حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرملف التاريخ

القصة غير المروية لتأسيس الأبناك في المغرب….عندما كان لدينا «بنك مخزني» ورخص للاستيراد

يونس جنوحي

«قبل 1906، العام الذي تأسس فيه البنك المخزني المغربي، كانت هناك فروع لأبناك أوروبية في طنجة الدولية تحديدا.. وفي سنة 1915، أقرت الحماية الفرنسية قوانين جديدة لفتح فروع أبناك فرنسا في مختلف مدن المغرب.. وهكذا انتفض العلماء، ووافقهم السلطان مولاي يوسف، على تحريم تعامل المغاربة مع هذه الأبناك الربوية.. صدرت الفتاوى تلو الأخرى، وظل المغاربة يراقبون وكالات الأبناك وهي «تنشط» أمام أعينهم، قبل أن يصبح الواقع «البنكي» مغربيا.

++++++++++++++++++++++++++++++++

 

 

قصة «البنك المخزني المغربي» 

في العام نفسه الذي كانت دول أوروبا تجتمع للتقرير في مصير المغرب، في مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906، تأسس البنك المخزني المغربي..

لماذا هذا البنك؟ لقد كانت بعض فروع الأبناك الأوروبية مفتوحة بالفعل في طنجة الدولية، لكنها لم تجد نهائيا طريقها لا إلى الدار البيضاء والرباط ولا إلى فاس، عاصمة المغرب في ذلك الوقت.

عندما وصل السلطان مولاي عبد العزيز إلى السلطة سنة 1894، كان موضوع الأبناك قد وضع بالفعل فوق مكتبه، خصوصا وأن خزينة الدولة كانت تعيش حالة إفلاس غير مسبوق، بالإضافة إلى أن المخزن كان مطالبا بأداء أقساط ديون لحكومات أوروبية، سيما بريطانيا وفرنسا، وكان لا بد من التعامل مع الأبناك الحكومية.

أرجأ المولى عبد العزيز الفكرة في ذلك الوقت، ببساطة لأن إمكانيات إنشاء بنك مخزني مغربي وقتها لم تكن متوفرة.

تلقى السلطان الشاب نصائح من بعض مستشاريه مفادها أن يستقطب أثرياء المغرب الكبار، والذين كانوا يمارسون التجارة وتحت تصرفهم خزائن تفيض بـ«الحَسني»، لكي يُودِعُوا أموالهم في بنك مغربي، حتى يسهل على المخزن التعامل مع الحكومات الأجنبية.. لكن الفكرة أقبرت، لأن الجو العام كان محموما.

النسق السياسي المغربي أيضا لم يكن يسمح بتأسيس هذه التجربة، إذ إن خلفاء السلطان والقواد والبشاوات في مختلف ربوع المغرب كانت لديهم خزائنهم الخاصة، ولم يكن في صالحهم أن يصرحوا بممتلكاتهم للسلطان، أو يضعوها في بنك.

كان هؤلاء المتغولون الكبار يخافون من «الوضوح المالي» الذي يفرضه البنك، وهكذا فإنهم لم ينخرطوا نهائيا في أي مبادرة من هذا النوع إلا متأخرين.

تأسس البنك المخزني إذن، بعد أن تلقى السلطان توصيات كثيرة مفادها ألا مفر نهائيا من تأسيس بنك للدولة المغربية، لتسهيل التعامل المالي مع الحكومات الأجنبية.

وكان أول مشكل صادف عمل هذا البنك، هو العملة التي يعتمدها، إذ كان المغرب يعتمد «الحَسني»، والعملات الأجنبية، خصوصا الفرنك الفرنسي، وهو ما يعني أن المغرب كان يدفع أكثر للحصول على العملة الأجنبية.. في حين أن الاقتصاد المغربي أساسا لم يكن فيه مجال للعمل البنكي، باستثناء الشركات الأولى التي اشتغلت في مجال الاستيراد والتصدير. أما التجار المغاربة الذين شكلوا عصب الاقتصاد المغربي، والأعيان المغاربة من كبار الأثرياء، فقد كانت الفلاحة والتجارة نشاطهم الرئيس، ولم يكونوا يتعاملون مع الأبناك نهائيا.. وهكذا فإن «البنك المخزني المغربي» لم يكن في الحقيقة سوى خزنة رسمية للدولة المغربية، تودع فيه أموال الضرائب، لتسهيل التعاملات المالية مع الأجانب.

في حين أن الرواج المالي الحقيقي في المغرب كان يتم خارج أسوار هذه البناية المخزنية.

في يونيو 1959، انتهى عهد «البنك المخزني المغربي» وأصبح الاسم من التاريخ، ليعوضه «بنك المغرب» الذي تأسس بموجب سياسة وزارة الاقتصاد المغربية في حكومة عبد الله إبراهيم. إذ إن العارفين بالسياق السياسي وقتها ينسبون فضل إجراء هذا التغيير إلى عبد الرحيم بوعبيد الذي كان وزيرا للاقتصاد، وجهود حكومة عبد الله إبراهيم لتخليص المغرب من التبعية الإدارية لنموذج الحماية. لقد كان «البنك المخزني المغربي»، رغم أنه عمّر قرابة نصف قرن، وجها من أوجه التمهيد للهيمنة على المغرب.

 

المستفيدون الأوائل من رخص الأبناك والشركات.. هل كانوا محظوظين؟

العمل في مؤسسة مثل ميناء الدار البيضاء بعد سنة 1956، كان يُعتبر المستفيد منه محظوظا بكل تأكيد. لكن الفوز برخصة استيراد السيارات أو السلع الفاخرة واحتكار أصلها التجاري وترويجها في المغرب، كان هو الحظ بعينه!

بعد نونبر 1955، كان المغرب ورشا كبيرا مفتوحا في كل المجالات. فرنسيون يغادرون، ومغاربة يستعدون لأخذ أماكنهم.

أثرياء المغرب وضعوا أعينهم على التجارب الفرنسية الناجحة في التجارة، وانتبهوا إلى أن المجالات التي تراكم أرباحا خيالية، تلك التي ترتبط أساسا بالماركات الفرنسية الشهيرة في السيارات والآلات الكهربائية، ورخص استيراد الخمور وماركات الملابس.

بعد سنة 1956 وُلد جيل جديد من الأثرياء المغاربة. بعضهم كانوا من قدماء المقاومة، وآخرون أدوا ضريبة الاستفادة من بعض الامتيازات، وهو ما جعل وصفهم بـ«المحظوظين» يستحق فعلا وقفة تأمل.

إذ إن بعض الأثرياء المغاربة الجدد كان مصيرهم الاغتيال، في إطار المنافسة بين الفرقاء للفوز بهذه الامتيازات. وبعضم وجهت لهم تهمة الخيانة، أو التآمر، لإزاحتهم من الساحة.

كانت هذه التحولات كلها تمهد لـ«زلزال» اقتصادي حقيقي في مغرب الاستقلال. فقد كان قدماء المقاومة الذين أسسوا النواة الأولى للأمن، يصفون حساباتهم مع بعض الحاصلين على الرخص الاستثنائية، وهكذا فإن القصر كان مطالبا بتدخل فوري لاحتواء الوضع، وتهدئة الجو.

دعا الملك الراحل محمد الخامس إلى ضبط النفس، وفتح باب مكتبه أمام شكايات الضحايا وعائلاتهم، ودعا المسؤولين الأمنيين، خصوصا الغزاوي، مدير الأمن، والسيد حصار، مدير ديوانه، إلى تشديد المراقبة الأمنية، وضرورة سحب السلاح من الشارع المغربي، وكلف مسؤولين في الجيش، مثل الجنرال الكتاني والجنرال إدريس بن عمر، بالعمل على استتباب الأمن.

كان الوضع المغربي بعد 1956 مختلفا تماما عن مغرب ما قبل الحماية.

قبل 1912، لم يكن المغاربة يتعاملون مع الأبناك، رغم أن أبناك أجنبية فتحت فروعها في المغرب. لكن بعد 1955، أصبح الموظفون المغاربة يملكون حسابات في «البوسطة»، ثم في الوكالات البنكية المعتمدة. وفي الفترة نفسها، بدأ المغاربة يتعاملون بالشيكات، ويضعون أموالهم في الأبناك.

هذا التطور الكبير في الحياة المالية المغربية، واكبته ترسانة من القوانين. ففي سنة 1967 أعطى الملك الراحل الحسن الثاني الأمر لإصدار أول قانون بنكي، يخول لبنك المغرب مراقبة النشاط البنكي.

وقبل أن يقطع المغرب هذا الشوط في قرابة عشر سنوات، كان التعامل البنكي بين المغاربة محدودا.

في سياق النصف الأخير من خمسينيات القرن الماضي، كانت بعض الأسماء المغربية محظوظة، بعد الفور برخص استيراد أنواع معينة من السلع الأجنبية، وبيعها في السوق المغربي. وأغلب هؤلاء حصلوا على هذه الرخص، على أساس أنها مساعدة شخصية من الملك الراحل محمد الخامس لعائلات، كان يرى أن أفرادها ضحوا من أجل استقلال البلاد.

وبعض هؤلاء الذين شملتهم الرعاية الملكية، باعوا الرخص إلى تجار مغاربة خبراء، بينما لم يتمكن آخرون من الاستفادة منها، بسبب المنافسة الشديدة بين الراغبين في مراكمة هذا النوع من الامتيازات.

عندما غضب علماء القرويين من أبناك فرنسا

في سنة 1915، كان علماء القرويين غاضبين، لأن الإقامة العامة الفرنسية وقعت على قرار فتح فروع لأبناك فرنسية في كل من الدار البيضاء، الرباط، واعتماد فروع جديدة تُفتح لأول مرة في مراكش وآسفي.

راسل علماء القرويين السلطان مولاي يوسف، الذي وافقهم في رأيهم، وعبّر بدوره عن رأيه صراحة في رفض فتح الأبناك الربوية فوق تراب «الإيالة» الشريفة.

اعتماد الأبناك الفرنسية كان حدثا جللا رفضه علماء القرويين، وخصصوا له خطبا ودروسا حضرها سكان مدينة فاس، ووجهت تُهمة تجييش الجماهير إلى بعض علماء القرويين المعروفين، مثل الكتاني، ووافقهم في رأيهم علماء من سلا والرباط، مثل القادري، و«گنون» الوالد في طنجة التي نزح إليها سنة 1914 من فاس.

كان علماء القرويين النازحون من فاس احتجاجا على وصول الجيش الفرنسي إليها بعد توقيع الحماية سنة 1912، مشاركين بدورهم في الحملة ضد الأبناك الفرنسية.

والمثير أن تعاملات الأبناك الفرنسية في البداية لم تكن تشمل المغاربة، وإنما الفرنسيين والأجانب فقط. ولم يكن المغاربة يتعاملون معها في حياتهم اليومية، باستثناء العائلات المغربية الثرية الأولى التي تتعامل مع الشركات الأوروبية، وتملك رخص الاستيراد والتصدير، مثل عائلة «التازي» في الدار البيضاء، والتي كان أحد أبنائها أول مغربي يتعامل مع شركات إيطالية وألمانية وفرنسية وفق عقود عصرية.

الجيل الجديد من العائلات المغربية، خصوصا أثرياء الدار البيضاء والرباط بعد 1912، كانوا يتعاملون مع الأبناك الفرنسية، بحكم طبيعة الأعمال التجارية التي يزاولونها، خصوصا عندما تعلق الأمر بفتح فروع علامات تجارية أجنبية في المغرب، مثل شركات السيارات والثياب والآلات الكهربائية.

في الدار البيضاء وحدها، وإلى حدود سنة 1925، كانت فروع الأبناك الفرنسية الكبرى موجودة في المغرب بالفعل، وترتبط أساسا بمقرات الشركات الأم في باريس، وتستحوذ على السوق المغربية.

وبرز دور هذه الأبناك عندما أقرت الخارجية الفرنسية بعد الحرب العالمية الأولى، سيما سنة 1919، قانونا لتشجيع الفرنسيين على الاستثمار في المغرب، خصوصا في مجال الزراعة.

أغرت الحكومة الفرنسية مواطنيها بعدة امتيازات لاختيار المغرب وجهة مقبلة للاستقرار.. ومن جملة التشجيعات التي قدمتها الحكومة الفرنسية، خفض الفوائد على القروض المخصصة للفرنسيين لاقتناء الأراضي الزراعية أو شراء المنازل.

كانت إعلانات هذه الإشهارات تهيمن على الصحف الفرنسية، لاستقطاب الفرنسيين.

وفي وقت كانت هذه الأبناك الفرنسية تحاول توسيع نشاطها في المغرب، كان علماء المغرب المحافظون يرفضون بالمطلق وجود هذه الأبناك الربوية في المغرب.

وما زاد من تأجيج الحملة المغربية ضد أبناك فرنسا، وصول منشورات إلى المغرب قادمة من مصر، تتضمن مقالات مطولة لعلماء من جامع الأزهر في القاهرة، يشرحون فيها مخاطر الأبناك الربوية، وتضمنت أيضا فتاوى تحريم التعامل مع هذه الأبناك.

في عهد السلطان مولاي يوسف دائما، لم يشمل نشاط هذه الأبناك المواطنين المغاربة، فقد ظل المحافظون المغاربة متوجسين من كل ما هو فرنسي وليس الأبناك فقط، ولم يتسع نشاط هذه الأبناك إلا في وقت متأخر جدا، مقارنة مع فترة انطلاق عملها رسميا في المغرب.

 

 

1928.. قصة أول قرض بنكي خصص للفلاحين المغاربة

في واحد من أقدم الاستطلاعات التي همت حياة الفرنسيين الوافدين إلى المغرب والمستفيدين من مشروع تفويت الأراضي الفلاحية للمزارعين الفرنسيين، سُجلت أجواء اشتغال الفلاحين المغاربة الذين لم يكن بمقدورهم منافسة الفلاحين الفرنسيين المقيمين في المغرب. فهؤلاء كانوا يستفيدون من دعم حكومي سخي، وامتيازات لا حصر لها لم تتوقف عند تسهيل تفويت الأراضي أو كرائها بعقود طويلة الأمد، وإنما امتد إلى الحصول على قروض سريعة من الأبناك، وأحيانا دون التركيز على الضمانات.

بفضل هذا الاستطلاع أسفله، والذي أجراه «برنارد. ن»، جرى التوثيق لأول حملات القروض البنكية التي استهدفت الفلاحين المغاربة:

«ليس من الصعب العثور على اختصاصيين في المغرب، لكن أغلبهم فرنسيون. إن المغاربة لديهم حماس قليل جدا للبحث والتخصص خارج دينهم.

في إحدى البلدات، التقيتُ رجلا فرنسيا متخصصا في مجال الأبناك بالمناطق النائية، وقال لي:

-«بعد بداية بطيئة، فإن التقدم الحاصل الآن مُشجع. تخيل أن الاقتصاد الفلاحي هنا لم يتغير خلال 2000 سنة. لا يزال الفلاح بمحراثه الخشبي الذي يجره بغل وحمار، ولا يزال يحصد محصوله الهزيل بالمنجل. كما أنه لا يزال يضرب الذرة بواسطة العصا، أو بجعل دوابه تدوس فوقها، وتحوم حول الحزم، ثم تعريضها للرياح لاستخلاص الحبوب. نعم، أنا أعلم، سوف ترى هذا الأمر في أكثر من مليون مزرعة مغربية اليوم.

الأكثر من هذا، فإن المزارع كانت صغيرة المساحة، كما أن الأمطار كانت غير منتظمة. إلى درجة أن غياب الأمطار مرة فقط قد يُغرق الفلاح في ديون ثقيلة، ونادرا ما كان يستطيع الانفلات منها.

الحي اليهودي منبوذ ويتعرض للإقصاء، ولكن كانت لديه استخداماته، فقد كان جزءا أساسيا من الاقتصاد المغربي القديم.

نقوم الآن بتعزيز جمعيات الادخار التي أقيمت محليا منذ بدايتها حتى الآن، بالضبط 65 جمعية منها، وقد قمنا بتكييفها مع منظمات ناجحة تشبهها في الجزائر. إنها معا تشكل، بطريقة ما، مجتمعا تعاونيا قويا جدا وخارقا.

إنهم يجمعون فلاحي منطقتهم، ويقدمون قروضا للتطوير، ولاقتناء الحبوب، والآلات الفلاحية، وأشياء أخرى. كما أنهم يبيعون المنتوج أيضا. بل إنهم قد يتاجرون بالمنتجات الزراعية مباشرة، في مواجهة السلع المصنعة.

القروض تُسدد من المحاصيل مباشرة. إذا كنت تريد حل المشكلة بالمال، فإن سعر الفائدة يبقى ثلاثة بالمئة.

يدعم البنك المركزي المغربي للقروض والادخار الجمعيات ماديا، وهناك أيضا الأبناك الجهوية التي تُفوت القروض بشكل مباشر إلى كبار المُزارعين.

بالإضافة إلى هذا، تتزايد عندنا التعاونيات الزراعية الشاملة. وتتوفر فيها أيضا إمكانية الحصول على القروض، والفلاحون يتعاونون في ما بينهم لاستخدام الآلات الزراعية.

هذا في ما يخص المغاربة. وهناك أبناك فلاحية خاصة بالمعمرين الفرنسيين. نواجه صعوبة كبيرة في إقناع المغاربة بالاستثمار في قطاع الأبناك، عندما تتوفر فيهم شروط الاستثمار، إذ إن دينهم يُحرم الربا. إنهم يلجؤون إلى الاقتراض، لكن ليس بالربا، وكذلك اليهود».

كان الفرنسيون إذن يعلمون إكراه تحريم التعامل مع الأبناك الفرنسية، وقد لعب هذا الواقع دورا كبيرا في تأخير تعامل المغاربة مع الأبناك، رغم الإغراءات..

ورغم أن بعض العلماء القدامى تساهلوا في التعاطي مع أوجه الحياة العصرية التي جلبتها فرنسا إلى المغرب، خصوصا في مجال الكهرباء والسيارات ووسائل الراحة، إلا أنهم ظلوا محافظين عندما تعلق الأمر بالتعامل مع الأبناك.

 

المالح.. أقدم مغربي «حاول» الاستثمار في عالم الأبناك

يتعلق الأمر بالثري المغربي «فيكتور المالح»، الذي قضى معظم سنوات حياته في الولايات المتحدة الأمريكية.

فيكتور وُلد سنة 1918 في الصويرة، لأب عانى كثيرا من مشاكل مالية، بسبب تدهور تجارته، لكن والدته فكرت في زيارة والديها، اللذين انتقلا إلى نيويورك، وأخذت معها الصبي فيكتور. وفي نيويورك طلب منها والداها أن تترك فيكتور معهما لكي يعيش مع أخواله، ويدرس في نيويورك، بحثا عن مستقبل أفضل له.

تشبع فيكتور المالح بالحياة الأمريكية، بعد أن نشأ في أحياء المهاجرين، ودرس الهندسة، لكن التجارة سرقته بعيدا من المكاتب في شركات نيويورك.

ومن أولى المشاريع التي أسس بها فيكتور المالح إمبراطوريته المالية، استيراد المياه المعدنية من الجنوب الأمريكي وإعادة تسويقها داخل تراب الولايات المتحدة، ثم رخص استيراد السيارات الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية.

لكن تجربة مثيرة عاشها فيكتور المالح، بداية الخمسينيات، تتعلق بمحاولة الاستثمار في المغرب، قبل الاستقلال، ثم بعد الاستقلال بفترة قصيرة.

إذ إن فيكتور المالح حاز على رخصة الانفراد باستيراد العلامة الألمانية الشهيرة للسيارات «فولسفاغن» داخل المغرب، حدث هذا سنة 1962.

لكن المثير أيضا أن فيكتور المالح حاول فتح فرع بنك أوروبي في المغرب، وهو المشروع الذي لم يكتب له النجاح، لأن المالح صادف بعض الصعوبات التقنية في مشروع السيارات، وقرر إيقاف المشروع، والعودة رأسا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما جعل مشروع البنك يتوقف.

لكن قبل ذلك، كان فيكتور المالح سنة 1948، قد وضع اللمسات الأخيرة على مشروع افتتاح بنك أوروبي في الرباط والدار والبيضاء ومراكش. وكان تقدم المشروع مشجعا، لكن فيكتور المالح لم يذكر في المقابلة الصحافية التي باح فيها بهذه الأسرار للصحافة الأمريكية، قبل وفاته سنة 2014، أسباب عدم إتمام مشروع البنك المغربي في نهاية الأربعينيات.

نفى فيكتور المالح عن نفسه أن يكون قد استفاد من أي امتيازات في المغرب، سواء خلال فترة الحماية أو قبلها، ونفى أيضا أن تكون له علاقات مع مسؤولين فرنسيين في مغرب الحماية، ودافع عن نفسه بالقول إنه عاش أغلب سنوات حياته في الولايات المتحدة، وعائلته في الصويرة لم تكن مقربة من دوائر القرار، وأكد أنه فاز بالصفقات التجارية في المغرب بعد مفاوضات واجتماعات مع الشركات الأم في فرنسا، باعتباره مستثمرا يجمع بين الجنسية الأمريكية والمغربية، ومعرفة كبيرة – بفضل إخوته ووالده، الذين قضوا حياتهم في الصويرة- بحاجة السوق المغربي.

 

 

«ميستر جيمس».. بريطاني حلم بتحويل طنجة الدولية إلى «جنة بنكية» قبل قرن ونصف

يبقى الصحافي البريطاني والتر هاريس، الذي عاش في المغرب ما بين فترة 1890 و1933 – توفي في المغرب- أحد أقدم من وثقوا للحياة المغربية، خلال فترة حكم المولى الحسن الأول، وصولا إلى عهد السلطان سيدي محمد بن يوسف.

وقد تطرق هاريس في عدد من كتاباته إلى تحولات حياة المغاربة بعد  1890 – بعض كتابات هاريس تعود إلى ما قبل هذا التاريخ- وكان وراء اقتراح سن قانون ضرائب جديد على السلطان المولى عبد العزيز، وهو ما أجج غضبا كبيرا ضده.

وبحكم صداقات هذا الصحافي في طنجة الدولية، فقد كتب كثيرا لصحيفة «التايمز»، عن ثروات مسؤولين بريطانيين استقروا بالمغرب خلال الفترة التي استقر فيها في المدينة، خصوصا بعد وفاة المولى الحسن الأول سنة 1894، مثل «ميستر جيمس» الذي قال إنه كان موظفا في إحدى الدوائر الحكومية في عدد من مدن بريطانيا، قبل أن يقدم استقالته ويقرر أن يتجه إلى جبل طارق.

وعندما وصل إلى هناك، وجد طريقة ما لتهريب ثروته بكيفية آمنة، لكي يصل بها إلى طنجة الدولية.

لم يكن سهلا في ذلك الوقت نقل الأموال عبر مضيق جبل طارق، إذ نتحدث هنا عن الفترة التي سبقت تأسيس فروع الأبناك الأوروبية. وبما أن «ميستر جيمس» كان موظفا حكوميا سابقا في بريطانيا، فإن نقل أمواله عبر البنك حتى لو كان متاحا، سوف يكون مستحيلا لما سوف يجره عليه من مشاكل.

أما مسألة نقل الأموال عبر البحر، فقد كانت عملية معقدة. يقول والتر هاريس، إن «ميستر جيمس» اضطر إلى دفع رشاوى في جبل طارق لبعض الموظفين، لكي يقنعوا قبطان باخرة بريطانية لنقل السلع، بأن يمنح له خزانة حديدية ليضع فيها أمواله، وينزلها في ميناء طنجة على أساس أنها تضم وثائق للسيد المفوض، ومنحوا له ورقة مختومة تشهد بهذا الأمر حتى لا يصر المخزنيون المغاربة في الميناء على فتح الخزنة.

وعندما نزل في طنجة، بادر إلى نقل الخزانة إلى دار اكتراها وقام بشرائها من أصحابها في ما بعد. إذ إن الشقة كانت مملوكة لأسرة يهودية مغربية، كانت تقوم بكرائها في أوقات الذروة للسياح الأجانب الذين لا يجدون غرفا شاغرة في الفنادق، أو بالنسبة إلى العائلات كثيرة الأفراد.

بدأ «ميستر جيمس» بالدفع بسخاء لعدد من الموظفين البريطانيين في طنجة، وقدم لهم نفسه على أنه متقاعد يريد بدء حياة جديدة في المغرب، وقام بشراء منزل آخر في أعلى «جبل الكبير»، وخصصه لعقد لقاءات وسهرات يدعو إليها نخبة من الموظفين الأجانب.

يقول والتر هاريس إن «ميستر جيمس» استطاع بسهولة الفوز بثقة مسؤولين ألمان، وأقنعهم بتسهيل عملية شرائه لبعض اللوحات الفنية من مقر إقامة أحد القناصلة، وقام ببيعها لاحقا بمبلغ خيالي لأحد الأمريكيين.

لقد تحول «ميستر جيمس» إلى تاجر كبير للتحف، في ظرف عامين فقط.

ومن بين التحف التي قام ببيعها بعض الحفريات التي وجدها في منطقة مرشان. إذ كانت هناك آثار للوجود الروماني وقبور قديمة، وكان سهلا العثور على بعض الآثار الأخرى بمجرد حفر أمتار قليلة تحت الأرض.

لم يتبين والتر هاريس ما إن كان «ميستر جيمس» قد باع فعلا آثار رومانية من طنجة، لكنه يقول إنه سمع إشاعات كثيرة في مقهى طنجة، عن الطريقة التي نمّا بها ثروته.

ورجح والتر هاريس أن تكون موهبة ميستر جيمس في الحديث وراء تنمية ثروته في طنجة، إذ إنه كان متحدثا بارعا ولاعبا موهوبا للورق والشطرنج. كما أنه كان يضبط تاريخ بريطانيا جيدا ويحكي معلومات مثيرة عن العائلة الملكية في بريطانيا. وهذه المواضيع كانت تجعل طاولته في مقهى فندق «كونتينونتال» تعج دائما بالمدعوين. حتى أن بعض الأشخاص قد ضاقوا ذرعا به، فقاموا بقتله بطريقة غامضة. ورجح «هاريس» أن يكون مصرع ميستر جيمس بهذه الطريقة، راجع إلى طموحه الكبير في اقتحام عالم الأبناك، والتأسيس له في طنجة الدولية.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى