
في هذه الحلقات يصور لنا الكاتب والروائي عبد الكريم الجويطي عالم كرة القدم كما لعبه وشاهده، لنكتشف أن المؤلف المغربي، وعلى غير ما اعتدناه من الصورة النمطية عن المثقفين بأنهم بعيدون كل البعد عن الرياضة وممارستها عموما، وكرة القدم بصفة أخص، (لنكتشف أن الجويطي) ليس مجرد متابع ومهتم بكرة القدم، الرياضة الشعبية البعيدة عن النخبوية، بل إنه ممارس لها وخبير بدروبها وبكل مكوناتها، من الكرة بحد ذاتها إلى الملعب الذي صوره كساحة حرب، مرورا بالحكام وانتهاء بالجمهور.. فرجة ممتعة..

كرة القدم حرب ناعمة تحدث في ساحة هي الملعب، ولكل فريق مجاله، أرضه، ترابه الوطني، حدوده التي عليه أن يدافع عنها. حين تتجاوز خط الوسط فأنت تهاجم، وحين تتراجع داخل حدودك وتترك لخصمك حرية المبادرة فأنت تدافع. الفرق الوحيد بين الحرب الحقيقية وحرب الكرة، هو أن المدافع لا يملك امتياز معرفة الأرض التي يحارب فيها، لا يملك تضامن سكان، وليس بإمكانه إنهاك المهاجم بقطع خطوط الإمداد، الملعب واضح كشمس في سماء، الحدود التي تؤطر القتال واضحة، والمرمى ظاهر للعيان، فالكرة حرب كل شيء فيها ظاهر جلي ولا يملك المدافع إلا رجليه وجسده وتكتله مع أجساد زملائه. حتى السيطرة في الكرة ليست هي السيطرة في حرب دموية، وهي، في كل الأحوال، لا تعني شيئا ما لم تتوج بأهداف. هناك سيطرة عقيمة، عاقر، لا تلد إلا ضياع الفرص ونفاد الوقت. قوانين كرة القدم تعقل الهجوم ولا تتركه أعمى، هناك قانون الشرود، وهناك تلك الحصانة الملوكية التي تعطى للحارس في المساحة القريبة منه، وهناك تلك الخطوط التي تجعل الكرة تنفلت وتخرج عن الملعب. الملعب في الكرة ملاعب. ملعبك الذي تعرفه جيدا، وملاعب الآخرين التي لا تعرفها بما يكفي، لا تعرف درجة ميلانها، ولا جهة الريح التي تعبرها، لا تعرف المكان الأيقوني الذي يهواه جمهورها، لا تعرف حفرها، والبقع التي يؤثر فيها التراب أو العشب على جودة اللعب فيها. هناك ملعب واحد يحمله كل لاعب في روحه. ملعب بداخله كل أبعاده، وبالحدس، وبذلك الالتماع الخاطف، وبذلك التقدير الصائب بتلك العينين المغمضتين، تتم هندسة تلقائية خارقة في القدف والمناورة. يجري الصيد الدموي في مجال واسع تحدده حركة الطريدة، ويكون الصيد دوما هو ذلك التشابك بين حركة الطريدة وقدرة الصياد على التتبع أو المباغتة أو المحاصرة.
حين ولدت الكرة كان اللاعبون يجرون وراءها في كل مكان، وحين ولد الجمهور، ولد معه الملعب وولدت الفرجة. ولأن اللعبة حرب بلا دم ولا قتلى، لكن بجرحى ومعطوبين سيولد الفرق بين أن تلعب في ملعبك أو تلعب في ملعب الخصم. الأمر يتعلق بمزايا تتمتع بها أو تحرم منها. وبقدر ما تحقق انتصارات باهرة في ملعب ما يصير أيقونة، يهابه الخصوم، ويمجده الأنصار يصير له تاريخ خاص. في بداية الكرة لم يكن يهتم أحد بإطلاق اسم على ملعب ما، لكن ومع تطور الكرة، وتطور الملاعب، صار لها اسم وهوية. لم يعد الملعب تلك المساحة الباردة، والمحايدة، والغفل، التي تقام فيها المباريات، بل صار طرفا فاعلا في اللعبة، ليست له مساحة هندسية فقط وإنما ذكريات وماض وتاريخ، وحضور مؤثر، وإلا لما حرص الفريق الوافد على إجراء حصة تدريبية في ملعب الخصم قبل مواجهته، ولا ما كان ذلك الحديث عن الاستئناس بالملعب، والامتصاص القبلي لصدمة المجهول. هناك ملعب رعب، وهناك ملعب أحلام، وهناك ملعب نحس، وهناك ملعب مقبرة، وهناك فرجة.





