حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرأيالرئيسيةسياسية

المعلق الرياضي شاعرا للقبيلة!


 

 

د.خالد فتحي

 

يطلق الحكم صافرة النهاية، فتبدأ مباراة أخرى خارج المستطيل الأخضر… مباراة من صنف آخر لا تجري بأقدام اللاعبين، بل بالكلمات والتعليقات والمنشورات على الشاشات والبلاتوهات، عبارات ملؤها غير قليل من الغمز واللمز والسخرية في بعض المرات. هكذا تستحضر الخلافات القديمة المستحكمة بين بعض الشعوب، وترفع رايات التعصب، حتى ليخيل للمتابع أن ما يجري ليس مباريات كرة، بل إحياء لحروب البسوس وداحس والغبراء.

إنها كرة القدم، تلك اللعبة الساحرة التي توحد الملايين حول شاشة واحدة، وتحمل أيضا، ويا للمفارقة، وجهين متناقضين. هي قادرة على أن توحد الناس في لحظة فرح جماعية، وأن تجعل الغريب يعانق الغريب احتفالا بهدف جميل. لكنها، في الوقت نفسه، قد تتحول إلى شرارة توقظ النعرات النائمة في النفوس، فتخرج إلى العلن أصوات التنابز والتجريح والاستهزاء والهجاء المبطن والصريح للآخر متلفعة بغطاء الكرة.

ما نشاهده اليوم بين بعض دول العالم يدل على ذلك. فبمجرد انتهاء مباراة أو بطولة، تمتلئ منصات التواصل الاجتماعي بعبارات المقارنة الجارحة والسخرية المتبادلة. يتحول الفوز الرياضي إلى ذريعة للتفاخر المفرط، بينما تستقبل الخسارة أحيانا بوابل من الانتقاص والإهانات، وأحيانا كثيرة حتى داخل البلد المنهزم بعبارات جارحة لتبخيس الذات. وهكذا يغيب الحديث أو يكاد يغيب أحيانا كثيرة عن المهارة والخطة والروح الرياضية، لتحل محله لغة الاستعلاء والتقليل من شأن الآخر.

العالم العربي، للأسف، مهيأ اكثر من غيره لمثل هذه الفتن الكروية. فالحداثة لم تتمكن منه إلى الآن، ومبادئ الدين الحنيف لا تستحضر في أجواء الحمية هذه، وما يكون كامنا يطفو إلى السطح. والقادح مباراة أو فوز أو تعليق مرسل يتفنن في تأويله وإخراجه من سياقه.

أكثر ما يلفت الانتباه في عالمنا العربي أن بعض الجماهير أصبحت تفرح أحيانا لهزيمة منتخب عربي أكثر مما تفرح لانتصار منتخبها. فما أن يتعثر فريق حتى تنطلق موجات التشفي منه، وكأن الهزيمة أصابت عدوا لا شعبا تجمعهم به أواصر اللغة والتاريخ والدين والمصير المشترك. كل هذه المعاني تصبح هباء منثورا وغثاء أحوى بسبب مباراة لا يتجاوز عمرها تسعين دقيقة.

ولا يقتصر ذلك على الجماهير وحدها، فهي لا عقلانية بطبعها، بل يمتد أحيانا إلى الخطاب الإعلامي نفسه. فبعض المعلقين الرياضيين لا يصفون مباراة كرة قدم، بل يرددون قصائد الفخر القديمة التي عفا عليها الزمن. وعوض أن يقوموا بتربية الجماهير وتوجيه بوصلتها، صار بعضهم كشاعر القبيلة الذي يذكي فيها النعرات، فتراه يعلي من شأن جمهور بلده ويستصرخ عصبيتهم، وكأنه يستدعي في القرن 21 من أعماق التاريخ، وفي زمن العولمة، منطق العصبية القبلية القديمة، التي عبر عنها دريد بن الصمة بقوله :

وما أنا إلا من غزية إن غوت

غويت وإن ترشد غزية أرشد.

والأمثلة كثيرة تعرفونها ولا داعي لذكرها.

المفروض أن يقود المعلقون جميعهم سلوك المشجعين والمتفرجين عبر الشاشات، لا أن ينقادوا لهم.

لاعب الكرة بدوره صار وكأنه فارس من فرسان القبيلة، يحمل رايتها في ساحة رمزية يتابعها الملايين كحرب حامية الوطيس، لا مجرد مباراة كرة قدم. ومع كل هدف يحرزه تهتز المشاعر، لا بوصفه الهدف إنجازا رياضيا، بل وكأنه انتصار عسكري للشعب الذي ينتمي له وهزيمة مدوية لخصومه.

حين تقدم المباريات بهذه اللغة المشحونة التي تمتح من قاموس البداوة والخشونة والفظاظة، ينتقل الجمهور بجرة تعليق من تشجيع فريقه إلى الاصطفاف خلف هويات ضيقة، تختلط فيها الرياضة بالعصبية، والمنافسة بالاستعلاء، والفرح المشروع بالفوز بالتشفي من الخاسر.

 

 

وكأن عمرو بن كلثوم حل وسط الجماهير، يلهب إحساسها بنفسها وينشد لها مستنهضا الروح القديمة نفسها قائلا:

إذا بلغ الفطام لنا رضيع

تخر له الجبابر ساجدينا

ألا لا يجهلن أحد علينا

فنجهل فوق جهل الجاهلينا

وهكذا يصبح الخصم الرياضي خصما ثقافيا أو وطنيا، وتتحول مباراة عابرة إلى معركة رمزية تستدعى فيها صور الماضي وأحكامه المسبقة. معركة تستخدم فيها سكاكين سياسية وثقافية لكنها متنكرة تلبس لبوس التنافس.

بهذا النكوص تستحيل المدرجات ومنصات التواصل أحيانا امتدادا لصراعات وهمية لا رابح فيها، لتخسر الرياضة رسالتها القائمة على الاحترام والتنافس الشريف.

إن هذا السلوك يكشف خللا في فهم معنى المنافسة الرياضية. فالرياضة وجدت لتقريب الشعوب لا لتوسيع الفجوات بينها، ولإبراز المواهب لا لإحياء الأحقاد. وليس من المنطق أن يصبح انتصار فريق سببا للتعالي على الآخرين، أو أن تتحول خسارة فريق إلى مناسبة للشماتة بشعب كامل.

الحقيقة أن كرة القدم لا تصنع هذه النعرات من العدم، بل تكشف ما هو موجود أصلا في النفوس. فهي أشبه بمرآة كبيرة تعكس ما يختبئ خلفها من مشاعر ومواقف وتمثلات وأحكام مسبقة وأحيانا من عقد متأصلة. فإذا كان الاحترام حاضرا، تحولت المنافسة إلى احتفال جميل بالاختلاف، أما إذا كان التعصب متجذرا، فإن المباراة تصبح مجرد مناسبة لإظهاره وإشعاله.

ومع ذلك، لا ينبغي أن ننسى الوجه المشرق والمفيد للعبة. ربما تكون بديلا عن الحروب الحقيقية. ففي الشعوب دون استثناء حاجة للعنف تجاه بعضها البعض تتولى الكرة حسب بعض التحاليل تنفيسها وهذا مهم للسلم في العالم. كما أنه في كل بطولة نرى لاعبين من أعراق وثقافات مختلفة يتعاونون من أجل هدف واحد، ونرى جماهير تتبادل التحية والاحترام رغم اختلاف الألوان والأعلام. تلك الصور تؤكد أن الرياضة إذا وظفت توظيفا حسنا قادرة على بناء الجسور أكثر من بناء الجدران، وعلى جمع القلوب أكثر من تفريقها.

إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في الفوز بالمباريات، بل في الفوز بأخلاق المنافسة. فالأمم لا تقاس بعدد الأهداف التي تسجلها، وإنما بقدرتها على احترام خصومها والاحتفال بانتصاراتها دون ازدراء الآخرين.

وعندما ندرك أن كرة القدم لعبة تجمع ولا تفرق، سنكتشف أن أجمل انتصار ليس ما يتحقق على أرض الملعب، بل ما يتحقق في النفوس من وعي واحترام وتسامح.

المباريات تنتهي، والكؤوس تنتقل من يد إلى أخرى، ومنصات التتويج تتداولها الأمم. أما الأخلاق فتبقى هي النتيجة الأهم، والحصن الذي نلوذ به، وهي الفوز الذي لا يسجل في شباك المنافس، بل في ضمير الإنسان.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى