
نعيمة لحروري
لم يعد غلاء المحروقات في المغرب خبرا طارئا، ولا موضوعا ظرفيا يستحضر عند كل ارتفاع جديد في الأسعار، بل تحول إلى معطى ثابت في حياة المغاربة، نتعايش معه أكثر مما نفهمه. نتابع الأرقام، نتأفف، ثم نواصل الطريق، وكأن الأمر لا يستحق تفسيرا ولا مساءلة.
لكن المشكل الحقيقي ليس في الارتفاع نفسه، بل في تطبيع الحكومة معه، وفي قبولها الضمني بأن يظل الغلاء بلا شرح سياسي واضح.
حين ترتفع أسعار البنزين، يقدم لنا التفسير الجاهز: السوق الدولية، الأزمات، الحروب، تقلبات البرميل. وهي عوامل حقيقية، لا يمكن إنكارها. غير أن هذا التفسير يتجاهل عمدا ما يجري داخل السوق الوطنية، وكان دور الحكومة يتوقف عند نقل الأخبار القادمة من الخارج.
غلاء المحروقات ليس مجرد رقم يضاف إلى لوحة الأسعار، بل هو المدخل المباشر لكل موجات الغلاء الأخرى. فحين يرتفع البنزين يرتفع النقل، وترتفع كلفة التوزيع، وترتفع أسعار الخضر والخدمات، فيما تتقلص القدرة الشرائية، ويتوسع الصمت.
وهنا يصبح البنزين الشجرة التي تخفي غابة كاملة من الاختيارات الحكومية: غياب الشفافية، ضعف التواصل، وتردد واضح في التدخل لحماية المستهلك، حتى ولو بالحد الأدنى.
الحكومة مسؤولة، لا لأنها تملك عصا سحرية تنزل الأسعار، بل لأنها الجهة التي يفترض أن تنظم السوق، وتحمي المنافسة، وتضبط هوامش الربح، وتشرح للمواطن ما يجري باسمه ومن ماله. لكن ما يحدث هو العكس تماما، صمت رسمي، وبلاغات تقنية، ومواطن يترك وحيدا أمام محطة الوقود.
المقلق في ملف المحروقات ليس فقط الغلاء، بل تداخل الأدوار. حين تكون الحكومة مطالبة بالتحكيم بين الفاعلين الاقتصاديين، فإن أي شبهة، حتى وإن لم تصرح، تصبح عبئا سياسيا وأخلاقيا ثقيلا. ليس لأن النجاح في عالم الأعمال تهمة، بل لأن القرار العمومي يفقد معناه حين لا يكون بعيدا عنها.
المغاربة لا يطالبون بتسقيف دائم للأسعار، ولا بإلغاء قوانين السوق. يطالبون فقط بحكومة تصارحهم، وتشرح لهم لماذا يدفعون أكثر، ولماذا يبدو تدخلها محدودا حين يتعلق الأمر بقطاع حساس يمس كل تفاصيل حياتهم اليومية.
الخطير في هذا الغلاء المتكرر أنه لم يعد ينتج غضبا، بل إرهاقا. والإرهاق أخطر من الغضب، لأنه يقتل السؤال، ويطبع مع الوضع القائم، ويجعل المواطن مشغولا بالتأقلم بدل المطالبة.
وفي ظل هذا الواقع، يظل سؤال واحد مطروحا بإلحاح، ولا يمكن القفز عليه إلى ما لا نهاية :
كيف يمكن لحكومة يفترض أنها حكم بين الفاعلين الاقتصاديين، أن تقنع المغاربة بجديتها في تدبير ملف المحروقات، بينما يظل ملف الغلاء مفتوحا بلا شرح سياسي واضح، وبلا إجراءات ملموسة.





