حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةتقارير

عبد الحفيظ القادري.. الوزير الاستقلالي الذي قضى فترة استوزاره في حل أزمات الكرة

شاركوا في «الكان» ثم رحلوا:

ولد عبد الحفيظ القادري سنة 1927 بالرباط، عرف منذ صغره باهتماماته المعرفية والجمعوية، وبرز بشكل كبير في الحركة الكشفية المغربية، التي كانت عنصرا فاعلا في بناء شخصية الأجيال خلال مختلف المراحل التاريخية قبل وبعد الاستقلال.

تألق عبد الحفيظ، سليل أسرة رباطية عريقة، في دراسته وعرف بين رفاقه ومدرسيه بالاجتهاد واليقظة وروح المبادرة، وانشغال كبير بالصحافة والعلوم.

التحق بالمدرسة المولوية ودرس إلى جانب ولي العهد مولاي الحسن، قبل أن يعبر نحو العلوم الهندسية التي درسها في الديار الفرنسية، دون أن يصرف النظر عن الكتابة في الصحف المغربية.

ويعتبر عبد الحفيظ من أوائل مهندسي الدولة الذين حصلوا على شواهدهم من الخارج عند بزوغ فجر الاستقلال، ووضعوا خبرتهم العلمية رهن إشارة وطن في طور التحول من بلد محتل إلى بلد مستقل يعول على أبنائه لتعويض الأجانب الذين كانوا يمسكون بخيوط القرار.

كان القادري إداريا كبيرا تدرج في المناصب، وسياسيا محنكا عينه الملك الحسن الثاني كاتبا للدولة مكلفا بالفلاحة سنة 1958 ضمن حكومة أحمد بلافريج، وظل، من موقعه في حزب الاستقلال، يجمع بين الهندسة والسياسة، بالرغم من التباعد الحاصل بينهما.

انتخب نائبا برلمانيا عن مدينة الرباط سنة 1972 ممثلا لحزب الاستقلال، خلال فترة عصيبة من تاريخ المغرب، قبل أن يعينه الحسن الثاني وزيرا للشبيبة والرياضة في العاشر من أكتوبر 1977 في حكومة المعطي بوعبيد، خلفا للوزير الطبيب محمد الطاهري الجوطي، وانتقلت هذه الحقيبة من وزير طبيب إلى وزير مهندس، مع توصية بتطوير القطاع الرياضي وتعزيز النشاطات الشبابية.

أولى اهتماما كبيرا للشأن الشبابي، إذ كان له الفضل في وضع فضاء المعمورة رهن إشارة الجامعة الوطنية للكشفية المغربية، لاحتضان أنشطتها الوطنية والدولية، والذي لازالت تستفيد منه إلى اليوم، وهو ما اعتبر رد دين قديم للكشفية مدرسته الوطنية الأولى.

لم يكن عبد الحفيظ القادري مهندسا فقط بل كان رجل إعلام وتواصل، فقبل أن يسلمه الملك الحسن الثاني حقيبة الرياضة والشباب، كان يشغل منصب مدير لجريدة «العلم» لسان حزب الاستقلال، وشغل أيضا مهمة مدير لجريدة «لوبنيون» الناطقة باسم حزب الاستقلال باللغة الفرنسية قبل تسلمه الحقيبة الوزارية.

في تلك الفترة كانت وزارة الرياضة والشباب تمسك بخيوط كرة القدم وتملك وصاية حقيقية على المنتخبات الوطنية، لهذا ظل الحسن الثاني يتصل بالقادري قبل وبعد كل مباريات الفريق الوطني ليضعه في حالة تأهب قصوى، بل ويحاسبه أيضا على انفلاتات اللاعبين وتقديرات المدربين.

ولأنه كان رجل تواصل عمل عبد الحفيظ بوصية الملك، وكان له أول اجتماع من موقعه وزيرا للرياضة، مع عثمان السليماني رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وكان المنتخب الوطني متوجا حينها بكأس أمم إفريقيا 1976 من قلب إثيوبيا.

كان عبد الحفيظ ملزما بتتبع تفاصيل منتخب وطني يستعد للدفاع عن لقبه القاري، وكانت تنتظره ثلاثة استحقاقات كبرى، أولها نهائيات كأس أمم إفريقيا في غانا سنة 1978، وألعاب البحر الأبيض المتوسط سنة 1979 والإقصائيات المؤهلة للألعاب الأولمبية 1980 في موسكو.

كثف الوزير لقاءاته مع رئيس الجامعة عثمان السليماني بحضور الكولونيل المهدي بلمجدوب الناخب الوطني، وكان الجميع يسعى للدفاع عن كأس في خزينة المغرب، وقرر الوزير السفر إلى غانا مباشرة بعد تأهل الفريق الوطني لدور النصف والانتقال من كوماسي إلى أكرا.

تم توزيع المنتخبات على مجموعتين، لعبت الأولى بمدينة أكرا، وضمت غانا وزامبيا ونيجيريا وفولتا العليا، ولعبت المجموعة الثانية بمدينة كوماسي وكانت مكونة من المغرب وأوغندا وتونس والكونغو.

كان المغرب يضم العديد من اللاعبين المتمرسين، على غرار الشريف وبابا وفرس واعسيلة، الذي سجل هدفا ضد تونس وآخر ضد الكونغو، وساهمت بعض الأخطاء الفردية والاستخفاف بالخصم في إقصاء المنتخب المغربي أمام أوغندا. ودار جدل حول عدم إشراك اللاعب احسينة أنفال من قبل المدرب الروماني ماردريسكو، وشهد مقر إقامة المنتخب المغربي أحداث عنف بين بعض اللاعبين.

ضد كل التوقعات احتل المنتخب المغربي الرتبة الثالثة، في مجموعته، وأصبحت الهزيمة أمام منتخب أوغندا المغمور حديث «الكان»، سيما وأنها كانت قاسية (0 / 3) سجلت كلها في الشوط الأول، واحتلت أوغندا الرتبة الأولى بأربع نقط من فوزين وهزيمة، واحتلت تونس المركز الثاني بأربع نقط كذلك، لكن بفارق الأهداف من فوز وتعادلين، وكانت تونس في أبهى أيامها، سيما وأنها كانت مؤهلة لكأس العالم بالمكسيك.

كانت مشاركة المنتخب المغربي كارثية، وشهدت مدينة كوماسي الغانية خروجه من دور المجموعات، بل إن الفندق الذي كان يقيم فيه كانت تقيم فيه ثلاثة منتخبات، (تونس، الكونغو وأوغندا).

كانت كل المؤشرات ترشح المنتخبين المغربي والتونسي لتجاوز الدور الأول، فالأول جاء إلى كوماسي من أجل الدفاع عن لقب في حوزته والثاني يحمل تأشيرة المرور إلى نهائيات كأس العالم. كان يكفي المغرب تعادل أمام أوغندا لتجاوز الدور الأول، لكن ما حصل لا أحدث توقعه.

مباشرة بعد الإقصاء، دعا الملك الحسن الثاني وزيره إلى فتح تحقيق معمق في «نكبة كوماسي»، وبمجرد عودة الفريق الوطني تقرر استبعاد المدرب ماردريسكو وتوقيف بعض اللاعبين، وتعيين المدرب القديم- الجديد كليزو على رأس العارضة التقنية للمنتخب الوطني، الذي كان يستعد للسفر إلى يوغوسلافيا للمشاركة في دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط التي احتضنتها مدينة سبليت سنة 1979.

لم تكن المشاركة موفقة رغم أن الأداء العام للاعبين كان مقبولا، خاصة في ظل تحكيم ساند البلد المنظم، وحين عاد الفريق الوطني إلى المغرب، أعلنت في وزارة الرياضة حالة استنفار قصوى، استعدادا لمواجهة حارقة ضد الجزائر برسم تصفيات الألعاب الأولمبية.

في تلك الفترة سيشرف عبد الحفيظ القادري على جمع عام لاستبدال رئيس الجامعة عثمان السليماني برئيس عسكري اسمه المهدي بلمجدوب وأصبح لجامعة الكرة رئيس برتبة عسكرية.

كان الرئيس الجديد أمام اختبار عسير، طبعا ليس وحده، فمباراة الجزائر ستطيح برأس بلمجدوب والمدرب كليزو، بعد أن مني المنتخب المغربي بخسارة قاسية (5/1)، في الملعب الشرفي بالدار البيضاء، وثلاثية في العاصمة الجزائرية.

بعد خسارة المنتخب المغربي أمام المنتخب الجزائري بخماسية في التاسع من دجنبر 1979، دعا الحسن الثاني وزراءه إلى اجتماع حكومي موسع حضره أغلب السياسيين المهتمين بشأن الكرة، ومن المقترحات التي قدمت للملك مقترح من القادري، بصفته وزيرا للرياضة، يقضي بتوقيف البطولة الوطنية إلى حين إعادة الهياكل وإصلاح منظومتها. «صاح الحسن الثاني بنبرة غاضبة، «شكون نهار الأحد اللي غادي يقول للحكم ألاربيط أمسخوط الوالدين، البطولة ستستمر والإصلاح يجب أن يتم والكرة تدور»». وهذه الحكاية أكدها عبد العزيز لمسيوي الذي حضر الاجتماع.

شاءت الأقدار أن تتكالب الأزمات الكروية على عبد الحفيظ، لكن الحسن الثاني لم يقدم على تغيير الوزير الاستقلالي، بل احتفظ به إلى أن عصف إضراب الدار البيضاء 1981 بالحكومة التي كان يرأسها المعطي بوعبيد، الرياضي الذي كان يستشيره عبد الحفيظ في أدق التفاصيل المتعلقة بالكرة.

اختتم القادري مساره الحكومي في منصب سفير للمملكة المغربية بمدريد عام 1985، في وقت كانت قضية وحدتنا الوطنية في أوج تفاعلاتها، حيث لعب أدوارا مشهودا بها في تقريب وجهات النظر بين البلدين، وعين، كذلك، مديرا لمركز الأبحاث والمساهمات المعدنية، وظل يتمتع بإرث غني في خدمة الوطن والمشاركة الفعالة في تنمية القطاعات المختلفة.

لعب أدوارا رائدة على صعيد الحزب كقيادي بارز مشمول بتقدير خاص داخل اللجنة التنفيذية، وأيضا على صعيد العمل النقابي والتشريعي كبرلماني، قبل أن يعتزل السياسة ويتفرغ للقراءة. ظل الاستقلاليون يعودون إليه لاستشارته، كيف لا وهو  من الرجال الذين عايشوا الزعيم علال الفاسي وكان من المقربين عنده، يكفيه أنه توفي بين أحضانه برومانيا.

في صباح يوم الاثنين 11 دجنبر 2023، توفي عبد الحفيظ في بيته بالعاصمة الرباط، عن سن يناهز 96 عاما بعد معاناته مع مرض ألم به.

أقيمت صلاة الجنازة على روحه في مسجد الشهداء بالرباط، وووري جثمانه بمقبرة الزاوية القادرية.

 

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى