
بقلم: خالص جلبي
مع ربيع 1945م كانت ألمانيا النازية في النزع الأخير، وكانت القاذفات الأمريكية تضرب قلب ألمانيا وتحيل مدنها إلى ركام. وكان ميناء مدينة (كيل Kiel) في الشمال ما زال يعمل ببعض من طاقته. وفي 25 مارس من العام نفسه، تحركت غواصة من الميناء وغطست في لجج بحر الشمال. كانت أكبر غواصة أنتجتها الصناعة الألمانية، ولم تكن للقتال، ولم يعرف أحد سر تلك الغواصة بمن فيهم معظم من كان على ظهرها! حتى تم الكشف عن سر تلك الرحلة المصيرية، قبل فترة قصيرة. عرفناها من قناة خاصة تعنى بـ«الكشف الحضاريDiscovert – Civilisation»، وعرفنا سرا خطيرا من أسرار التاريخ حملته تلك الغواصة العجيبة معها.
كان قائد الغواصة المقدم (فيلر Filler) من خيرة ضباط البحرية الألمانية ومن بقايا ضباط الغواصات، بعد أن خسرت ألمانيا 70 في المائة من سلاح الغواصات، وكل ثلاثة رجال من كل أربعة من أطقمها ماتوا حرقا وغرقا في أشنع ميتة يمكن تصورها. ماتوا تعساء مختنقين وتحت ضغط ساحق، في عمق بحر يكسر الضلوع كسرا. لم يعرف فيلر وجهة الغواصة تماما، ولم يعرف ما هي هذه الحمولة الفظيعة التي تكدست في بطنها، فقد شغلت الحمولة كل بطن الغواصة، وكان الأعجب من كل ما ذكرنا وجود شخصيتين يابانيتين غير معروفتين تنامان بجانب الحمولة، هما (هيديو توغوناغا HidioTogonaga) و(غينزو شوجي Ginzo Shogi)، واللذان لم يكونا في الواقع سوى حاملين لرتبتين عسكريتين عاليتين من سلاح الجو الياباني.
كان اسم الغواصة 234، وعلى بعض الصناديق عمد اليابانيان توغوناما وشوجي إلى وضع خط برقم أكبر 235، وظن الألمان المعروفون بالدقة أن هذا خطأ في كتابة اليابانيين ولم يكن كذلك. فهل خطر في بالنا ما الفرق برقم واحد بين 234 و235؟ الرقم الثاني هو اليورانيوم الجاهز لصناعة قنبلة ذرية من نوع التخصيب.
كان في بطن الغواصة أيضا جنرال كبير من سلاح الجو النازي هو (إيريك كسلرEric Kessler)، بالإضافة إلى مساعده (شيلكه Scelke) الذي حمل أطنانا من الأوراق، وكانت المهمة واضحة بالنسبة إليه أن ينتحر، في حال سقطت الوثائق في يد العدو، وأن يحرق جميع الوثائق التي معه، في حال وقوع الغواصة في الأسر.
كان الحلفاء منذ منتصف عام 1943 قد فكوا الشيفرة السرية النازية المعروفة بـ(إنجيما Enigma)، التي عرضت في فيلم مثير جدير بالرؤية. ولما تحركت الغواصة من مقرها، تابعوها باهتمام بالغ ولم يكونوا يعرفون أي صيد ثمين في جوفها. وبدؤوا يضربون الغواصة حيث تحركت، وكان ضابط الارتباط (بفاف Pfaff) ومساعده (منسل Mensel) يتعجبان من دقة معرفة الحلفاء وجهة سير الغواصة، مما اضطرهما أن يغوصا أكثر ليس لعمق 300 متر المعتاد، بل 900 متر، وهو حد الخطر من انهراس الغواصة تحت ضغط المحيط الساحق فنجيا. وكان اليابانيون أثناء هذا يتعرضون لضرب مخيف من سلاح الجو الأمريكي، فبدؤوا يستعجلون ويلحون على علمائهم في بناء السلاح النووي، الذي كان في الأصل تكنولوجيا ألمانية. وكان الرأس العلمي لهذا المشروع السري عالم ياباني هو (يوشيو ناشينا Yoshio Nashina)، الذي كان يشتغل سرا في مختبر (ريكين Rikin) بطوكيو، ومن أجل الحصول على اليورانيوم 235 الذي هو مادة القنبلة النووية، أرسلوا غواصة خاصة عبرت 48 ألف كلم للوصول إلى ألمانيا، وصلت سالمة بأعجوبة مع كل الوجود العسكري للحلفاء في الطريق الطويل، وهو يظهر دهاء وجلَد اليابانيين وحذقهم. وبعد وصول الغواصة قام سفير اليابان في ألمانيا بمقابلة هتلر، فأعطى الضوء الأخضر للآلة العسكرية الألمانية بتزويدهم بكل شيء، فألمانيا كانت في الرمق الأخير، وعسى أن يؤذي اليابانيون أمريكا ولو بعد موت ألمانيا النازية. وهكذا حملت الغواصة أشياء مرعبة، مثل أول طائرة نفاثة مقاتلة في العالم من نوع (أي إم 262 I.M) وصواريخ (فاو اثنين V2) (انتبهوا إلى نطق v بالألمانية)، وهي أول صواريخ بالستية اخترعتها ألمانيا لضرب بريطانيا، بالإضافة إلى وثائق لكل وآخر وأحدث التكنولوجيا العسكرية التي وصلت إليها ألمانيا.
كان هتلر يريد مد اليابان بآخر قطرة علم ودم، علها تفتك بأمريكا وتسبق إلى امتلاك السلاح النووي، وكان في بطن الغواصة الأهم وهو أكثر من نصف طن من مادة اليورانيوم الجاهز لصناعة قنبلة نووية، ولكن لم يكن كافيا، وإن كان يساهم في صناعة أول رأس نووي، وسبحان مقلب الأمور والأقدار؛ فلو بدأ اليابانيون والألمان بمشروعهم قبل أمريكا، لكان العالم اليوم ألمانيا يابانيا لا ندري؟ ولكان العالم يتكلم الألمانية بدل الإنجليزية. على كل هناك قول حول تبني أي لغة في أمريكا مع بنائها الأولي، والتصويت على اللغة الإنجليزية في الكونغرس بفارق صوت واحد. فالحرب أم التاريخ، كما يقول الفيلسوف اليوناني هيراقليطس، وأبوه العلم. والذي حدث أن ألمانيا هزمت، ووجه أميرال البحرية الجنرال (دونيتز Donitz) أوامر الاستسلام لكل قطع البحرية. وحين وصلت الأوامر إلى قبطان الغواصة بالاستسلام، ترددوا بين كندا وأمريكا، ثم سلموا أنفسهم إلى الأمريكان. ويقول ضابط الغواصة: «كان عجبنا شديدا من دقة المعلومات عندهم عنا»، ووقعت الغواصة في أيدي الأمريكيين الذين أخذوا اليورانيوم من بطنها لقنبلتهم النووية فضربوا بها اليابان في 6 و9 غشت (كانت قنبلة هيروشيما من اليورانيوم 235، أما ناغازاكي فمن البلوتونيوم 239)، أما الضابطان توموناغا وشوجي فقد انتحرا خوفا من عار الأسر، انتحرا ليس كما يفعل مقاتلو الساموراي ببقر البطون على الطريقة اليابانية، ولكنهما فضلا ومن التهذيب العالي عندهما، فلم ينتحرا بطريقة الساموراي فيلوثا الغواصة بدمائهما بثقب البطن بالسيف، بل انتحرا بأدب ولطف ياباني جم بجرعة السم. ورأيت مقابلة مع زوجتي الضابطين اليابانيين، وهما تتحدثان بلطف عن نهاية الزوجين الحبيبين. وتلك الأيام نداولها بين الناس.



