
شهد سوق العقار بالمغرب تراجعاً لافتاً خلال الربع الأول من سنة 2025، حيث انخفضت المبيعات بنسبة 30 في المائة مقارنة بالربع السابق. ورغم أن الأسعار ما زالت مستقرة نسبياً، إلا أن الضغوط تتزايد على القطاع. يقابل هذا الوضع تراجع حاد في مبيعات العقارات السكنية، نتيجة مجموعة من العوامل، أبرزها التضخم، واعتماد العمل عن بُعد إضافة إلى تنامي المضاربة.
لمياء جباري
يظل ارتفاع الطلب على الأراضي مؤشراً إيجابياً بحكم طبيعتها كاستثمار طويل الأمد، في حين تحظى بعض أنواع العقارات القديمة والمناطق السكنية الهادئة بإقبال ملحوظ. وحسب الفدرالية الوطنية للمنعشين العقاريين (FNPI)، فإن الطلب يواجه قيوداً مزدوجة تتمثل في الارتفاع العام لتكاليف البناء والصعوبات المتزايدة التي تعترض الأسر ذات الدخل المحدود في الولوج إلى السكن الاجتماعي.
اضطرابات غير مسبوقة
يبدو أن قطاع العقار يمر بمرحلة اضطراب غير مسبوقة، إذ يتزامن تراجع الإقبال على الشراء مع ثبات نسبي في الأسعار، وهو وضع نادر في مجال طالما اعتُبر مقاوماً للأزمات.
وتشمل هذه الوضعية جميع أصناف العقار: السكني، والأراضي والعقار المهني. ورغم الدور المحوري للعقار كأحد أعمدة الاقتصاد الوطني، إلا أنه يشهد اليوم انكماشاً ملحوظاً بفعل ضعف الطلب، وصعوبة الحصول على التمويل إلى جانب طول آجال اتخاذ القرارات الاستثمارية.
وتشير بيانات بنك المغرب إلى أن معاملات العقار انهارت في الربع الأول من 2025، بينما بقيت الأسعار شبه مستقرة مقارنة ببداية 2024 +0,1 في المائة للعقار السكني، -0,1 في المائة للأراضي و-0,3 في المائة للعقار المهني.
أما أرقام الربع الثاني من السنة نفسها فلم تُنشر بعد، غير أن تصريحات المهنيين توحي بأن منحى التراجع استمر خلال هذه الفترة.
انخفاض مبيعات العقارات السكنية
كشف بنك المغرب والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية أن مؤشر أسعار الأصول العقارية شهد استقرارا على أساس سنوي، خلال الربع الأول من السنة الحالية، موضحين، في مذكرة حول التوجه العام لسوق العقارات، أن هذا الاستقرار يعكس ارتفاعا بنسبة 0.1 في المائة في أسعار العقارات السكنية، وانخفاضا بـ 0.1 في المائة في أسعار الأراضي وبـ 0.3 في المائة في أسعار العقارات ذات الاستخدام المهني.
وبخصوص عدد المعاملات، سجل المؤشر تراجعا بنسبة 15.2 في المائة نتيجة الانخفاض في مبيعات العقارات السكنية، و16.4 في المائة في مبيعات الأراضي و18.2 في المائة في مبيعات العقارات ذات الاستخدام المهني، حيث انخفض مؤشر أسعار الأصول العقارية خلال الفصل الأول من هذه السنة، بنسبة 1.8 في المائة على أساس سنوي، مدفوعا بانخفاض أسعار العقارات السكنية بـ 2.1 في المائة، والأراضي بـ 2.5 في المائة والعقارات ذات الاستخدام المهني بـ 0.7 في المائة.
من جهتها سجلت المعاملات تراجعا بنسبة 18.2 في المائة، ما يعكس انخفاضا بنسبة 20 في المائة في مبيعات المحلات التجارية و9.5 في المائة في مبيعات المكاتب، كما شهدت الأسعار استقرارا على مستوى المدن، في الرباط، بينما تراجعت بنسبة 1.8 في المائة في الدار البيضاء و2.3 في مراكش و2 في المائة في طنجة.
تفاوتات جغرافية واضحة
كشف المؤشر تفاوتات جغرافية واضحة، حيث انخفضت الأسعار بشكل أكبر في مراكش بـ2.3 في المائة، تلتها الدار البيضاء بـ1.8 ثم طنجة بـ2 في المائة.
في المقابل عرفت مدن مثل الرباط وأكادير ووجدة استقرارًا نسبيًا أو زيادات موضعية، خاصة في الأراضي الحضرية التي ارتفعت أسعارها في الرباط بـ9.4 في المائة، رغم تراجع أسعار العقارات السكنية والتجارية.
وسجلت أكادير أكبر تراجع على مستوى حجم المعاملات بـ55.9 في المائة، متبوعة بمكناس بـ40.5 في المائة ثم الرباط بـ35.2 في المائة، فيما انخفضت المعاملات في الدار البيضاء بـ29.9 وفي طنجة بـ15.7 في المائة.
ووسع بنك المغرب والمحافظة العقارية نطاق المؤشر ليشمل جميع المحافظات العقارية بالمملكة ابتداء من الفصل الأول من 2025، ليبلغ مجموعها 83 محافظة، وساهم هذا التوسيع، إلى جانب تعزيز المعالجة الإحصائية، في تحسين دقة البيانات وكفاءتها الترابية.
وتعتمد المنهجية المعتمدة في إعداد المؤشر على مبدأ البيع المتكرر، الذي يسمح بقياس تطور الأسعار للعقار نفسه على فترات زمنية مختلفة، ما يحد من تأثير تباين خصائص الأصول، غير أن هذا المنهج يشترط توفر عدد أدنى من المعاملات، ما يمنع أحيانًا إصدار مؤشرات ببعض المدن أو الفئات العقارية.
هذا التراجع المزدوج في الأسعار والمعاملات وضع القطاع العقاري أمام تحديات جديدة، تتطلب تدخلا فعالا لاستعادة ثقة المستثمرين وتحفيز الطلب. ويطرح الوضع، كذلك، أسئلة ملحّة حول دور السياسات العمومية في إنعاش السوق وضمان توازنه في ظل ظرفية اقتصادية تتسم بالتباطؤ والحذر.
مراجعة برنامج دعم السكن
يشير مهنيّو القطاع العقاري إلى ضرورة مراجعة مضامين ومقتضيات البرنامج الحكومي للدعم المباشر للسكن، الذي دخل حيّز التنفيذ مطلع سنة 2024، مبرزين أن الحصيلة المسجّلة إلى حدود يوليوز الجاري، حيث جرى قبول 55 ألف طلب فقط من أصل ما يزيد عن 177 ألف طلب مسجّل وفق المعطيات الرسمية، تكشف عن الحاجة الملحّة لإعادة تأهيل هذا البرنامج بما يضمن تحقيق التوازن بين العرض والطلب في سوق العقار والإسكان.
من جانبه يشهد قطاع الإنعاش العقاري صعوبات تمويلية حادة تعرقل قدرته على تلبية حاجيات السكن، خاصة في ظل برنامج الدعم المباشر. فالمنعشون العقاريون يواجهون بطءاً في الحصول على القروض نتيجة ارتفاع مستوى المخاطر الائتمانية المرتبطة بهم، بعد تزايد القروض المتعثرة منذ جائحة كورونا.
وتأثر العرض والطلب في السوق، أيضا، بتدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع أسعار مواد البناء والتضخم وتراجع القدرة الشرائية للأسر. وزاد الضغط الضريبي من حدة الأزمة، بفعل استحداث رسوم جديدة على رخص السكن وإزالة مخلفات البناء، الأمر الذي يرفع تكاليف المشاريع ويقلص هوامش الربح.





