياب فسيكون ضارا بمصلحة مصر».

مذكرات عبد الناصر تكشف دور محمد الخامس في تغيير موقف موديبو كيتا
لم يكتب جمال عبد الناصر مذكراته بنفسه خلال حياته، ولكنه كان يكتب بخط يده أوراقا ليست بغرض النشر، ولكن تم تجميع هذه الأوراق ليصدر كتاب من إعداد هدى جمال عبد الناصر تحت عنوان «ستون عاما على ثورة 23 يوليو.. جمال عبد الناصر.. الأوراق الخاصة».
في الجزء الرابع من هذا الكتاب يتحدث عبد الناصر عن العدوان الثلاثي على مصر، ويتناول مقدمات الصراع السياسي والعسكري والمعارك السياسية في المؤتمرات.
لاحظ عبد الناصر ميول الرئيس المالي «موديبو كيتا» لإسرائيل التي شرعت في دعمه وتسليح جيشه، فاستغل مؤتمر القمة الإفريقية في الدار البيضاء بالمغرب من 3 إلى 7 يناير 1961، المنعقد بدعوة من العاهل المغربي محمد الخامس، لدعم ومساندة رئيس وزراء الكونغو «لومومبا» وفتح عدد من الملفات.
وتذكر الدكتورة هدى عبد الناصر في الجزء الرابع من «جمال عبد الناصر-الأوراق الخاصة»، أنه في يوم 6 يناير 1961 عرض الرئيس عبد الناصر على المؤتمر ولأول مرة على مستوى زعماء إفريقيا مشكلة فلسطين، وأقام حفل شاي في الباخرة «الحرية» لرؤساء الدول المشاركين.
بدعم من محمد الخامس التقى عبد الناصر بالرئيس موديبو كيتا لأول مرة أثناء انعقاد المؤتمر، وأعجب كل من الزعيمين بشخصية الآخر، وتوطدت بينهما الصداقة بسرعة، ويكشف الكتاب أن عبد الناصر سأل موديبوكيتا عن سبب توجهه لإسرائيل لتسليح وتدريب الجيش المالي، أجاب كيتا أنه عندما استقلت بلاده عن الاحتلال الفرنسي امتنعت فرنسا عن تسليح الجيش المالي، فاتجه هو إلى دول كثيرة يطلب شراء السلاح دون جدوى، ولجأ إلى إنجلترا وأمريكا، فكانت ردودهما واحدة إذ أبدتا استعدادهما لمساعدته في الحصول على السلاح، ولكن عن طريق إسرائيل التي يمكنها أن تقدم السلاح والتدريب.
بعد أن استمع عبد الناصر إلى كلام كيتا، عرض أن تقوم مصر بتدريب وتسليح الجيش المالي، وقدم له باسم مصر هدية من الأسلحة الصغيرة سوفياتية الصنع تكفي لألف مقاتل، وكان هذا العدد هو قوام الجيش المالي في ذلك الوقت، وكانت هذه الهدية بقصد إحلال الأسلحة السوفياتية محل الأسلحة الإسرائيلية.. «وافق كيتا فورا، وحضرت إلى القاهرة بعثات من الضباط وضباط الصف الماليين للتدريب على الأسلحة، كما أوفدت مصر بعثة إلى مالي للإشراف على إنشاء مدارس ومراكز للتدريب على الأسلحة الروسية وتدريب وحدات الصاعقة، وقام منذ ذلك الوقت تعاون بين الجيشين المصري والمالي، حتى إن زي الجندي هناك أصبح مشابها تماما لزى الجيش المصري».

الحسن الثاني يكشف لحفيدة روزفيلت سر عدم إقامة جدها في الفندق
زار الرئيس الأمريكي السابق فرانكلين روزفلت مدينة الدار البيضاء في 12 يناير 1943، حيث استقر في «فيلا» لا تبعد كثيرا عن فندق أنفا الذي احتضن في اليوم الموالي مؤتمر أنفا بحضور الرئيس الأمريكي، والرئيس الفرنسي الجنرال شارل ديغول، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، والجنرال الفرنسي هنري جيرو، ثم السلطان محمد الخامس وولي عهده مولاي الحسن إلى جانب القاضي محمد بن ادريس العلوي.
كان موضوع الاجتماع الطارئ هو التنسيق بين الحلفاء في السنوات الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، التي ستنتهي بعد مؤتمر أنفا بعامين، كما كان اللقاء فرصة لطرح موضوع استقلال المغرب الذي ساهم في انتصارات الحلفاء بانتداب جيش من المغاربة حاربوا في صفوف الفرنسيين، وبالنسبة للحلفاء، فقد كان المؤتمر مناسبة لتحديد الإجراءات العسكرية التي يتعين اتخاذها ضد الجيوش الألمانية.
في 14 يناير 1993، زارت لورا المغرب، واستقبلها الملك الحسن الثاني الذي كان شاهدا على العصر، وحكى لها تفاصيل تسمعها لأول مرة عن سفر جدها إلى المغرب، حيث أوضح لها أن اللجنة المنظمة للمؤتمر ارتأت أن يقيم في «فيلا» لأنه كان مقعدا ويعتمد على كرسي متحرك، في زمن لم يكن فيه بفندق أنفا ولوجيات للأشخاص في وضعية إعاقة.
سألت لورا حفيدة روزفلت الحسن الثاني، عما إذا كان بإمكانها زيارة فندق أنفا، لكن الملك كان يعرف جيدا أنها على علم باختفاء هذه المعلمة ومسحها خطأ من خريطة المدينة، رغم أنها تعد معلمة تاريخية، فرد عليها قائلا:
«ما يهمك أكثر بصفتك حفيدة الرئيس روزفلت هو رؤية البيت الذي أقام فيه جدك»، مضيفا أن كل الترتيبات قد اتخذت لتنظيم زيارة لهذا المكان التاريخي».
تحدث الحسن الثاني إلى لورا حول مؤتمر أنفا، وكيف أن جدها أكد لوالده محمد الخامس، على مشروعية مطالب الحركة الوطنية، ليتمكن بذلك من انتزاع اعتراف منه بحق المغرب في نيل استقلاله والحصول على حريته كاملة، كما أشار إلى أن فرانكلين زار مدينة مراكش مباشرة بعد انتهاء أشغال المؤتمر وقضى فيها يومين رفقة ونستون تشرشل، حيث أصر هذا الأخير على رسم صورة لفرانكلين على سفح الجبل.
أصغت لورا باهتمام كبير لدروس التاريخ التي قدمها الملك، خاصة حين حدثها عن موقف والده محمد الخامس، الذي رفض طلبا تقدمت به حكومة فيشي الفرنسية يقضي بتقديم المغاربة اليهود لفرنسا، لكن السلطان أجاب بأنه «لا يوجد يهود هنا، فقط مواطنون مغاربة».
قالت لورا إنها اكتشفت خلال لقائها مع الحسن الثاني، أنه يعرف أدق تفاصيل شخصية الرئيس روزفلت، خاصة حين تحدث لها عن هوسه بالقراءة والكتابة، «من المحتمل ألا يصل أي رئيس أمريكي إلى مستوى روزفلت، حيث كان يتصفح الكثير من الكتب في يوم واحد، وكتب أكثر من اثني عشر مؤلفا محترما».
بعد مرور 75 سنة على مؤتمر أنفا، عادت لورا إلى المغرب، لإحياء الحدث بدعوة من السفير الأمريكي في الرباط، لكنها كانت تتأبط كتابا عن جدها يروي رحلته للمغرب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى