حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرخاص

عقد ونصف من النزاع في أمتاره الأخيرة

‏محكمة الاستئناف بالدار البيضاء تستعد للحكم من جديد في النزاع القائم بين شركة Fives FCB ومجموعة يينا هولدينغ

تستعد محكمة الاستئناف بالدار البيضاء قريبا لإصدار حكم قضائي بالغ الأهمية، في النزاع القائم منذ عام 2009 بين شركة Fives FCB الفرنسية ومجموعة يينا هولدينغ» المغربية، هذا الحكم سيكون بمثابة سابقة قضائية تعرض على القضاء المغربي، إذ سيصبح  مرجعا ومقياسا وطنيا ودوليا على دور العدالة المغربية في تكريس مبدأ دولة الحق والقانون وترسيخ اندماج المغرب في محيطه العالمي عبر آليات التحكيم الدولي، وتأكيد التزامه المستمر بتحسين مناخ الأعمال وحماية مصالح الفاعلين الاقتصاديين المحليين والدوليين.

 

وقد سبق أن تم النظر في هذا النزاع من قبل محكمة التحكيم المشكلة بجنيف وفقًا لقواعد غرفة التجارة الدولية، بالإضافة إلى محكمتين مغربيتين أكدتا الضرر الذي لحق شركة Fives FCB، والمقدر بـ19 مليون يورو.

اليوم، تُطرح مسألة تنفيذ هذا الحكم كحالة مرجعية (Cas d’école). ومن المنتظر أن تبت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء في مدى قانونية لجوء مجموعة قابضة إلى تأسيس شركة ثانية لغرض إقامة مشروع لصناعة الإسمنت الذي يعد من أهم حاجيات الشركة الأم في نشاطها الاقتصادي، ثم قامت هي نفسها (المجموعة القابضة) بإيقاف نشاط فرعها  ”يينا اسمنت” وحرمانها من أصولها، للتهرب من مسؤولياتها والتزاماتها تجاه مقدمي الخدمات الذين تم التعاقد معهم.

 

الوقائع

 

في عام 2007، أطلقت مجموعة “يينا هولدينغ” مناقصة لبناء مصنع إسمنت بمنطقة كيسر.  وفي عام 2008، فازت شركة Fives FCB بهذه المناقصة، حيث تم إنشاء شركة جديدة لهدا الغرض تُدعى ”يينا إسمنت”، والتي لم تكن تملك حينها أي نشاط  سابق، فقام الرئيس المدير العام للشركة القابضة “يينا هولدينغ” ولفرعها ”يينا إسمنت” بالتفاوض على شروط العقد مع Fives FCB وعقب نهاية هذه المفاوضات، أصدرت “يينا هولدينغ”، عبر فرعها ”يينا إسمنت”، دفعة مقدمة بقيمة 13.2 مليون يورو لفائدة Fives FCB، وفي المقابل، أصدرت هذه الأخيرة، ضمانًا مصرفيًا لإعادة الدفعة المقدمة بنفس المبلغ مع عدم إمكانية استرجاعه إلا في حالة إثبات خلل في شروط التسليم، غير أنه في سنة 2009، تخلت مجموعة “يينا هولدينغ” وفرعها عن المشروع بشكل أحادي، دون تفسير أو تشاور مسبق، حيث قام في نفس السنة رئيس المجموعة المغربية من خلال رسالة موقعة من طرفه بتفعيل كامل الضمان المصرفي لإسترداد الدفعة المقدمة، في انتهاك صارخ لشروط العقد والضمان المصرفي رغم عدم قيام الشركة الفرنسية بأي خرق يبيح ذلك ، كما تم تحويل مبلغ 13.2 مليون يورو المستورد  من حساب ”يينا اسمنت” إلى حساب »يينا هولدينغ” ، مما أدى فعليًا إلى تفريغ حسابات الشركة التابعة الجديدة من أي سيولة وجعل أي متابعة قانونية للتعويض غير مجدية،  اذ جعلت هذه الخطوة شركة Fives FCB تتحمل 100٪ من عواقب التخلي عن المشروع، رغم عدم وجود أي إخلال تعاقدي من جانبها، الشيء الذي الحق ضررا كبيرا بها حيث تحملت لوحدها تكاليف باهظة في مجال الدراسات والاستشارات وتعبئة الخبراء، كما أن التفرغ التام للمشروع جعلها لا تشارك في أي مناقصات مماثلة كما قامت بتوظيف موارد بشرية إضافية وفقًا لذلك، إلى أن وجد العشرات من الأطر والمستشارين أنفسهم فجأة في حالة بطالة تقنية.

 

في مواجهة هذا الوضع، قدمت Fives FCB طلب تحكيم ضد ”يينا اسمنت” و”يينا هولدينغ” أمام محكمة التحكيم المشكلة بجنيف وفقًا لقواعد غرفة التجارة الدولية، حيث استندت شركة Fives FCB في دعواها ضدهما إلى العلاقة الواضحة بينهما وإلى قاعدة قانونية شبه عالمية، متبناة في القانون المغربي والمتمثلة في منع إساءة استخدام الحق، والاختباء وراء الشخصية المعنوية للتهرب من مسؤولية الأفعال، فأصدرت محكمة التحكيم المشكلة بجنيف، وفقًا لقواعد غرفة التجارة الدولية، حكمها بتاريخ 21 دجنبر 2011 حيث حكمت بوجوب التضامن بين ”يينا اسمنت” و”يينا هولدينغ” لدفع مبلغ 19.5 مليون يورو لـFives FCB، تغطي مبلغ الضمان الذي تم تفعيله بشكل غير قانوني من قبل “يينا هولدينغ” والضرر الذي لحق بـFives FCB بسبب التخلي الأحادي وغير المبرر عن المشروع، إذ أقرت محكمة التحكيم بوضوح إلى أن مجموعة “يينا هولدينغ” هي التي قررت بناء أول مصنع إسمنت لها بالمغرب،  وأن شعار “يينا هولدينغ” ظهر على جميع وثائق المناقصة وكذلك على أوراق الرسائل المتبادلة مع Fives FCB، وأن المفاوضات جرت في مكاتب  المجموعة الأم، كما لعب  السيد ميلود الشعبي دورًا رئيسيًا فيها، وتم توقيع العقد في مكاتب الشركة القابضة بحضور رئيسها ونائب رئيسها. الشيء الذي يجعلها لاعبا أساسيا بتدخلها الكامل في مرحلة تنفيذ العقد حيث أكدت في هذا الصدد أن «جميع هذه الوقائع المثبتة تكشف أن، خلال المرحلة التمهيدية، كانت “يينا هولدينغ” هي الشريك الحقيقي في جميع الإجراءات التي تم اتخاذها». كما أكدت المحكمة الدور الذي لا يمكن إنكاره والذي لعبته “يينا هولدينغ” عند فسخ العقد وتفعيل الضمان، مشيرة حتى إلى «نوع من الخلط بين الأصول»، فتأكد لمحكمة التحكيم أن هذه العناصر مجتمعة كافية لإشراك المجموعة الأم في تقاسم المسؤولية.

 

بعبارة أخرى، أشارت المحكمة إلى أن ”يينا اسمنت” كانت مجرد «قناة» لتمرير الأموال المستردة من الضمان إلى “يينا هولدينغ”. وأشارت كذلك إلى أن هذه النقطة تحديدًا تشكل «إساءة استخدام الحق» التي «وضعت Fives FCB في مواجهة كيان فارغ»، تبرر وحدها «اختراق حجاب الشخصية المعنوية»، وبالتالي توسيع نطاق شرط التحكيم ليشمل “يينا هولدينغ”، فخلصت محكمة التحكيم في النهاية إلى أن، السيطرة الكاملة لـ”يينا هولدينغ” على الشركة التابعة تجعلها متى أرادت في موقف عدم الوفاء بالتزاماتها تجاه باقي الأطراف، وحتى إنهاء وجودها من خلال حل مبكر.

وللحصول على تنفيذ هذا الحكم  وتذييله بالصيغة التنفيذية، أقدمت Fives FCB  على عرض هذه القضية على المحاكم المغربية المختصة، فتسنى لها ذلك بموجب حكم صادر بتاريخ 15 يناير 2015، عن محكمة الاستئناف بالدار البيضاء والقاضي بتنفيذ حكم محكمة التحكيم، حيث أشارت المحكمة إلى أن المغرب طرف في اتفاقية نيويورك المؤرخة في 10 يونيو 1958، والتي تهدف إلى ضمان اعتراف الدول الموقعة، والشركات التابعة لهذه الدول، بالتأثير الكامل للأحكام الصادرة في إطار التحكيم الدولي ودون الخوف من إعادة النظر فيها بشكل منهجي من قبل القضاة الذين قد يتناولون نزاعًا تم حله، كما أشارت كذلك أنه ووفقًا لكل من هذه الاتفاقية وقانون الإجراءات المدنية المغربي، يجب أن تقتصر صلاحيات قاضي التنفيذ على التحقق من توافق الحكم مع قواعد النظام العام بالمغرب.

وفقًا لهذا الهدف، أشارت المحكمة إلى أنه لا توجد أي اعتبارات  معينة بالنظام العام المغربي تعارض تنفيذ الحكم، وأن «التنفيذ بحسن نية للالتزامات» من بين هذه المبادئ الأساسية، فاعتبرت المحكمة بوضوح أن الحكم يتوافق مع النظام العام الدولي والمغربي  ومفهومه للعدالة الجيدة.

وبعد أن ربحت الشركة الفرنسية القضية استئنافيا، قدمت “يينا هولدينغ” طعنًا على هذا الحكم أمام محكمة النقض المغربية فأصدرت هذه الأخيرة حكمها بتاريخ 3 أكتوبر  2022، بقبول الطعن كما أقرت من حيث المبدأ، بصحة تمديد اتفاق التحكيم للغير) إلى طرف ثالث غير موقع عليه( بشرط أن يكون هذا التمديد مستندا إلى «دليل مطلق» و«لا جدال عليه»، وطلبت محكمة النقض من محكمة الاستئناف توضيح وتبرير قرارها بشكل أكثر تفصيلا معترفة بالتالي بمبدأ تمديد شرط التحكيم من شركة تابعة إلى شركة أم، لكنها ترغب في أن يتم تعليله بشكل أكبر، داعية بالتالي المحكمة التي ستقوم بالبت في القضية إلى تبرير قراراتها وإيلاء هذا الأمر عناية خاصة وعدم الاكتفاء بكون تطابق المقر الاجتماعي أو المديرين التنفيذيين مبررا كافيًا لتبرير تمديد الإدانة من شركة تابعة إلى شركتها الأم.

وخلاصة الأمر، أنه نزاع قائم منذ أكثر منذ 15 سنة، وهو نزاع مهم لمجموعة من الأسباب، والإشكالية المنتظر من محكمة الاستئناف بالدار البيضاء معالجتها بشكل قانوني، هي إشكالية احتماء الشركات الأم أو القابضة خلف شخصية معنوية لأحد فروعها للتنصل من مسؤوليات ممتدة عبر تجريد هذه الشركات من مواردها وإفراغها من كل مضمون.

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى