
يونس جنوحي
«عندما نُفي السلطان سيدي محمد بن يوسف سنة 1953، كان أشد ما أحزنه عدم إحياء طقوس شهر رمضان وفق التقاليد المرعية التي دأب عليها طيلة حياته..
عادات الملوك المغاربة خلال شهر رمضان، كانت مثار اهتمام المؤرخين المغاربة، وأشهرهم الناصري وابن زيدان.. إذ إن الشهر الفضيل في حياة الملوك خلف أسوار القصور الملكية، قبل قرون خلت، كان يحظى بمكانة خاصة. من الملوك المغاربة من جعلوا رمضان مناسبة سنوية لتقييم الحياة داخل أروقة القصر، ومنهم من جعله شهرا للخلوة في ما يشبه اجتماعا مغلقا لا مكان فيه للسياسة، ومنهم من جعله فرصة سنوية للتأكيد على الوحدة وقوة الدولة.. وهناك من جمعوا بين كل هذه الجوانب.
يوم في حياة سلطان مغربي، عنوان جذب الأجانب أيضا، قبل أكثر من قرن ونصف القرن من اليوم.
الطقوس الملكية المرعية، خلال شهر رمضان، ظلت دائما محط انتباه، وفضول المؤرخين والمهتمين».
ختم صحيح البخاري وتعيينات سامية.. عادات رمضانية لسلاطين المغرب
في عهد السلطان المولى سليمان، الذي حكم المغرب ما بين سنتي 1792 و1822، كان شهر رمضان مناسبة سنوية لتعيين العلماء في مناصب القضاء ومكافأة المجدين منهم، وإحياء مناسبات دينية طوال الشهر الفضيل. وقد سجل المؤرخ المغربي الناصري السلاوي، الذي توفي سنة 1897 (لم يجايل السلطان المولى سليمان، لكنه استقى «أخباره» من الرسائل المخزنية وما سجله عنه وزراؤه والعلماء في عهده)، طقوس احتفاء هذا السلطان العلوي الملقب بـ«السلطان العَالم» بشهر رمضان. يقول: «وأما الدين والتقوى فذلك شعاره الذي يمتاز به ومذهبه الذي يدين اللّٰه به، من أداء الفريضة لوقتها المختار حضرا وسفرا، وقيام رمضان وإحياء لياليه بالاشفاع، ينتقي لذلك الأساتذة ومشايخ القراء، ويجمع أعيان العلماء لسرد الحديث الشريف وتفهمه والمذاكرة فيه على مر الليالي والأيام، ويتأكد ذلك عنده في رمضان، ويشاركهم بغزارة علمه وحسن ملكته، ويتناول راية السبق في فهم المسائل التي يعجز عنها غيره، فيصيب المفصل، ويواظب على صيام الأيام المستحبة من كل شهر، ويعظم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، ويرفع مناصبهم على سائر رجال دولته، ويجري عليهم الأرزاق، ويعطيهم الدور المعتبرة والضياع المغلة، ويحسن مع ذلك إلى من دونهم في المرتبة من المدرسين وطلبة العلم، ويؤثر المعتنين منهم وذوي الفهم بمزيد البر، وتضعيف الجراية، حتى لقد تنافس الناس في أيامه في اقتناء العلوم وانتحال صناعتها، لاعتزاز العلم وأهله في دولته وسعة أرزاقهم».
كما أن المؤرخ الناصري، تطرق أيضا إلى عادات المولى الحسن الأول في شهر رمضان، وكتب في مؤلفه «الاستقصا»، عن ذكرى رمضانية عاشها بنفسه، خلال عهد المولى الحسن الأول.
يقول: «ثم دخل السلطان المولى الحسن أعزه اللّٰه رباط الفتح، صبيحة يوم الخميس التاسع والعشرين من رمضان المذكور – يوافق سنة 1874- وكان العيد يوم السبت، فأقام السلطان أيده اللّٰه سنة العيد برباط الفتح، وختم به صحيح الإمام البخاري على العادة، وكان فقيه المجلس ومدرسه يومئذ: الفقيه العلامة السيد المهدي بن الطالب ابن سودة الفاسي، وحضر ذلك المجلس وفود المغرب وقضاة العدوتين وعلماؤها، وحضرنا في جملتهم، ومدح السلطان
بقصائد بليغة، واحتفل أعزه اللّٰه بهذا الختم بأنواع الأطعمة والأشربة والطيب، وفرق الأموال على من حضر، ثم وصل أهل العدوتين من علمائهما وقرائهماومؤذنيهما وطبجيتهاوبحريتهما على العادة، وهناك قدم عليه أهل أزمور متنصلين مما صدر من عامتهم في حق محمد بن المؤذن، فقابلهم بالبشر والصفح، إلى أن بحث عن رؤوس الفتنة بعد ذلك فعاملهم بما يستحقونه».
ورث السلطان المولى يوسف، عند وصوله إلى الحكم سنة 1912، عن والده الحسن الأول تقاليد إحياء أيام شهر رمضان ولياليه، رغم أن السياق المغربي وقتها كان مشحونا، والسلطان الجديد يقيم في القصر الملكي في الرباط، بعيدا عن أجواء الطقوس التي كان يُحييها والده في فاس، غير بعيد عن جامع القرويين، المشتل الذي يتم اختيار العلماء منه بدقة، لكي يشاركوا في إحياء الطقوس الرمضانية.
ومع السلطان سيدي محمد بن يوسف، تطورت عادة الاحتفاء برمضان، واتخذ لأول مرة مجلسا للحديث، بإشراف علماء مغاربة خلال بداية ثلاثينيات القرن الماضي. وكان العالم المغربي الكبير أبو شعيب الدكالي، أول من شرفه السلطان سيدي محمد بن يوسف برئاسة هذه الجلسات، التي طورها الملك الراحل الحسن الثاني لتحمل اسم «الدروس الحسنية» سنة 1963.
هكذا وُلدت فكرة الدروس الحسنية قبل 63 سنة
عند وفاة الملك الراحل محمد الخامس في فبراير 1961، الموافق للعاشر من شهر رمضان، شهد المغرب واحدا من أشد فصول الشهر الكريم قتامة وحزنا في التاريخ..
أحيا الملك الراحل ذكرى وفاة والده الأولى، بحضور العلماء ممن كانوا مقربين من والده الراحل، مثل شيخ الإسلام العلوي، والمختار السوسي، والغازي وغيرهم ممن كانوا يحظون بتقدير كبير من طرف الملك الراحل محمد الخامس.
لكن خلال سنة 1963، أعلن الملك الراحل الحسن الثاني رسميا عن إطلاق سلسلة الدروس الحسنية.
واعتبرت هذه الدروس وقتها ثورة في الحقل الديني.. فقد كانت العادة خلال عهد الملك الراحل محمد الخامس، أن تقام جلسات مغلقة في حضرة الملك محمد الخامس، يحضرها نخبة من العلماء، خلال شهر رمضان، لإلقاء دروس دينية يتكلف عالم واحد بإلقائها، يكون في العادة مكلفا بالإمامة، أو يختاره الملك بنفسه.
لكن مع الملك الراحل الحسن الثاني، أدخلت تعديلات على هذه الدروس، لتحمل اسم «الدروس الحسنية».. وكان الملك الراحل الحسن الثاني بهذه «الثورة»، يُحيي عادة قديمة أسسها جده المولى إسماعيل، قبل وفاته سنة 1727، لكن مع تعديلات عصرية.
وهكذا خرجت الدروس الحسنية من طابع الجلسة الدينية المغلقة، إلى اجتماع موسع يحضره العلماء ويختار الملك لائحة العلماء، الذين حظوا بشرف إلقاء الدرس في حضرة الملك.. مع توجيه الدعوة إلى علماء من خارج المغرب، وهو ما أكسب الدروس الحسنية شهرة واسعة في العالم العربي والإسلامي.
كان الملك الراحل الحسن الثاني محافظا على الطقوس المخزنية المرعية، بما فيها طقوس إحياء شهر رمضان خلف أسوار القصر الملكي، لكنه إلى جانب ذلك، أطلق الدروس الحسنية التي بصم بها على تجديد ثوري في الحقل الديني، وانطلاقة «تقليد ملكي لم يسبقه إليه أحد»، لتكون مناسبة سنوية كل رمضان، لجمع العلماء المسلمين من مختلف الأصقاع، لتقديم إصداراتهم إلى الملك على هامش الدروس الحسنية، والاحتفاء بهم، خلال مقامهم المغربي في شهر رمضان.





