
جهاد بريكي
نبقى أطفالا حتى ندرك فجأة أن الحياة ليست روضة، بل حلبة ترويض. فيخرج الكائن البالغ فينا إلى الوجود.
أشعر دائما وأنا أراقب الأطفال أنهم كائنات تختلف عنا بشكل كامل، وكأننا نمر بمرحلتين لا تمتان لبعضهما بصلة أبدا، الطفولة والكبر.
لا يتوانى الطفل في إظهار مشاعره كيفما كانت، يغار بكل أريحية ويعبر عن غيرته، يغضب ويبكي متى أراد بغض النظر هل الظرفية تسمح أم لا. يأخذ ما يشاء عنوة، فقط لأنه يريده، يرفض التعامل مع شخص والتقرب منه، فقط لأنه لا يحبه، يمارس أنانيته وغروره بدون خجل أو حتى اعتذار. كل شيء ممكن في عقله، وهو قادر على كل شيء، يومه ساحة اكتشاف، لا يشغله ما سيأتي ولا ما فات. لا يهمه رأيك فيه، ولا يشغله شكله وطوله ولون شعره، ولا شكل من أمامه ولا رقي مظهره. كائن يعيش بمنطق المنفعة والمصلحة، إذا أعجبه الشيء أخذه وإذا لم يفعل رفضه بسلاسة ودون كثرة تفكير. هذا الكائن هو نفسه بالضبط، الذي، بعد سنوات قليلة، سيتحول لنقيض ما هو عليه. تأتي عليه مرحلة ما ليجد نفسه شخصا بالغا في مجتمع من البالغين، يعيش معهم وفق خطة يتبعها هو وهم على حد سواء.
لطالما أسرتني جرأة الأطفال في التعبير عن انفعالاتهم، في طرح أفكارهم وفي اختيار ما يريدونه دون اللجوء إلى الخطة. اعتماد الطفل على شعوره هو محركه الذي يدفعه للفعل. لقول نعم أو لا، لتحديد ماذا يريد وعن ماذا يعزف، شعوره يسمو فوق القواعد والخطط والخرائط. عدم خوفه من إظهار طبيعته كما هي، بحسنها وسيئها من منظور البالغين، لامبالاته بنظرة الناس، وآرائهم، وحساباتهم. تماما كأن يضحك بكل أريحية لشيء تافه، أو أن يبكي بكل قوة لشيء بسيط.
ثم يكبر هذا الطفل، فيصبح أنت، أنا والآخرين. يكتشف أنه مر بمرحلة تحول وتطور لم يعرف عنها شيئا. دخلها طفلا وخرج منها كما هو الآن، كائنا آخر. يمشي وفق خطة، ويعيش وفق خطة ويبخع للخطة. تحكمه أعراف وأخلاق ونواميس، ومعتقدات وحسابات، وقوانين ودساتير وتشريعات، وفلسفات وإيديولوجيات، تحكمه أشياء كثيرة لم يكن له رأي فيها، تحدد له كيف يكون ولم ومتى وأين. متى يستاء ومتى تنشرح أساريره، ماذا يأكل وكيف، متى ومن يحب ومتى ومن يكره، ماذا يعمل وأين يعيش. ينسلخ من شعوره الطفولي الغابر ويرتدي الحضارة، حيث لا سلطة له على ما يقع حوله، ولا له. ينصهر مع المحيط ويترك الحضارة تتصرف به كما تشاء. تصبح معاييره وقوانينه خاضعة لما يملى عليه، تصبح حياته مجرد خطة تم تحديدها آنفا، دوره فيها هو التطبيق. يستيقظ صباحا تماما كما هو محدد، يرتدي بذلة كما يجب، يحتسي فنجان قهوة كما هو متفق عليه، يختلط وأشباهه في الطرقات، يمضي في طريق معينة ليصل عند موعد محدد، يعمل عملا معينا اختير له وفقا لكفاءاته، يبتسم بشكل يناسب موقعه، يلاطف أناسا لا يحبهم، ويمازح أشخاصا لا يطيقهم. يسامر من لا يكن له أي احترام، يفعل أشياء كثيرة لا يريدها، لكنها وفق الخطة، وعليه احترام الخطة. يعود أدراجه لزوجة لا يعرف كيف عثر عليها، كل ما في الأمر أن الخطة تقضي بوجود زوجة وبيت وأطفال. يجلس ليراقب الأطفال، لقد كان يوما ما مثلهم، لا يعترف بالخطط ولا يؤمن بالقواعد، لقد كان منسجما مع حقيقته البسيطة، ثم أصبح كل شيء معقدا، وحساسا، وجادا بل مخيفا. لقد أصبح مجرد التعبير عن الحب عبئا ثقيلا، والتعبير عن الكره رجسا كبيرا. لقد صار مجبرا على تبني سياسة لا تعنيه، تماما كأن يناضل من أجل شعارات لا تهمه، لقد غدا مجبرا على تبني قضايا ما حتى لا ينعت بالعميل، ملزما باتخاذ المواقف حتى لا يعامل كخائن. أن يظهر غضبه من السياسيين حتى لا يعتبر متملقا، وأن يلعن دولة ما حتى لا ينظر إليه كمتواطئ. هو مجبر على أن يقول صباح الخير لزميل يحتقره، وأن يهنئ مديرته بترقيتها وأن يصافح جاره كل مساء وهو لا يشعر بأنه يريد فعل ذلك. هو ملزم به حتى لا يصنف داخل خانة الملاعين والأشرار. لم يكن شريرا حين كان طفلا يتصرف وفقا لشعوره تجاه الأشياء والأشخاص، ما الذي تغير؟!
الذي تغير أنه دخل القفص، قفص الإنسان المتحضر البالغ الكبير، المنوط به اعتقاد أفكار كثيرة وحمل فلسفات على عاتقه وتبني قضايا يناضل لأجلها والسير وفق خطط معينة. خرج من الروضة ليدخل حلبة الترويض، روض ليكون بالغا وعاقلا يكبت شعوره ويظهر ما يجب عليه إظهاره بغض النظر هل يريد ذلك أم لا. يخاف العالم وينافس أشباهه الذين يعيشون الخطة نفسها، أيهم سيتفوق في إنزالها بحذافيرها.
الانتباه لهذا الكائن الذي صرناه مرهق جدا، ومضن، مراقبته تسترعي كثيرا من الصبر، تكون أمامه كالمشلول الذي يرغب في القفز ويخاف السقوط على رأسه ثم الموت. تكتفي بمتابعته وهو يغرق كل يوم أكثر من الذي قبله داخل الخطة، يتبناها كما يتبنى نبي رسالة سماوية مقدسة. يقتل لأجل قضية لا يؤمن بها ولا يفهمها، ويفني حياته داخل مسؤوليات لم يخترها، كل ذلك كان وفق خطة اعتنقها عندما قدمت له شهية على طبق، طبق الإيديولوجيا، طبق المكانة الاجتماعية، طبق الهوية، طبق الثقافة، طبق العرق، طبق القومية،.. تتعدد الأطباق والخطة واحدة، أن تحمل معك قواعد كثيرة تعيش لأجلها وخارطة مدروسة تمشي وفقها ولا تتعثر.




