شوف تشوف

ميستر بيليكي

ما تواجهه الجالية المغربية المقيمة بالفيسبوك والتي يبلغ تعداد نسماتها أكثر من سبعة عشر مليون مواطن فيسبوكي من تخوين وتهديد من طرف قيادات الحزب الحاكم هو نفسه ما واجهته طوال ثماني سنوات من عمر هذه الجريدة، إذ لم يتركوا تهمة إلا رموني بها، ولم يتركوا محكمة إلا جرجروني أمامها، لا لشيء سوى لأنني قررت أن لا أصطف بجانبهم وأكون كما صنع بعضهم بوقًا من أبواقهم أردد معهم أسطوانة الحزب المظلوم الذي وصل إلى الحكومة ولم يصل إلى الحكم.
ولقد انتقدنا في هذا العمود حكومة الاتحاديين وبعدها حكومة التيكنوقراطيين ثم حكومة الاستقلاليين ولم نسمع منهم ما سمعنا من حكومة الإسلاميين طيلة عشر سنوات تقريبًا من وجودهم في الحكومة، ولم يثبت أن قاضانا أي واحد منهم مثل ما يصنع وزراء وعمداء حزب العدالة والتنمية.
وكما يقول المصريون كل هذا كوم وما تفوه به الأزمي في البرلمان كوم ثاني.
فمنذ نهاية عهد إدريس البصري لم يشهد المغاربة خطابا يمينيا أكثر تطرفا وتهديدا من العبارات الهستيرية التي تلفظ بها البرلماني والوزير السابق إدريس الأزمي، أمام لجنة المالية بمجلس النواب متهما خصومه بالشعبوية المقيتة، وهو العمدة الذي لقبه زعيم الشعبويين عبد الإله بنكيران بـ”إدريس الثالث” يوم تنصيبه رئيسا لجماعة فاس المنكوبة.
الأزمي الذي بدا متشنجا وهو يتناول الكلمة خلال أشغال لجنة برلمانية مسؤولة، مارس خطابا عدوانيا عنيفا، هاجم من خلاله من ينتقدون عمل الحكومة ويطالبون بالقطع مع الريع السياسي، ممن انطلت عليهم أكاذيب حزب البواجدة في الماضي القريب قبل أن ينقلب على عقبيه، ووجه سهام نقده لأولئك الذين يطالبون عبر وسائل التواصل الاجتماعي بإلغاء معاش البرلمانيين، حيث اختار عمدة فاس أن يتشمكر عليهم بشعبوية مضادة لا تخلو من تعصب ومقت، وبخطاب يكشف عن ذلك الوجه الرهيب الذي طالما حاول الإسلاميون إخفاءه عبر استعمال أسلوب التقية، ما أعاد إلى الأذهان تلك الصورة النمطية التي تشكلت حولهم في الماضي في رحاب الجامعات، وذكرنا بتلك التحذيرات من كونهم يكيلون العداء لكل من يخالفهم الرأي، وبأنهم سينقلبون على الديمقراطية بمجرد تمكنهم من السيطرة على الحكم، وها هو “إدريس الثالث”، ولمجرد الحفاظ على 12 مليون سنتيم التي يتوصل بها نهاية كل شهر، يخرج على الناس شاهرا لسانه السليط، ويجلدهم بلغة سوقية تمتح من قاموس الشارع من قبيل البيليكي والديبشخي والغميق، معتبرا أن البرلمانيين لا يشتغلون لله.
في هذه، كان الأزمي على حق، فهو وأصحابه لا يشتغلون لله، رغم أنهم ظلوا يرددون أكاذيبهم حول الورع والزهد ويذرفون الدموع خلال التجمعات الانتخابية، لكن ومنذ أن تحسنت أوضاعهم، وغيروا خرشاشاتهم وزوجاتهم، صاروا يتمسكون بحقهم في التمتع بتلك التعويضات السمينة والجمع بينها، حتى ولو وصلت إلى عشرات الملايين، لكن صاحبنا ولا أدري إن كان الأمر عن ديماغوجية أم عن جهل، تعمد أن يخلط بين أجور ورواتب الموظفين العموميين السامين وبين تعويضات المنتخبين، متوهما أن تلك المهام الانتدابية التطوعية التي كانوا يستجدون مقاعدها من المواطنين البسطاء بالحزارة وتقبيل الرؤوس، قد صارت وظائف عمومية يستحق عليها “السي إدريس” وصحبه مخصصات دائمة من ميزانية الدولة في شكل أجور ومعاشات لإعاشة أولادهم.
الأزمي الذي يشكك في نزاهة منتقديه، ويتساءل عن المبالغ التي يتوصلون بها خفية لقيادة حملة المطالبة بإلغاء معاش البرلمانيين، يمن على الناخبين عملهم كمنتخبين، ويزعم بأنه وأصحابه تخلوا عن امتيازات ومصالح أكبر بكثير مما يحصلون عليه اليوم، وبأنهم ضحوا من أجل هذا الشعب، ظنا منه أننا نسينا ما صرحوا به من ممتلكات عندما دخلوا الحكومة “مكردين” معدمين لا يلوون على شيء.
لكن أخطر ما تضمنه الخطاب السياسي المأزوم لرئيس المجلس الوطني للحزب الحاكم، ليس ما احتواه من محاولات الضحك على الذقون والتظاهر بالغضب والغيرة على المؤسسات، بل هو مضمونه النكوصي على الاختيار الديمقراطي للمملكة، والمعلن من خلال دستور 2011 كاختيار لا رجعة فيه، من خلال استخفافه على الطريقة القذافية بدور الفاعل المدني كقوة اقتراحية، وتساؤله عن دور من سماهم بـ”المؤثرين الاجتماعيين” في صناعة الثروة، كما لو كان سيادته بقيادته لمدينة فاس لخمس سنوات طفرها، وقد ذهب المتدخل إلى حد اتهام أصحاب الرأي الآخر بتضبيب المشهد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بالبلاد، عبر ما سماه استعمال الديبشخي والغميق ونشر الترهات والخوض في أعراض الناس، مطالبا بالتصدي لهم كسد منيع من طرف جميع الأحزاب والبرلمانيين.
والسؤال العريض الذي يطرح نفسه، هو حول طبيعة هذا العدو الذي يريد حزب العدالة والتنمية أن يتحالف مع بقية الأحزاب السياسية المغربية للتصدي له، ونوعية المواجهة التي يدعوهم إليها معه، إن لم تكن بالدعوة إلى خلق علاقات صدامية بين مكونات المجتمع، وتكميم الأفواه وتقييد حرية التعبير، وتشجيع المزيد من المتابعات القضائية حتى لا تضبب بعض التدوينات الفيسبوكية معجزات الحكومة، التي ترعى مصالح البرلمانيين بنفس القدر الذي ترعى به مصالح الكلاسات والطيابات والكسالة وموالين القهاوي والحمامات، وفق خطاب الأزمي .
ربما نسي الأزمي أو تناسى أن أولئك الذين ينتقدهم بكل الحقد والبغضاء التي بدت من فمه، أغلبهم ممن صوت عليه وعلى حزبه، وصدق شعاراته بمحاربة الفساد والاستبداد، وإرادته في فضح اقتصاد الريع، الذي بدأه بنشر لوائح المستفيدين من رخص النقل، قبل أن يتوقف حمار الشيخ في العقبة، كما تجاهل صاحبنا وهو يهاجم الفيسبوكيين، أن الشعبوية المقيتة الوحيدة والانتهازية في أجلى صورها هي ما قام به زميله في الفريق من سحب التوقيع على مقترح القانون الذي جمعه بفريق التجمع الدستوري، والفريق الحركي والفريق الاشتراكي والفريق الاستقلالي والمجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية، التي خذلها يوما قبل انعقاد الاجتماع، حين عاد الإبراهيمي للتمسك بمقترح الحزب الأصلي القاضي بتصفية نظام التقاعد من الأساس، بعدما تبين له أن “الرأي العام الشعبوي” يسير عكس الموقف المتوافق عليه.
فكيف لحزب معاد للشعبوية أن يشارك في صياغة مقترح قانون يضم أحزاب الأغلبية والمعارضة، وهو الحزب الذي يملك إمكانية تقديم مشاريع قوانين عبر آلية الحكومة التي يسيرها.
وكيف يمكن لحزب نادى بتصفية صندوق تقاعد البرلمانيين، وقدم مقترحا بذلك بتاريخ 17 يناير 2018 أن يعود للتوافق مع غيره من الأحزاب بتوقيع مقترح مناقض، بتاريخ 12 يونيو 2018، ويوافق على الرفع من سن الاستفادة من التقاعد إلى غاية وصول المعني بالأمر 65 سنة، ثم ما يلبث أن يعود إلى موقفه السابق ويسحب توقيعه غداة مناقشة المقترح الثاني.
لهذا أظن والله أعلم، أن غضب الأزمي مفتعل وكشكشته سينيمائية قام بها صاحبنا أمام لجنة المالية، مفضلا توجيه أصابع الاتهام لمن سماهم المؤثرين لم يكن سوى مسرحية لتفادي الحرج الذي أوقع فيه الحزب نفسه نتيجة تطاحنات داخلية يعيشها، وتذبذبه في الموقف ما بين إرضاء برلمانييه الذين لا يريدون الاشتغال بيليكي، مع دغدغة مشاعر الشعبويين المؤثرين في الساحة الانتخابية، لذلك يبقى وصفا الشعبوية والانتهازية المقيتتين هما الوصفان اللذان يليقان بفريقه النيابي، ولا يليقان بأية جهة أخرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى