
يونس جنوحي
صحيفة الـ«فايننشال بوست» فجرت ملفا ثقيلا، خلال الأسابيع القليلة الماضية.
الصحيفة العريقة والمتخصصة في قضايا الاقتصاد عبر القارات، والتي تابعت أهم الأحداث العالمية منذ 1907، حذرت من التحول «الهادئ والمدمر» الذي يشهده الاقتصاد الإندونيسي.
الصحيفة انطلقت من تصريح رسمي للحكومة الإندونيسية، جاء فيه أن أعداد رواد الأعمال في البلاد الذين يعلنون تجميد أعمالهم أو إفلاس شركاتهم، في ازدياد. وبدل الإقبال على الاستثمار واقتحام قطاعات التصنيع والإنتاج، التي تشغل 95 بالمئة من القوى العاملة في البلاد، اختاروا استيراد السلع منخفضة التكلفة من الصين.
قد يبدو الوضع عاديا لو تعلق الأمر باقتصاد ناشئ، لكن بالنسبة إلى إندونيسيا التي قام اقتصادها على نظام المقاولات، فإن الأمر يحمل تداعيات خطيرة على المنطقة، خصوصا وأن الحكومة الإندونيسية تعتبر المقاولات «العمود الفقري للمستقبل الصناعي للبلاد».
الصحيفة وصفت ما يقع في البلاد بـ«التآكل الخطير للقدرات المحلية». وعملية «إعادة تدوير» السلع الصينية، إجهاز على واحد من القوى الواعدة في آسيا.
المقال الذي نشرته «الفايننشال بوست»، يقول إن المصانع الصينية حاليا تعمل على نطاق «لا مثيل له عالميا».
وهذا الأمر ليس وليد صدفة غير مدروسة، إذ إن السياسة الصينية التي عمرت لعقود، كانت دائما موجهة من قبل الدولة، التي خلقت بيئة يمكن فيها للمنتجين الصغار، إنتاج السلع بشكل أرخص وأسرع، وهو ما يعني زيادة ضخمة في الإنتاج يصعب على أي دولة أخرى في العالم منافستها.
في يناير من العام الماضي، بلغت واردات جاكارتا من الصين أكثر من 6 ملايير دولار أمريكي، وهو ما يمثل 35،5 بالمئة من إجمالي واردات إندونيسيا. وعلقت الصحيفة على الوضع بالقول إن «هذه الهيمنة ليست صدفة، بل هي نتيجة لاستراتيجية بكين، تعتمد على إغراق الأسواق الإقليمية بمنتجات منخفضة التكلفة».
لكن أخطر ما نبهت إليه صحيفة «فايننشال بوست»، أن أغلب الواردات الصينية تُباع دون وضع العلامات المناسبة، أو إصدار الشهادات، أو ملاءمة المعايير المتعلقة بالجودة.
لا يتعلق الأمر بإندونيسيا وحدها، فالصحيفة حذرت من وضع دولي ومأزق عالمي عابر للقارات.
تمتد تكتيكات الصين إلى ما وراء حدود إندونيسيا. إذ بفضل استغلال نقاط الضعف في أنشطة التجارة الدولية، تتجاهل بكين تدابير «مكافحة إغراق الأسواق» وقواعد منظمة التجارة العالمية. في حين حاولت إندونيسيا فرض رسوم مكافحة الإغراق، لا يزال «الإنفاذ» ضعيفا وغير متسق. وفي الوقت نفسه، مددت الصين العمل بنظام فرض رسوم «مكافحة الإغراق» على صادرات الصلب الإندونيسية، مما يسلط الضوء على عدم التكافؤ. وهكذا فإن الصين تحمي صناعاتها، بينما تُضعف صناعات أخرى، وبقوة.
وهذا المعيار المزدوج، يؤكد على كيفية تلاعب الصين بالقواعد والإجراءات التجارية لصالحها.
النموذج الإندونيسي هنا ليس إلا حالة دراسة، يتوجب استخلاص العبرة منها. إذ إن البلاد التي تضم 270 مليون نسمة، تبقى سوقا ضخمة في القارة الآسيوية. وبإجهاز الصين على اقتصاد من هذا النوع، فإنها تضمن لنفسها لقب «المورّد الأول» في آسيا، والعالم أيضا.
الاهتمام الدولي بالاقتصاد الآسيوي مرده بالأساس إلى أن القارة الآسيوية تضم أكبر نسبة سكان في العالم. أغلب البشر يعيشون في آسيا. لذلك فإن الهيمنة الاقتصادية تُصنع هناك، لكن شظاياها تصيب كل أرجاء العالم.
هناك دول في إفريقيا وحتى في شرق أوروبا وأمريكا اللاتينية، عليها استخلاص الدروس من الوضع الإندونيسي.. إغراق الأسواق الدولية بالمنتجات الصينية الرخيصة، من خلال استغلال الثغرات التنظيمية، وضعف المنافسة من طرف الشركات المحلية المنهكة أساسا إما بالضرائب، أو الأزمة، لا يعني فقط غياب الجودة وتهديد الصحة العامة، بل يحيل فورا على الإفلاس.





