حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرملف الأسبوع

ضيوف القصر في رمضان … وعاظ ومرتلون وعلماء في ضيافة ملوك المغرب

تقول الكتابات التاريخية إن الدروس الدينية الرمضانية كانت حاضرة بقوة في أجندة الدولة العلوية، منذ عهد السلطان المولى إسماعيل، الذي كان يكرم العلماء في مجالس علمية خلال شهر رمضان، لمناقشة قضايا الشريعة وعلم الحديث والفقه وعلوم التفسير وغيرها من العلوم الدينية.

مقالات ذات صلة

تناقل سلاطين المغرب هذه المبادرة، قبل أن ينقلها السلطان مولاي الحسن إلى قصره نظرا لحبه للعلماء، وعلى نفس المنوال سار الملك محمد الخامس، الذي ورث هذه المجالس عن سلفه، مع الاعتماد على فقهاء وعلماء المغرب.

وحين تقلد الملك الحسن الثاني مقاليد الحكم، ورث عن أجداده هذه السنة، وقام بالمحافظة عليها وجدد في شكلها وتوجيهها، وقام بإعادة التألق والإشعاع إليها، وهو من أطلق عليها اسم الدروس الحسنية.

في بداية الستينات ترأس الملك الحسن الثاني أول درس من سلسلة “الدروس الحسنية” الرمضانية، واستمرت هذه السنة في عهد الملك محمد السادس، وشارك في إلقاء هذه الدروس رجال دين من مختلف الطوائف الإسلامية ومن مختلف المذاهب ومن مختلف الدول أيضا.

تزامن تدشين الدروس الحسنية مع انتخاب أول برلمان مغربي سنة 1963، حيث أشرف الملك على أول درس من “الدروس الحسنية” الرمضانية، قيل إن الغاية منها الحد من المد اليساري والشيوعي في البلاد، فضلا عن إعادة الاعتبار لمكانة العلماء والفقهاء، وقيل إنها تهدف لمكافحة المد الديني المتطرف، لكنها مع مرور الأيام أصبحت جامعة رمضانية ذات صيت عالمي، منذ أن أمر الحسن الثاني بتوسيع هامش ضيوفها فأصبح لها إشعاع عربي ودولي بارز عندما بدأت تستقطب نخبة من العلماء والفقهاء والمحدثين من مختلف الأصقاع الإسلامية المنتمين للقارات الخمس..

“الأخبار” تسلط الضوء على أبرز القامات العلمية التي أثثت الدروس الحسنية وأنارتها.

 

 

القرضاوي يروي تفاصيل لقائه بالقصر مع الحسن الثاني

كشف العلامة المصري ومؤسس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الشيخ يوسف القرضاوي، في حوار صحافي، عن تفاصيل رحلته إلى المغرب لحضور مجلس الدروس الحسنية فقال:

“في شهر رمضان سنة 1983، دعيت من قبل وزير الأوقاف المغربي الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري عن طريق سفير المملكة المغربية بالدوحة، للمشاركة في الدروس الحسنية الشهيرة، التي اعتاد ملك المغرب الحسن الثاني أن يقيمها كل رمضان، ويدعو إليها عددا من العلماء من خارج المغرب، بالإضافة إلى علماء المغرب. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي أدعى لهذه الدروس، فقد دعيت إليها من قبل عدة مرات، ولكني كنت أعتذر عن عدم تلبية الدعوة بأعذار شتى. إلا أنني استجبت للدعوة في رمضان 1978، وسافرت إلى المغرب، ولكن قدر الله عز وجل أن يدخل الملك المستشفى لإجراء عملية جراحية، فلم تعقد هذه الدروس في ذلك الموسم. ومن هنا رتبوا لنا زيارة بعض المدن المغربية، وإلقاء بعض الدروس والمحاضرات في بعض المدن، منها مدينة الرباط نفسها، ومنها الدار البيضاء، ومدينة فاس، التي زرت فيها جامع القرويين الشهير وجامعات أخرى”.

عاد القرضاوي إلى قطر، لكنه سيعود إلى المغرب بعد خمس سنوات، عبر نفس الخط، وسيقيم بفندق حسان الذي سبق أن نزل به في رحلته الأولى. بقي القرضاوي أياما ينتظر دوره في إلقاء درس ديني، وقد دعاه بعض وجهاء الرباط على الإفطار، على الطريقة المغربية، إلى أن حان موعد حصته، وكانت الدروس عادة تنطلق من آية كريمة، أو من حديث شريف، وقد سألوني عن منطلق الدرس، وهل هو مكتوب أو مرتجل، فأخبرتهم أنه مرتجل، وأنه ينطلق من الحديث النبوي الذي رواه أبو داود والحاكم وغيرهما عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة: من يجدد لها دينها”.

“في الليلة المعهودة، ذهبت إلى قصر الملك، وسلمت عليه من وقوف، ولم أضطر إلى أن أنحني، أو أخرج عن طبيعتي قيد أنملة، كما قد قيل لي من قبل. بل كان الرجل ودودا بشوشا مرحبا بي أكثر من غيري، ممن ألقوا دروسا قبلي، أما الذين أسرفوا في الثناء عليه فلم يلزمهم أحد بذلك. حضر ولي العهد، هو الآن الملك محمد السادس، وحضر الوزير الأول والوزراء وكبار رجال الدولة، وقادة الجيش، وسفراء الدول الإسلامية، وكبار العلماء ووجهاء البلد. وكان سفير قطر في ذلك الوقت هو عميد السلك الدبلوماسي، لعراقته في وظيفته هناك”.

استمر الدرس خمسين دقيقة، وبعد أن ختمه، سأله الملك سؤالا مهما على عادته في مناقشة العلماء، حين قال: إن الذي نحفظه في رواية هذا الحديث: أنه بلفظ: “يجدد لها أمر دينها”. فقدم له القرضاوي شروحات إضافية.

كان هذا السؤال من الملك والرد عليه من الداعية، موضع حديث المغرب كله، وفي الختام صافحه الملك بحرارة، وقال له: نريدك أن تكون معنا في الموسم القادم. وطلب منه أن يبلغ سلامه إلى أمير قطر الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني.

 

موسى الصدر.. شيعي يحضر الدروس الحسنية وسط السنيين

في شهر مارس سنة 1971 حضر الإمام موسى الصدر والوفد الشيعي المرافق له حفلة استقبال أقامها الملك الحسن الثاني في القصر الملكي بمدينة فاس بمناسبة عيد العرش، كما حضر مأدبة عشاء أقامها شقيق الملك الأمير مولاي عبد الله في قصره تكريما له، وزار مع الوفد المرافق له جامعة القرويين في فاس، حيث ألقى محاضرة حول موضوع “تفسير القرآن”، نقل وزير الأوقاف للملك تقريرا حول المحاضرة فاقترح الحسن الثاني دعوة موسى لتقديم نفس العرض في الدروس الحسنية الرمضانية.

آخر زيارة لموسى الصدر للمغرب تعود لسنة 1977، قبيل اختطافه ببضعة أشهر، كان الزعيم الشيعي اللبناني المختطف من قبل نظام معمر القذافي قد حضر آخر حلقات الدروس الحسنية الرمضانية، كضيف إذ رفض إلقاء درس ديني على غرار باقي المدعوين، وحين حاول وزير الأوقاف المغربي إقناعه بضرورة بمداخلة لم يعثر عليه في فندق حسان بالرباط، قبل أن يعود في ساعة متأخرة من الليل ويقول مازحا: “كنت معتقلا عند معمر القذافي”، وكأنه يتنبأ بالمصير الذي ينتظره بعد أشهر.

كانت علاقات الحسن الثاني بموسى الصدر من الأمور التي دفعت النظام الإيراني الجديد بقيادة الخميني إلى معاداة على المغرب، خاصة وأن موسى أقنع الملك بضرورة تسجيل الطلبة الشيعة في الجامعات المغربية على غرار الجزائر، لكن الحسن الثاني ظل يرفض مشاركة موسى في محاضرات جمعية الدعوة الإسلامية العالمية التي حاول من خلالها العقيد القذافي أن يستقطب لها مجموعة من رجال الدين.

روى عضو المكتب السياسي لحركة “أمل” وأحد مؤسسي الحركة الدكتور حسين يتيم، علاقة الزعيم الشيعي بالملك الحسن الثاني وسر الخلاف بينهما فقال:

“كان الإمام الصدر قد عاد من الجزائر على رأس وفد يضم الشيخ محمد يعقوب والصحافي الأستاذ عباس بدر الدين. فاجأني يومها بيان للوفد يقول إن الصحراء لها صلة بالجزائر أكثر من المغرب. وأنا كقارئ تاريخ أعرف أن هذه المنطقة اسمها الصحراء المغربية. وأعرف أيضا أن الإمام الصدر كان على علاقة طيبة جدا بالعاهل المغربي الملك الحسن الثاني، وعلى علاقة وطيدة بسفير المغرب في لبنان أحمد بن سودة، حتى أنه توسط لي ذات يوم مع بن سودة الذي نقل إلى الديوان الملكي المغربي، لإدخال نجلي أحمد إلى إحدى الجامعات المغربية. وأذكر أنني دخلت يومها إلى القصر الملكي في الرباط، واستقبلني بن سودة ونجلي بالترحاب بناء على وساطة الإمام الصدر، وأمسك بسماعة الهاتف واتصل بعميد كلية الطب قائلا: “يا عبد الزراق.. أحمد يتيم يدخل كلية الطب حالا. وهكذا كان. ولذلك كله استغربت مضمون البيان السالف الذكر، وعلمت في ما بعد أن الشيخ محمد يعقوب كان وراء هذا البيان بعدما فتح الباب أمام الصدر لزيارة الجزائر في عهد بومدين الذي سمح باستقبال الطلاب الشيعة في الجامعات الجزائرية، من خلال منح دراسية مجانية”.

بعد عودة الإمام من الجزائر قرر السفر إلى ليبيا بناء على دعوة من القذافي لحضور احتفالات الفاتح من شتنبر، لكن بوساطة من بومدين، وقال الرائد الليبي عبد المنعم الهوني في مقابلة مع صحيفة “الحياة” إن الإمام موسى الصدر “قتل خلال زيارته الشهيرة إلى ليبيا عام 1978 ودفن في منطقة سبها في جنوب البلاد، المقدم الطيار نجم الدين اليازجي كان يتولى قيادة طائرة القذافي الخاصة، هو من تكلف بنقل جثة الإمام الصدر لدفنها في منطقة سبها. وتعرض اليازجي بدوره للتصفية على أيدي الأجهزة الليبية لمنع تسرب قصة مقتل الصدر”.

 

الملك يعين شيخ الأزهر عضوا بمؤسسة محمد الخامس للتضامن

في الأيام الأخيرة لشهر رمضان، من سنة 2001، واحتفالا بليلة القدر اختتمت الدروس الحسنية الرمضانية، بحفل ديني ترأسه العاهل المغربي محمد السادس، استثناء بضريح أبي العباس السبتي بمدينة مراكش، وتعتبر الدروس الحسنية لتلك السنة ذات طابع خاص نظرا لأنها السنة الثانية التي يشرف عليها محمد السادس بعد وفاة والده الراحل الحسن الثاني. حافظ المنظمون على لائحة الضيوف الذين اعتاد المغرب على استضافتهم خلال شهر رمضان منذ سنوات.

في هذه الجلسة الدينية، شد الانظار درس ألقاه محمد سيد طنطاوي، شيخ الأزهر في موضوع عنوانه “ذلك الدين القيم”، دون أن ينسى في سياق الدرس التذكير بالقضية الفلسطينية والإشارة إلى ضرورة تقديم العون والمساعدة للفلسطينيين “لأننا بذلك ننصر الحق ونخذل الباطل”، كما قال شيح الأزهر، فانتزع ابتسامة من الملك الذي صافحه وشكره على “تسييس” مداخلته.

عاد شيخ الأزهر إلى المغرب بعد ثمان سنوات، حيث قدم درسا بالقصر الملكي بالدار البيضاء، ضمن سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية، تناول فيه بالدرس موضوع “حديث القرآن عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار”، انطلاقا من قوله تعالى “والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم”، وكعادته أقحم السياسة في مداخلته وتحدث عن الهجرة بمدلولها الحديث، فتلقى ثناء من الملك الذي أوصى المنظمين خيرا بالشيخ الذي كان يعيش آخر أيامه، حيث اعتذر عن زيارة مدينة فاس، واستعجل العودة إلى مصر شاكرا للملك أفضاله، إلا أن العاهل المغربي أصر على أن يكون سيد طنطاوي ضمن ضيوفه حيث شوهد برفقته وهو يدشن مشروعا اجتماعيا، بعد أن تفضل الملك بتعيين شيخ الأزهر عضوا شرفيا بالمجلس الإداري لمؤسسة محمد الخامس للتضامن، التي يتولى جلالته رئاستها، والإشراف على برامجها ومشاريعها الاجتماعية والإنسانية والتنموية.

بعد شهور قليلة توفي محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر عن سن 82 عاما، وكان حينها متواجدا في الرياض، فقررت أسرته دفنه في البقيع بالمدينة المنورة، وعلى الفور بادر الملك محمد السادس بتقديم فروض العزاء، في رسالة وجهها للرئيس المصري السابق حسني مبارك.

وقال الملك محمد السادس في برقية التعزية “وإننا لنستشعر، بكل تأثر، في هذه اللحظة العصيبة، مدى الرزء الفادح، الذي أصاب الأمة الإسلامية عامة، في فقدان أحد كبار علمائها الأبرار، ومصر الشقيقة خاصة، في رحيل أحد مشايخها الأزهريين الأخيار”.

 

حينما حاول خصوم بن عاشور الإيقاع بينه وبين الحسن الثاني

ظل اسم محمد فاضل بن عاشور العلامة التونسي، من أوائل المدعوين لحضور الدروس الحسنية الرمضانية في عهد الملك الحسن الثاني، فقد كان يكن له تقديرا خاصا له ولثقافته الواسعة العميقة، وقدرته على التحليل.

يؤجل الشيخ محمد الفاضل بن عاشور، جميع التزاماته في تونس وخارجها خلال شهر رمضان من كل سنة، للمساهمة في دروس الحديث الحسنية التي تلقى بحضرة ملك البلاد، بحضور عدد من العلماء والمثقفين ورجالات الدولة.

لكن قبل إحدى المحاضرات قال أحد المنظمين للملك، إن الضيف التونسي رفض تناول الموضوع المقترح وأنه أصر على تقديم محاضرة في موضوع آخر، خارج ما هو مسطر في البرنامج الموزع على الضيوف. ولأن موعد المحاضرة قد اقترب ولا سبيل للاتصال مجددا بالمحاضر التونسي، فقد عمد الحسن الثاني إلى توقيف ابن عاشور مباشرة بعد تناوله الكلمة وشروعه في العرض، حيث استأذنه الملك طالبا منه استشارة فقهية في الموضوع الذي كان مقررا. اعتقد المنظمون والمدعوون أن الرجل سيرتبك لأنه كان مستعدا لمحاضرة أخرى تختلف عما يبتغيه الحسن الثاني، إلا أنه تناول الكلمة بفصاحة نادرة وأسهب في الرد عن سؤال الملك دون أن يتوقف عن الحديث المعمق مما أبهر الضيوف وعلى رأسهم ملك البلاد الذي قبل رأسه، حسب رواية الشيخ التونسي عبد الفتاح موري في شهادته على العصر بقناة الجزيرة القطرية.

حاولت بعض الجهات النيل من العلامة التونسي وأشعرت السلطات الأمنية المغربية باجتماعات الفاضل مع طلبة إسلاميين خلال فترة إقامته في المغرب، وكشفوا عن علاقته مع محمد عبد الكريم الخطيب، وتبين بعد البحث أن صفة الأستاذ الجامعي، كانت غالبة عليه، وأنه يوجد من بين المواطنين المغاربة، عدد من الرجال الذين يشتغلون اليوم بالتدريس، أو يشتغلون غير ذلك، كانوا من تلاميذه فيستغلون فرصة تواجده في المغرب لاستضافته خلال شهر رمضان.

أعجب الملك الحسن الثاني رحمه الله، بفصاحة وبلاغة بن عاشور فأولاه عناية فائقة امتدت إلى ما بعد وفاته رحمه الله، من ذلك اقتراحه بإحداث معهد عال للبحوث والدراسات الاسلامية يحمل اسم الشيخ الفاضل، وله يرجع الفضل في جمع وتوثيق بعض المحاضرات التي ألقاها الشيخ الفاضل في حضرة الملك.

 

عبد الباسط يلعب دور الوسيط في خلاف عبد الناصر ومحمد الخامس

لم يكن الشيخ عبد الباسط عبد الصمد مجرد قارئ للقرآن الكريم ومجود لآياته، وصوت جهوري يهز الوجدان، بل كان هرما من أهرامات مصر يحرص كل رئيس أو زعيم مسلم على لقائه كلما زار مصر. بل من القادة العرب من خصص جزءا من أجندته للتوجه إلى صعيد مصر وتحديدا إلى مدينة أرمنت بجنوب غربي الأقصر، لمقابلة صوت تحول إلى أسطورة لنبرته أثناء ترتيل القرآن.

يقول الباحث المصري محمد عبد اللطيف الصغير في كتابه “دولة التلاوة القرآنية في مصر”، إن الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر كان يلعب ورقة عبد الباسط، لأنه يعلم مدى إعجاب الملوك والزعماء العرب والمسلمين بالشيخ عبد الباسط عبدالصمد.

وروى الكاتب المصري حكاية تقلد فيها المقرئ دورا دبلوماسيا: “طلب عبد الناصر من الشيخ تلطيف الأجواء بين مصر والمغرب، حيث غضب ملك المغرب محمد الخامس من موقف للرئيس الراحل جمال، وكان يخشى رفض ملك المغرب تلبية دعوته للمشاركة في افتتاح السد العالي، وبالفعل ذهب الشيخ عبد الصمد إلى المغرب على متن طائرة الرئاسة المصرية، واستقبل في مطار سلا استقبال الدبلوماسيين، والتقى الملك محمد الخامس فسلمه دعوة من مصر لحضور حفل افتتاح السد العالي، فقبل الملك دعوته بانشراح، بل إن محمد الخامس خلال زيارته لمصر ذهب مع الشيخ عبد الباسط إلى مسقط رأسه بالأقصر، وكان يصلي الفجر حاضرا في مسجد أحمد النجم بوسط مدينة الأقصر وسط حفاوة كبيرة من أبناء المدينة”.

يضيف الباحث المصري محمد الصغير أن الملك محمد الخامس، ارتبط بعلاقة صداقة قوية بالشيخ خاصة بعد زيارته له بالأقصر، وما تلاها من لقاءات، حيث كان يحضر خصيصا للقاهرة ليستمع إلى تلاوة القرآن بصوته، “كانا يلتقيان في مسجد السيدة نفيسة ويصليان الفجر معا ثم يمكثان بعد الصلاة بالمسجد، ويقرأ الشيخ عبد الباسط ما تيسر من القرآن حتى تطلع الشمس، كما لبى الشيخ طلب الملك بتسجيل القرآن كاملا في نحو 10 أيام قبل بداية شهر رمضان برواية ورش عن نافع، وهي الرواية المفضلة عند المغاربة”.

عرض الملك محمد الخامس على الشيخ عبد الصمد الإقامة، بشكل نهائي في المغرب، على أن يصبح مستشارا في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، مقابل امتيازات مالية أضعاف ما يتقاضاه في مصر، لكن الشيخ اعتذر. وقال طارق نجل الشيخ عبد الباسط في حوار مع صحيفة الدستور المصرية، إن والده كان متعففا يتعامل مع محمد الخامس باستحياء، “لقد عرض عليه الجنسية المغربية ويكون قارئ القصر لكنه اعتذر وشكر”.

 

مصطفى محمود يكشف للحسن الثاني سر اعتذاره عن منصب وزير

تلقى الكاتب والصحافي المصري الدكتور مصطفى محمود، صديق أنور السادات، ومعد ومقدم برنامج “العلم والإيمان”، دعوة في نهاية الستينات لزيارة المغرب من أجل تقديم محاضرة ضمن الدروس الحسنية الرمضانية في المغرب، فرحب الرجل بالمقترح وقرر السفر لحضور الملتقى الفكري السنوي.

 

في لقائه بالملك الحسن الثاني عقب انتهاء المحاضرة، أهدى الضيف المصري للعاهل المغربي أحد إصداراته، قبل أن يسأله قائلا: “لماذا لم يعينك صديقك السادات وزيرا للشؤون الدينية؟”، فرد عليه مصطفى: “لقد عرض علي جمال والسادات عددا من المناصب لكنني اعتذرت لهما”، وقبل أن يسأله الملك عن سر الرفض، استرسل مصطفى في حديثه: “أنا فشلت في إدارة أصغر مؤسسة وهي الأسرة، أنا مطلق يعني تفكك أسري، فكيف بي أدير وزارة كاملة؟”

عرف المغاربة والعرب قاطبة مصطفى محمود من خلال برنامجه “العلم والإيمان”، الذي قدم منه نحو 400 حلقة على التلفزيون المصري، كان يجمع فيه بين الحقائق العلمية والعقائد الإيمانية، كما أثرى المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات فاقت السبعين مؤلفا أشهرها “حوار مع صديقي الملحد”. وخلال إحدى الحلقات أثنى على الدروس الرمضانية في المغرب ووصف الحسن الثاني بزعيم الفكر الديني العربي.

في بيت الراحل مصطفى صورة وهو يصافح الملك الحسن الثاني في أعقاب درس رمضاني، فضلا عن صور مع السادات ومحمد عبد الوهاب، وقالت ابنته أمل في حوار تلفزيوني بعد وفاة والدها إن ملك المغرب كان قريبا إلى وجدان أبي.

في أكتوبر 2009، شيع آلاف المصريين الدكتور مصطفى محمود، إلى مثواه الأخير، بعدما وافته المنية عن عمر يناهز 88 عاما، إثر صراع طويل مع المرض، امتد لعدة سنوات.

 

الطيب صالح.. شاعر سوداني يعرف فاس أكثر من أهلها

تردد عبد الله الطيب صالح على المغرب وسجل حضورا لافتا في القصر، خاصة في الدروس الحسنية الرمضانية. كان أول لقاء جمع الملك الحسن الثاني بالشاعر عبد الله الطيب حين قدم الضيف السوداني درسا حول صحيح البخاري، وعندما كان يشرح صحيح البخاري ومسلم كسر الملك الحسن الثاني البروتوكول وقام أمام المدعوين بحضن عبد الله الطيب، وعندما انتهى الدرس طلب منه الإقامة في المغرب وعرض عليه منصب محاضر في جامعة فاس.

ولسبب استدعائه لتقديم درس قصة أيضا، فقد ألقى محاضرة حول التراث الإنساني، بعد دعوة من وزارة الثقافة المغربية، وحظيت مداخلته باهتمام كبير من الدارسين والصحافيين، بل تصدرت صورته الصفحات الأولى للجرائد المغربية، خاصة “الاتحاد الاشتراكي” و”العلم”، التي كتبت في صفحتها الأولى: “الطيب حدث أهل فاس بما لا يعرفونه عن فاس”. وكان العالم السوداني عبد الله الطيب يحرص دوما على زيارة فاس، التي كان يأتيها لزيارة قبر جده التيجاني، قبل أن يصبح وجها مألوفا في دروب ومجالس الأدب في العاصمة العلمية للمملكة.

توصل الطيب بدعوة من الحسن الثاني للالتحاق بالقصر الملكي، وخرجت جرائد اليوم الموالي بعناوين من قبيل: “قال الملك ائتوني به!”.. كما خصصت صحيفة “الراكوبة” السودانية ملفا حول الموضوع بعنوان “سودانيون حول العرش”، تطرقت فيه لعلاقة ملوك المغرب بعبد الله الطيب وغيره من المفكرين السودانيين، وقالت إن “الملك المغربي الحسن الثاني رجل شغوف وملم بالثقافة العربية وَعاشق للعلماء، له مجلس شهري للعلماء سمي بالدروس الحسنية، يهتم بتثقيف العالِم فيجلسه على الكرسي بينما يجلس جلالته على الأرض، تعبيرا عن احترامه وتقديره لورثة الأنبياء”

قال عنه الملك الراحل لأحد العلماء السودانيين، بعد انتهاء درس حسني: “لقد أخذتم، أنتم السودانيين، نصيبكم منه، وجاء دورنا، نحن أهل المغرب، لننهل من هذا المنهل المعرفي الكبير”.

يقول الأديب السوداني مجدي الحاج: “يروى أن الحسن الثاني ملك المغرب نفسه كان يحب البروفسير عبد الله الطيب حبا كثيرا ويحضر له بعض المحاضرات، وكان دائما ما يدعوه إلى قصره ومائدته خاصة في شهر رمضان المعظم. وفي إحدى المرات بعد نهاية إحدى المحاضرات فوجئ بسيارة في انتظاره عند باب الكلية وقد فتح له باب السيارة ليركب وقد كان الملك نفسه في انتظاره فلهما الرحمة والغفران”.

