
بقلم: خالص جلبي
زميلي رشيد ذكي أريب لا يكف عن السؤال. كان الصباح باكرا منعشا، والروح تستيقظ على نحو فعال مع نسمات الصباح، ولم يكن غريبا أن ذكر القرآن، قرآن الفجر أنه كان مشهودا.
سألني بلهفة عن البعد الرابع؟ قال: أعرف الطول والعرض والارتفاع في المستوى الفراغي، ولكنني لم أستوعب ولا أستطيع أن أتصور بعدا رابعا. قلت له إنه حديث فيزيائي صعب، ولكن القدرة أن نورد أفكارا كبيرة بكلمات صغيرة، أو أن نشرح أفكارا جليلة بكلمات بسيطة، وهذه ميزة للقرآن، لأنه يشرح أفكارا كالجبال ولكنه ميسر للذكر فهل من مدكر. قلت له: يا عزيزي إن العلم وصل إلى عشرة أبعاد وليس بعدا رابعا! قال: وكيف؟ قلت له شارحا: نحن نعرف أن الفيزياء تقول لنا بوجود ثلاثة أبعاد من الطول والعرض والارتفاع، وعيوننا تدرك هذا على نحو فراغي، وقصتي مع الهندسة الفراغية تذكرني بأيام القامشلي حيث ترعرعت، وما زلت أذكر ابن عمي عبد الرزاق رحمه الله، وكان يسبقني في الدراسة بسنتين وكان يسألني مرارا: ماذا تدرسون في الرياضيات؟ وكنت يومها في الصف العاشر، وهو كان في مرحلة ما يسمى (البكالوريا) في الصف الثاني عشر. كنت أجيبه: المثلثات! جيب وتجيب. كان يقول: لم تدرسوا بعد المعقد؟ ولسوف تدوخ فعلا عندما تدرس الرياضيات الفراغية. كنت أتعجب منه وأقول: اشرح لي ماذا تعني الهندسة الفراغية؟ كان يتنهد ويقول: ماذا أشرح لك؟ تصور أنك تفكر وأنت معلق في الهواء! فكنت أشعر بالرهبة من هذا العلم. وعندما تقدمت إلى تلك المرحلة، كنت أفتش أين مكان الصعوبة التي كان يشرحها لي ابن عمي فلم أجدها! ثم اكتشفت أن الأمور سهلة لمن يسرها عليه بالجهد والتعب وسهر الليالي. وما زلت أتذكر في هذا الصدد أستاذ الفلسفة عندما قرأت كتاب «قصة الإيمان بين العلم والفلسفة والقرآن» لنديم الجسر، فاعترضتني فقرة فلسفية صعبة؛ فرجعت إلى أستاذ الفلسفة طالبا منه التوضيح. نظر إليها وقال: بسيطة… ثم بدأ بالشرح… عرفت يومها أنه لم يفهمها وهو يتظاهر بذلك. ثم اجتمعت بهذا الأستاذ بعد ثلاثين سنة لأعرف أين وصل في إدراكاته العقلية؛ فعرفت أنه حيث تركته؛ فقلت في نفسي: كذلك كنتم من قبلكم فمن الله عليكم. ومثلها أيضا زميل لنا في الطب، ونحن نسأله أن يشرح لنا تخطيط القلب الكهربي (ECG)، فكان يهذرم، وأنا أعرف أنه يلوك كلمات لا يعرف معناها.
أرسل إلي زميلي في الطب توفيق دراق، وهو مختص في الأمراض العصبية، في كندا قال هل تتذكر دكتور رزق وأشباهه؟ كانوا حريصين أن نبقى جهلة! قلت: صدقت فما زالت عندي نقطة ضعف في كيفية قراءة مخطط القلب الكهربي. هذا الرائع وأمثاله تم قتلهم في سجن تدمر في دفعة واحدة، بلغت ألفا أو يزيدون ودفنوا في الصحراء فلا قبر لهم. سحائب الرحمة على روحه وإخوانه. وأذكر أنني مررت بكثير من الناس في مراحل عقلية شتى ثم غادرتها، وهذه هي طبيعة أساسية في الفكر أن الإنسان في حالة صيرورة. وفي هذا يذكر عبد الرحمن البدوي في مذكراته، أنه كان في حزب مصر الفتاة وبقي يحاسب على ماضيه الحزبي، مع أنه ودعه منذ نصف قرن. ومثله الأستاذ عبد الحليم أبو شقة وكان في التنظيم الخاص العسكري للإخوان المسلمين. وهكذا فالإنسان هو يمر في طور بعد طور، ونضجا بعد نضج.
وأرجع إلى صديقي رشيد قلت له إن أينشتاين استطاع أن يجعل من الزمن بعدا رابعا، وكأنه امتداد مثل الطول والعرض والارتفاع، وأينشتاين وصل إلى بضع معادلات أنيقة صغيرة قلب فيها المفاهيم التقليدية، وسبقه لتلك الأفكار أناس آخرون، ولكن الفضل يعود إليه في ضغطها في معادلات خفيفة، واشتغلت الإنفوميديا على نفخه جدا ونسيت آخرين، مثل هنري بوانكاريه الفرنساوي، وهي القصة نفسها لداروين مع لامارك في قانون البقاء والتطور، وفرانسيس كريك مع روزاليند في كشف الكود الوراثي، وأديسون مع تيسلا الصربي في كشف كهرباء التوتر غير الساكنة، وهي قصص عجيبة عن أناس لمعوا على ظهر آخرين. ولكن لا تقف رحلة العلم عند هذا، فالبعد الخامس هو الحياة، وهنا نقفز عتبة جديدة في الفهم، وهي شيء مختلف عن الفيزياء، وهي ظاهرة مبثوثة في تضاعيف الوجود، وفي كل خلية على نحو مجهول.
أما البعد السادس فهي الروح الإنسانية أو ما يطلق عليها القرآن النفس، حيث إن الروح عادة في القرآن تطلق على شيء مختلف، مثل «ويسألونك عن الروح»، أو آية «تنزل الملائكة والروح»، أو آية «يوم يقوم الروح والملائكة لا يتكلمون». مقابل آية «وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا». ويبقى البعد السابع هو المجتمع؛ فهي ظاهرة يتميز بها عن تجمع الحيوان المتجمد في وضع لا يتغير فيه، وكأنه القطار على سكة عنها لا يحيد. مقابل المجتمع الإنساني القابل للتطور والتقدم. أما البعد الثامن فهو مخطط الجنس البشري في بانوراما كونية وفي حالة تقدمية كمحصلة نهائية.
كان رشيد يتابع حديثي مذهولا، وهو يفهم بعضه وينكر بعضا ويهز برأسه بين الحين والآخر، ثم يسأل وأين البعد التاسع والعاشر؟
قلت رحلة الكوكب الأرضي بما حمل، والوجود كظاهرة محيرة. وفوق كل ذي علم عليم.




