
لم يكن أول أمس الأربعاء، وبالتحديد صباحا، يوما عاديا في المغرب، لم تعلن صافرة بداية مباراة، ولم تُرفع كأس في منصة تتويج، ومع ذلك كان الشعور عاما بأن شيئا استثنائيا يحدث. في زوايا المكان، في نظرات الناس، في طريقة التقاط الصور، وفي الصمت الذي سبق التصفيق… كان مجسم كأس العالم حاضرا، لا كقطعة ذهبية، بل كحلم مر من هنا وترك أثره، وترصد «الأخبار» مظاهر وانعكاسات حضور الكأس العالمية بالمغرب.
سفيان أندجار
منذ الساعات الأولى، بدا أن الحدث أكبر من مجرد محطة في جولة عالمية. كانت هناك حركة غير معتادة، كاميرات تعدل زواياها، فرق تنظيم تراجع التفاصيل، وجمهور جاء بدافع واحد، رؤية الرمز الذي لا يُرى عادة إلا في لحظة التتويج. هنا، في المغرب.
حين يسبق الإحساس الصورة
قبل أن يظهر المجسم للعلن، كان المكان قد امتلأ بالانتظار. انتظار لا يشبه طوابير الدخول، بل يشبه ذلك الصمت الذي يسبق لحظة كبيرة. أعلام صغيرة، قمصان منتخبات، هواتف مرفوعة قبل الحدث، ووجوه تتلفت، كأنها تخشى أن تفوتها اللحظة.
وحين ظهرت الكأس، لم يعلُ الصراخ مباشرة. كان هناك جزء من الثانية توقف فيها الزمن. لمعان الذهب، انعكاس الأضواء، وحراسة مشددة تحيط بها… كل ذلك صنع مشهدا أقرب إلى الطقس الرمزي منه إلى العرض الترويجي.
في تلك اللحظة، لم تكن الكأس ملكا لـ«الفيفا»، ولا للشركة المنظمة «كوكاكولا»، ولا حتى للتاريخ. كانت ملكا للنظرات التي علقت بها، وللأسئلة التي راودت الجميع دون أن تُقال: هل يمكن أن أرفعها بيدي؟ هل يمكن للمغرب أن يرفعها يوما ما؟
كرة القدم كذاكرة جماعية
لم يكن غريبا أن يتحول حضور مجسم كأس العالم إلى استحضار لكل ما سبق.
هناك من رأى فيها ذكرى مونديال قطر، حين صار المستحيل ممكنا، وحين خرج المغاربة إلى الشوارع لا للاحتفال بفوز عابر، بل للاحتفال بأنفسهم. وهناك من رآها وعدا مؤجلا، ورسالة تقول إن الطريق لم ينتهِ بعد.
في أحاديث جانبية، كان البعض يستعيد أسماء، مباريات، لحظات ضائعة، وأخرى مكتملة. الكأس كانت صامتة، لكنها استمعت إلى كل ذلك، شباب في مقتبل العمر، شيوخ، نساء، فتيات نظراتهم إلى الكأس كانت تحمل ذكريات لا تنسى للجيل الذي شهد أول مشاركة للمغرب في كأس العالم، وعاش حلم التأهل إلى الدور الثاني سنة 1986، وبين من عاش فترة التسعينيات مباريات ممتعة في مونديال فرنسا 1998، لكن الجميع نظر إلى الكأس والتي كانت قريبة من أيادي لاعبي المنتخب المغربي في مونديال قطر 2022.
حين تُدار التفاصيل بصمت
بعيدا عن عدسات الكاميرات، كان هناك عمل آخر لا يُرى، تنظيم محكم، مسارات محددة، تنسيق دقيق بين الفرق التقنية والأمنية والإعلامية. كل شيء بدا محسوبا، وكأن الرسالة واضحة، المغرب يعرف كيف يستقبل الرموز الكبرى، حتى وإن لم يكن هو صاحبها بعد.
المنصة، الإضاءة، الموسيقى المصاحبة، وحتى توقيت دخول الضيوف، كلها صُممت لتخدم فكرة واحدة: التجربة. ليس فقط رؤية الكأس، بل عيش اللحظة بكامل تفاصيلها.
حين حضر أحد أبطال العالم السابقين، لم يكن حضوره استعراضا للأسماء، بل امتدادا للمعنى. لاعب عاش لحظة رفع الكأس، يقف اليوم إلى جانب جمهور لم يرفعها بعد، لكنه يعرف ثمنها.
الكلمات التي قيلت كانت قليلة، لكنها محملة بالإشارات. حديث عن الشغف، عن اللعبة التي توحّد، وعن جمهور يعرف كيف يحب كرة القدم دون شروط. لم يكن هناك خطاب مباشر، بل تلميحات ذكية تُركت للجمهور ليكملها بطريقته.
الجمهور.. بطل المشهد الحقيقي
في النهاية، لم تكن الكأس هي نجمة اليوم، بل كان الجمهور، شباب جاؤوا من مدن بعيدة فقط لالتقاط صورة، أطفال يسألون ذويهم كأن هذه «الكأس الحقيقية»، امرأة تراقب المشهد بصمت وتبتسم، ومسن قال إن الكرة منحته طعما خاصا طيلة حياته، كل هؤلاء صنعوا الحدث. الكأس مرّت، لكنهم بقوا. صورهم، أحاديثهم، وتعليقاتهم ستعيش أطول من الجولة نفسها.
في منتزه «أنفا بارك» نظم حفل ختامي حج إليه عدد كبير من الشباب، الذين رغبوا في الحضور لرؤية الكأس العالمية، طوابير كبيرة منهم من نجح في الدخول، في حين تعذر على آخرين الأمر، بسبب التنظيم الصارم.
المغرب لم يعد مجرد متفرج
الكاميرات نقلت الحدث، لكن القصة كانت أعمق من اللقطات، لم يكن الأمر مجرد «زيارة»، بل مادة خاما لحكاية أكبر: بلد أصبح حاضرا في خارطة كرة القدم العالمية، ليس فقط بالمشاركة، بل بالحضور الرمزي والمعنوي.
التغطية لم تركز على البروتوكول، بقدر ما ركزت على الإنسان. على الانفعال، على التفاصيل الصغيرة، على تلك اللحظات التي لا تُقاس بالأرقام.
بعد أن غادر المجسم، عاد المكان إلى هدوئه، لكن شيئا ما تغير الحديث عن كأس العالم لم يعد بعيدا، ولم يعد مجرد متابعة عبر الشاشة. صار ملموسا، قريبا، وكأنه مر ليقول: الدور عليكم الآن.
في المغرب، كرة القدم لا تُنسى بسرعة. اللحظات الكبيرة تُخزّن، تُناقش، وتُعاد صياغتها في الذاكرة الشعبية. لم يكن يوما تاريخيا بالمعنى الرسمي، لكنه كان يوما ذاكرة، مرت كأس العالم من هنا، ولم تترك وراءها ذهبا، بل أسئلة، طموحات، وشعورا عاما بأن المغرب لم يعد مجرد متفرج في الحكاية الكبرى لكرة القدم.