ومن الأشياء الطريفة التي حكيت عن عبد الله الطيب في المغرب أنه اختير أول حضوره لكلية الآداب في فاس مدرسا للأدب الجاهلي لطلاب السنة الأولى في مادة الأدب العربي، وكان يكرر لهم صدر البيت الشعري ويطلب منهم إكمال عجزه، مما جعل الطلاب يطالبون بترحيله لأنه يعطيهم دروسا فوق طاقتهم الفكرية والأدبية مما جعل إدارة الكلية تقوم بنقله لكي يدرس طلاب السنة الرابعة بدلا من السنة الأولى وذلك لغزارة علمه.

كان عبد الله الطيب حريصا على زيارة المغرب رفقة زوجته البريطانية غريزلدا والتي تعرف عليها في لندن أثناء متابعة دروسه الجامعية، وعاشت إلى جانبه رغم مواقفه من الاستعمار البريطاني لبلده.

بعد وفاته بسكتة دماغية مفاجئة، لم تغادر الزوجة السودان وعاشت هناك وأتقنت اللهجات السودانية بطلاقة، وحفرت قبرا لها بجوار قبره لتعلم الجميع بأن الوفاء ليس في الحياة فقط وإنما بعد الممات أيضا، وقالت: “أريد أن أدفن بجانبه ليتعلم الذين هضموه حقه الوفاء”.

 

فاروق النبهان.. جاء من سوريا مدرسا فأصبح مديرا لدار الحديث الحسنية

رغم أن السوري محمد فاروق النبهان، قد حل بالمغرب سنة 1977 ليمارس التدريس قادما من الكويت حيث كان يشغل مهمة أستاذ في كلية الحقوق بجامعة الكويت، إلا أنه عين من قبل الملك الحسن الثاني مديراً لدار الحديث الملكية الحسنية، وذلك من عام 1977 إلى 2005، قبل أن يصبح عضوا في أكاديمية المملكة وتصبح له مكانته الاعتبارية في المحيط العلمي.

شارك الدكتور فاروق في عدد كبير من الدروس الحسنية التي تعقد برئاسة ملك المغرب في القصر الملكي في الرباط، خلال شهر رمضان المبارك، فعلى امتداد ثلاثين سنة لم ينقطع عنها ولم يتغيب عن أي درس فيها، وألقى سبعة دروس منها.

يقول النبهان إن منصبه كمدير لدار الحديث الحسنية مكنه من لقاء الملك مرات عديدة، ويذكر بصفة خاصة الاستقبال الذي خصه به الحسن الثاني حين حل بالمغرب، “بتاريخ 24 فبراير 1977 استقبلني الملك الحسن الثاني رحمه الله في قصر السلام في الرباط، استقبالا رسميا، وحضر الاستقبال الوزير الأول أحمد عصمان ووزير الدولة للثقافة الحاج محمد باحنيني ومدير الديوان الملكي أحمد بن سودة ووزير التعليم العالي الدكتور عبد اللطيف بن عبد الجليل، كان الملك في غاية السعادة والبشاشة”.

حين دعي لإلقاء أول درس له ضمن الدروس الحسنية، رشحه الملك الحسن الثاني لإدارة دار الحديث الحسنية أسعده المنصب ووافق على الفور. “استمرت المقابلة مع الملك مدة خمس وأربعين دقيقة، وهي مدة غير معهودة في الاستقبالات الملكية، وصدر بلاغ رسمي في التلفزيون والإذاعة ووسائل الإعلام بخبر الاستقبال والتعيين”.

ظل التعيين في هذا المنصب من اختصاص الملك وليس وزير الأوقاف والشؤون الدينية، وحرص على امتداد وجود هذا الصرح على زيارته، فقد تأسست دار الحديث الحسنية في فاتح نونبر 1964 بناء على خطاب ملكي ألقاه الملك الحسن الثاني في جمع من العلماء المشاركين في الدروس الحسنية. وبمقتضاه صدر المرسوم الملكي المؤسس للدار.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى