
تفتقد المنطقتان العربية والإسلامية إلى مشروع تكاملي أو على الأقل تعاوني في الشأنين السياسي والاقتصادي. وأدى هذا الفراغ إلى سعي مشروعات أخرى لملء هذا الفراغ.
ومن هنا وجدنا المشروع الإيراني يتحرك في هذه المساحة، ولا تواجهه إلا جهود قطرية، أو مشروعات بديلة، على رأسها في المنطقة العربية مشروع الأورومتوسطية، الذي يمثل دول الاتحاد الأوروبي، أو مشروع الشرق أوسطية الذي يهدف إلى دمج اقتصاد الكيان الصهيوني في المنطقة.. أما باقي الدول الإسلامية فلديها انتماءاتها الإقليمية بحكم الجوار الجغرافي، مثل الدول الإسلامية الآسيوية التي تنتمي لتجمع الآسيان.
ويعتبر الاقتصاد الإيراني من الاقتصادات النامية، ويلعب النفط فيه دوراً كبيراً، ويظهر ذلك من خلال سيطرة النفط على نسبة كبيرة من الصادرات الإيرانية. ومن هنا نجد أن الاقتصاد الإيراني لا يملك ميزة تنافسية بين الاقتصادات العربية والإسلامية تمكنه من دور حاسم يمكن له في أدائه الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، أو على الصعيد الإسلامي.
إلا أن المتاح من بيانات يظهر أن هناك حالة من التوسع في حركة التجارة الخارجية لإيران على صعيد الدول الإسلامية غير العربية، بشكل أكبر منه مع الدول الإسلامية العربية، باستثناء دولة الإمارات العربية التي تعد الشريك التجاري الأول لإيران من بين الدول العربية والإسلامية.
وفي إطار المواجهات المستمرة مع أمريكا والغرب، تجد إيران مندوحة في التوجه نحو الدول العربية والإسلامية، وبذلك يتحقق لها هدفان، الأول تخفيف حدة العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران من قبل أمريكا والغرب، والثاني التمكين لمشروعها الإقليمي في الشرق الأوسط.
وتهدف هذه الورقة إلى التعرف على مرتكزات المشروع الإيراني في المنطقتين العربية والإسلامية، وذلك من خلال التعرف على إمكانيات الاقتصاد الإيراني، وكذلك العلاقات الاقتصادية لإيران مع الدول العربية، بوجه خاص، ومع الدول الإسلامية بوجه عام.
الملامح العامة لأداء الاقتصاد الإيراني
بلغ الناتج المحلي الإجمالي لإيران 331 مليار دولار أمريكي نهاية عام 2009، ويلاحظ أن الناتج المحلي لإيران شهد زيادة ملحوظة مقارنة بما كان عليه عام 2006 حيث كان في حدود 222 مليار دولار، أي أن قيمة الزيادة بلغت 109 مليارات بين عامي المقارنة.. إلا أن معدل نمو الناتج شهد تراجعاً ملحوظاً خلال عامي 2008 و2009، حيث كان 2.3 في المئة و1.8 في المئة على التوالي، مقارنة بمعدل نمو 7.8 في المئة في عام 2007. ويرجع ذلك إلى تداعيات الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد الإيراني.
ويأتي قطاع الخدمات على رأس القطاعات الاقتصادية المساهمة في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 47 في المئة، تليه الصناعة بنسبة 43.6 في المئة ثم الزراعة بواقع 9.4 في المئة.
من الوهلة الأولى قد يبدو أن قطاع الصناعة يمثل وزناً كبيراً في مكون الناتج المحلي لإيران، ولكن البيانات التفصيلية تشير إلى أن الصناعات التحويلية لا تتجاوز نسبة 11.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وباقي نسبة مساهمة قطاع الصناعة عبارة عن صناعات استخراجية، والتي يأتي النفط على رأسها. وبالتالي نجد أن القيمة المضافة للاقتصاد الإيراني، من خلال مساهمة قطاع الصناعة، متواضعة عند مقارنتها بدول إسلامية وعربية أخرى. ففي مصر تصل قيمة الصناعات التحويلية إلى 16.6 في المئة، وفي الأردن 18.7 في المئة، وفي ماليزيا 25.1 في المئة وفي إندونيسيا 26.4 في المئة، وتصل في تركمانستان 35.8 في المئة.
ويصل عدد سكان إيران نحو 75.4 مليون نسمة حسب بيانات عام 2010، وبلغت نسبة الأمية بين سكان إيران البالغين 18 في المئة، أما البطالة فبلغ معدلها 13.2 في المئة عام 2010. وبلغ نصيب الفرد من الدخل القومي 4500 دولار في عام 2009، وما يزيد عن معدل عام 2006 بنحو 1600 دولار. إلا أن معدل التضخم يصل إلى 10 في المئة عام 2010، بعد أن وصل إلى 25.5 في المئة عام 2008.
وعلى صعيد الصادرات السلعية لإيران نجد أن عام 2008 يعد من أفضل المعدلات، حيث وصلت الصادرات السلعية فيه إلى 116.9 مليار دولار، ثم تراجعت الصادرات السلعية إلى 71.3 مليار دولار عام 2009، ولم يكن أداء الواردات السلعية لإيران ببعيد عن أداء الصادرات السلعية، إذ وصلت الواردات عام 2008 نحو 70.1 مليار دولار، ثم تراجعت إلى 60.4 مليار دولار عام 2009.
ويمثل البترول النسبة الأكبر في الصادرات الإيرانية حيث وصل لـ 80 في المئة من حجم الصادرات في 2009/2010، كما تعد إيران الدولة الثانية في منظمة «أوبك» بعد السعودية من حيث حجم إنتاج البترول. أما الواردات فتأتي العدد والآلات ووسائل الانتقال على رأس قائمة الواردات الإيرانية بنحو 16.4 مليار دولار، ثم الحديد والفولاذ بنحو 8.8 مليارات دولار ثم مشتقات البترول بنحو 4 مليارات دولار.
مؤشرات إيجابية
من الملاحظات الإيجابية تراجع الدين العام الخارجي لإيران حيث وصل إلى 13.4 مليار دولار عام 2009، بعد أن كان 19.3 مليار دولار عام 2006، وكذلك يتميز الوضع الاقتصادي في إيران بوجود معدلات جيدة على صعيد المدخرات المحلية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي حيث تصل إلى نحو 38 في المئة.
ويعكس الأداء السياحي لإيران حالة التوتر السياسي الإقليمي والدولي التي تعيشها منذ سنوات، فحسب البيانات الخاصة بالفترة من 2003 إلى 2008، تبين أن أفضل عائد سياحي تحصلت عليه إيران خلال هذه الفترة، كان عام 2008 بنحو 1.9 مليار دولار، وأن أفضل الأعوام من حيث عدد السائحين كان عام 2006 حيث وصل عدد السائحين إلى 2.7 مليون سائح.
ويمكن رصد بعض المؤشرات الدالة على أثر انغلاق الاقتصاد الإيراني وتأثير العقوبات المفروضة عليه من قبل أمريكا والغرب خلال السنوات الماضية، من خلال انخفاض معدلات تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة والتي حققت أحسن أداء لها عام 2010 بنحو 3.6 مليارات دولار بعد أن كانت في حدود 1.6 مليار دولار على مدار السنوات السابقة لعام 2010. كذلك تسيطر الدولة على النصيب الأكبر من النشاط الإنتاجي وكذلك مؤسسات التمويل.
العلاقات الاقتصادية الإيرانية العربية
تعتبر اقتصاديات الدول العربية وإيران من الاقتصاديات المتنافسة التي تكون نتيجة التعاون الاقتصادي بينهما ضعيفة، فالجانبان يصدران سلعاً أولية مثل النفط وبعض السلع الزراعية، أو السلع الصناعية التقليدية، والكيماويات وغيرها، ويستوردان العدد والآلات ووسائل النقل، بالإضافة إلى تكنولوجيا الصناعة والاتصالات.
وتشير بيانات التجارة الخارجية لإيران إلى أن هناك ثلاث دول عربية من بين أكبر عشر دول تستقبل المنتجات الإيرانية غير البترولية، وهي الإمارات بنحو 2.3 مليار دولار، والعراق 2.1 مليار دولار والمملكة العربية السعودية بنحو 454 مليون دولار. أما بالنسبة لأكبر عشر دول تستورد منها إيران احتياجاتها السلعية فليس بينها سوى دولة عربية واحدة وهي الإمارات العربية بنحو 12.9 مليار دولار. وبذلك تعتبر الإمارات أكبر شريك تجاري عربي لإيران وثاني شريك تجاري على مستوى العالم، حيث يعتبر الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لإيران بحجم تعاملات يصل لنحو 28 مليار دولار، فقد بلغت الصادرات السلعية للاتحاد الأوروبي إلى إيران 18.4 مليار دولار بينما يستورد الاتحاد الأوروبي بترول إيراني بنحو 10.3 مليارات دولار.
ولا بد أن نأخذ في الاعتبار أن ارتفاع حجم التعاملات التجارية بين إيران والإمارات يأتي نتيجة لفرض العقوبات الاقتصادية على إيران، وتعد الإمارات بمثابة دولة ترانزيت، فليس كل ما تستورده الإمارات من إيران لاستهلاكها المحلي، فجزء كبير منها يعاد تصديره للخارج. ولا يتوقف الأمر على الحركة التجارية بين البلدين فقط بل يمتد ليشمل استثمارات إيرانية في دبي تصل إلى 37 مليار دولار وفق بيانات 2007، وبشكل عام تعتبر الاستثمارات الإيرانية الخارجية التواجد في الإمارات وعلى وجه التحديد بإمارة دبي ملاذاً آمناً في ظل تصاعد العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران من قبل أمريكا والغرب.
ومنذ حدوث استقرار نسبي في العراق، شهدت العلاقة بين البلدين نشاطاً ملحوظاً على الصعيد الاقتصادي، وبخاصة أن الاقتصاد العراقي فقد جزءاً كبيراً من بنيته الأساسية، واعتمد على الاستيراد في كثير من احتياجاته. وبالتالي مثلت التجارة المباشرة وتجارة الحدود جانباً لا يستهان به.. فضلاً عن الحركة السياحية بين البلدين المتمثلة في السياحة الدينية للمزارات الدينية والمدارس الدينية في كلا البلدين.
ونجد أن علاقات إيران التجارية مع الدول العربية غير الخليجية هشة وضعيفة، فوفق بيانات صندوق النقد الدولي نجد أنه في أحسن الأحوال يصل حجم العلاقات التجارية لإيران مع سورية 1.2 مليار دولار، منها 1.1 مليار صادرات إيرانية إلى سورية، أي أن العلاقة التجارية في صالح إيران، إلا أنه، ومنذ وقوع أحداث الثورة السورية، شكلت المساعدات الاقتصادية الإيرانية للحكومة السورية سنداً قوياً. ثم الأردن، الذي تبلغ الصادرات الإيرانية إليه 126 مليون دولار، وتستورد إيران منتجات لبنانية بنحو 112 مليون دولار (وفق بيانات 2008)، أما مصر فبلغت الصادرات الإيرانية إليها 42 مليون دولار، وتستورد إيران منتجات مصرية بنحو 110 ملايين دولار. ويرجع ضعف العلاقات التجارية بين مصر وإيران إلى حالة التوتر السياسي بينهما منذ سنوات طويلة، على الرغم من فرص التعاون الممكنة، وبخاصة في مجال السياحة، حيث تمتلك مصر عدداً كبيراً من مزارات آل البيت التي يمكن أن تجتذب عدداً كبيراً من السائحين الإيرانيين.
وعلى الرغم من أن إيران من الدول المصدرة للنفط ومن الأعضاء البارزين في منظمة «أوبك»، إلا أن علاقاتها مع الدول العربية المستوردة للنفط محدودة، ولا تكاد تذكر، حتى في ظل المساعي الإيرانية لتسويق نفطها بأسعار منخفضة، لتفادي الآثار السلبية المفروضة في إطار العقوبات الاقتصادية على إيران من قبل أمريكا والغرب.
والملاحظ أيضاً أنه لا يوجد تنسيق يذكر بين منظمة الأقطار العربية المصدرة للنفط (الأوابك) وإيران في ما يتعلق بالسياسات النفطية لدول المنطقة. بل في كثير من الأحيان تتعارض السياسات النفطية للطرفين تجاه سوق النفط، وبخاصة في فترات الأزمات.. حيث تسعى إيران إلى الاستفادة من هذه الأزمات لتعظيم العائد من مبيعات النفط، إلا أن الدول النفطية العربية تسير عكس هذا الاتجاه وتعمل على أسعار توازنية من وجهة نظرها، تتعارض مع المصالح الإيرانية.
نافذتان:
البيانات تشير إلى أن الصناعات التحويلية لا تتجاوز نسبة 11.2 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي وباقي نسبة مساهمة الصناعة عبارة عن صناعات استخراجية.
على الرغم من أن إيران من الدول المصدرة للنفط ومن الأعضاء البارزين في منظمة «أوبك»، إلا أن علاقاتها مع الدول العربية المستوردة للنفط محدودة.





