
بقلم: خالص جلبي
يقول عالم النفس (برايان تريسي) في كتابه «أسس علم نفس النجاح» إن كل جهاز نتعامل معه له كتاب تعليمات لتشغيله (MANUAL INSTRUCTION)، إلا الإنسان لأنه أعقد من أي جهاز، ويتعالى عن الآلية وله قوانينه النوعية الخاصة التي تضبط نشاطه. وإن نسبة الناجحين في الحياة لا تتجاوز خمسة في المائة من الناس. وإن هناك ستة مؤشرات للنجاح، أهمها (راحة البال) ويحددها بخلو المشاعر من الذنب أو الخوف والحزن، إضافة إلى (تحقيق مستوى عال للطاقة) و(تحقيق علاقات اجتماعية حميمة) التي تشكل 85 في المائة من كل متعة الحياة، وتبقى 15 في المائة للكسب والربح. وهذا هو السر في خسارة المهاجرين للبهجة في حياتهم مع كل ظروف الرفاه في المجتمع الجديد، بسبب موتهم الاجتماعي، فالنشاط الاجتماعي يلعب دورا حيويا لصاحبه، حتى لو كان في السجن أوالعذاب المهين. كل ذلك بسبب المشاركة الاجتماعية التي أشار إليها عالم النفس (تريسي). ويضاف إلى ما مر (الكفاية المالية) وهي نسبية، فقد لا يكفي دخل مائة ألف دولار في العام لإنسان، مقابل عشر معشاره لآخر يحمل القناعة في صدره. وكانت جاكلين كينيدي التي تزوجت من (أوناسيس) تنفق أكثر من خمسين ألف دولار في اليوم ولم تكن سعيدة. وأخيرا (وجود أهداف ذات قيمة في حياة الإنسان) و(الشعور بتحقيق الذات)، وحول هذا المعنى الأخير رسم عالم النفس (أبراهام ماسلو) من مدرسة (علم النفس الإنساني) هرمه حول الحاجيات الإنسانية، حيث وضع في قمة الهرم تحقيق الذات، وقال إن 5 في المائة فقط من الناس يصلون إلى هذه الإطلالة الرائعة من فوق الهرم، أما بقية الناس فيعيشون أبد الدهر بين الحفر. من هنا كان وضع قواعد للحياة مفيدة، تعلمنا المنهجية، وتضع في أيدينا مفاتيح أمام مغاليق أبواب الصعوبات لمواجهتها والتغلب عليها. وأقدم للقارئ عشر أفكار للتعامل مع التحديات التي تواجهنا كل يوم:
1ـ ابتسم: فالابتسامة لا تكلف شيئا، عضلات الابتسام في الوجه تتطلب جهدا أقل من عضلات العبوس والتكشير. وصف رسول الله (ص) أنه كان قليل الضحك كثير التبسم. يجب أن ندرب أنفسنا على إطلاق ضحكة بريئة، إذا تعقدت الأمور وتلخبطت، فهذه تعطي طاقة نفسية جيدة لدخول المشكلة ورؤيتها من زاوية جديدة؛ والمشكلة عادة ليست من (داخلها)، بل (كيف نواجهها؟). ومن المعروف في علم النفس أن رؤية أي مسألة في ضوء جديد تقدم حلا متطورا لها، فلا شيء أفسد على الروح من التصلب. وأخطر أمراض الشرايين هو التصلب الشرياني (ARTERIOSCLEROSIS)، وإذا كان للشرايين أمراضها فللقلوب عللها، فيمكن للروح أن تتصلب بالمرض تماما كما في الشرايين (PSYCHSCLEROSIS)، فكما تجف وتتيبس العروق، كذلك العقل يتجمد بأشد من جليد القطب الشمالي. ويمكن للفكر أن يتحنط بأكثر من الماموت في صقيع سيبيريا وتقسو القلوب، فهي كالحجارة أو أشد قسوة، «وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار».
2ـ كن هادئا: فالتوتر يزيد من إفراز الأدرينالين في الدم، ويرفع الضغط ويؤذي الشرايين ويعطب القلب، ويسمم البدن، ويعكر المزاج ويجلب الكآبة، ويفسد سماء التفكير، بغطاء سحابة قاتمة من شلل الإبداع. والغضب والانفعال والحدة والتوتر كلها مؤثرات سلبية على الحالة العضوية، فلماذا لا نفهم هذا الحديث المستتر لكياننا الداخلي المخفي؟ ثم إن العقل يعمل بأفضل شروطه عند الارتخاء وليس الانفعال. وتدفق الأفكار يأتي على أحسن وجه ليس بضغط الدماغ، بل تركه يتنفس براحة. وإذا كان المسمار يقتحم الحائط بقرعه بالمطرقة، فإن الأفكار لا تعمل بالطريقة نفسها، بل تتولد مع ارتخاء الأعصاب، فكل طاقة لها طريق للولادة. إن وضعنا النفسي يكون في أسوأ شروطه مع انهيارات الفزع، وانفجار مرجل الغضب، وجنون العنف وكسرة الحزن وضباب الشهوة.
3ـ تفهم المشكلة: فالمشكلة ليست فيها، بل في موقفنا منها. ويجب أن نعلم أنفسنا حذف كلمة (مشكلة) من قاموسنا اليومي، واستبدالها بكلمة (خبرة جديدة). والمشاكل هي ألوان من (التحدي) تستنفر عندنا الإرادة وتصقل الخبرة، وليست حفرا عميقة نهوي فيها. وعندما فشل المخترع العظيم (توماس أديسون) في خمسة آلاف تجربة، قبل إضاءة العالم، لم يعتبر عمله فشلا، بل كان يردد: «أنا لم أفشل خمسة آلاف مرة… أنا تعلمت خمسة آلاف طريقة جديدة». علينا أن نفهم أنه لا تشق الطرق الجديدة من أول ضربة، ولا تمشي السيارات على طريق معبدة من أول تخطيط لها، فهناك كم هائل من العمليات قبل أن تصبح معبدة جاهزة للاستخدام. وكل أحداث الدنيا تولد هكذا من كم معقد من التفاعلات، فالأشياء بسيطة ومعقدة في آن واحد. والكون يقوم على التعددية والوحدة. والأرض تسقى بماء واحد ويفضل الله بعضها على بعض في الأكل. أما الله فهو أحد صمد لم يلد ولو يولد، ومشكلة الألفية في الكمبيوترات التي استنفرت العالم كانت من أجل صفرين. ويجب أن نفهم الأمور وندرب عقولنا على هذه الكيفية من التعامل مع الحياة. وما نسميها مشاكل هي في الواقع حوافز لرفع مستوى الطاقة عندنا، وإبقائنا في حالة يقظة. لذلك كانت الحياة مبنية على مخططات من مستوى السكر في الدم إلى البورصات المالية إلى مخطط صعود وهبوط الحضارات. ليس هناك مشكلة بدون حل، وابحثوا تجدوا واقرعوا يفتح لكم واطلبوا تعطوا.
تدفق الأفكار يأتي على أحسن وجه ليس بضغط الدماغ، بل تركه يتنفس براحة. وإذا كان المسمار يقتحم الحائط بقرعه بالمطرقة، فإن الأفكار لا تعمل بالطريقة نفسها، بل تتولد مع ارتخاء الأعصاب، فكل طاقة لها طريق للولادة



