
حسن البصري
عجبت لبعض المحللين الرياضيين، الذين وصفوا لاعبي منتخب زامبيا بالأشباح، عجبت ممن جردوا هذا البلد من تاريخه الكروي.
لقد كان منتخب زامبيا شبحا مخيفا لمنتخبنا في سنوات خلت، بل كان كابوسا مزعجا لكثير من منتخبات القارة الإفريقية.
حين كنت أتابع مباراة المنتخب المغربي ونظيره الزامبي، تراقصت أمام عيني ملامح المنتخب الذي كان صرحا فهوى في ساحل الغابون.
هزم لاعبوه منتخب إيطاليا في أولمبياد سيول 1988، وكانوا على أعتاب المشاركة في مونديال 1994، لولا سقوط طائرة كانت تقل منتخبهم من زامبيا إلى السينغال.
في نهاية شهر يناير 2012، قررت أن أستغل وجودي في الغابون خلال دورة كأس أمم إفريقيا لكرة القدم، لزيارة مكان تحطم طائرة المنتخب الزامبي الذي لا يبعد عن العاصمة ليبروفيل سوى بخمسين كيلومترا.
عرضت الفكرة على زميلي فقال: «تكفيني نكبة إقصاء المنتخب المغربي وخروجه من التنافس على لقب كأس إفريقيا».
تركته يضمد جراح الإقصاء، وقررت زيارة مكان النكبة، إيمانا مني بعلاج فاجعة بأخرى.
لا علم لسائق الطاكسي، الذي استأجرته في هذه المهمة، بطائرة زامبيا. وحين لاحظ إصراري على زيارة المكان، تساءل بغباء:
«هل سقطت طائرتهم بالأمس»؟
كنت أتأمل خريطة موقع الفاجعة والسيارة تطوي المسافات بسرعة، وسط طريق سيار تتخلله شعارات كأس إفريقيا.
وصلنا إلى وجهتنا وكنا مضطرين إلى نترجل لأزيد من ألف متر حتى نصل إلى الشاطئ، صادفنا بعض الصحافيين الزامبيين وهم يمسحون دموعهم.
قال لي أحد المصورين حين تعرف على جنسيتي وهويتي:
«أذكر أننا واجهنا منتخب بلادكم مباشرة بعد الفاجعة، كان لنا إصرار على الاستمرار».
حين سقطت طائرة تحمل بعثة المنتخب الزامبي بالقرب من ليبروفيل، عاصمة الغابون، يوم 27 أبريل 1993، وهي في طريقها إلى السينغال، مات كل أفراد المنتخب وأفراد الطاقم.
في تلك الرحلة، نجا نجم المنتخب وقائده بواليا، والذي كان من المفترض أن يكون على متن الطائرة نفسها، لكن إدارة نادي آيندهوفن رفضت الترخيص له لخوض مباراة السينغال.
قال المصور الزامبي إن عميد منتخب بلاده تلقى مكالمة تخبره بسقوط طائرة المنتخب.
مرت سنوات على الفاجعة وما زال صاحبنا يوجه العتاب لاتحاد الكرة في بلده، ويطالب بالحساب والعقاب ولو بأثر رجعي.
«اتحاد الكرة هو من يتحمل المسؤولية، لأنه استأجر طائرة من القوات الجوية الزامبية، بسبب عدم قدرة الاتحاد على تسديد تذاكر طائرة مدنية».
أجل «الفيفا» مباريات زامبيا لمدة شهرين حتى تلتئم جراح الأحزان، ولم يبق من منتخب شرس سوى اللاعب الناجي «بواليا».
وضعت الدانمارك إمكانياتها رهن إشارة منتخب زامبيا المكلوم، وتعاطف المجتمع الدولي مع فريق خارج من صدمة.
سيواجه المنتخب الزامبي نظيره المغربي في مباراة منحتنا تأشيرة العبور إلى كأس العالم بالولايات المتحدة الأمريكية، فزنا في الملعب وتعاطف الجميع مع بواليا ورفاقه.
تولى بواليا مهمة تدريب المنتخب المنكوب، وبعد عشر سنوات أصبح رئيسا لاتحاد الكرة في زامبيا وعضوا في «الكاف».
راهن على بعث فريق من تحت الرماد، فتعاقد مع مدرب مغمور اسمه هيرفي رونار، لكنه سيقود زامبيا للظفر بكأس أمم إفريقيا، وسيحمل الكأس إلى موقع الفاجعة مع إكليل من الورود.
قال هيرفي في ما يشبه كلمة تأبين:
«إن سقوط طائرة المنتخب لا يعني سقوط منتخب».
أشرف رونار على تدريب المنتخب المغربي وظلت زامبيا تسكنه، بل إن الفاجعة علمته درسا في البناء على الأنقاض.
في الظهيرة، عدت إلى ليبروفيل، توقفنا في إحدى باحات الاستراحة لتناول وجبة سريعة، ففوجئت بسائق سيارة الأجرة يرفض الأكل، ويقول إن ما شاهده عطل شهيته.
أمام مقر إقامتي، فوجئت بالسائق يعلن مجانية الرحلة.





