فوضى التعمير بين مسؤولية السلطات المحلية والمنتخبين
تلاعبات واختلالات خطيرة تهدد أرواح ملايين المغاربة

كشف حادث انهيار بنايتين بتجزئة حديثة بمدينة فاس وجود فوضى تعم قطاع التعمير بالمدن الكبرى، تستدعي ترتيب المسؤوليات لتفادي تكرار مثل هذه الحوادث المأساوية، والتي تخلف سنويا خسائر في الأرواح. وبذلك أصبحت هذه الفوضى تشكل تهديدا حقيقيا لسلامة المواطنين، وتتجلى في تنامي ظاهرة البناء العشوائي وانتشار دور الصفيح على هوامش المدن، وتبقى المسؤولية مشتركة بين السلطة المحلية والمنتخبين، وكذلك الوكالات الحضرية ومصالح وزارة التعمير في مراقبة الخروقات المتعلقة بالتراخيص لبناء المنازل والعمارات السكنية، دون الحصول على الرأي الموافق للوكالة الحضرية، وتسليم شهادات إدارية دون احترام القوانين والأنظمة الجاري بها العمل، ومنح رخص المطابقة والسكن، وكذلك رخص الربط بالماء والكهرباء لبنايات مخالفة لقوانين التعمير، وعدم تفعيل مسطرة زجر المخالفات في ميدان التعمير في حق المخالفين. وتنضاف إلى ذلك سلوكات متحايلة، تشجع بشكل مباشر على التمادي في التجزيء السري للعقارات، وبالتالي تساهم في استفحال البناء العشوائي الذي يحدث اختلالات بالنسيج العمراني للمدن، في ظل ضعف آليات المراقبة، بسبب افتقاد المسؤولين للإرادة والكفاءة المطلوبة والصرامة الكافية للضرب على أيدي المتلاعبين، الذين يهددون أرواح المغاربة.
إعداد: محمد اليوبي – النعمان اليعلاوي
مسؤولية السلطة المحلية في مراقبة وزجر مخالفات التعمير وهدم البنايات غير القانونية
في ظل الجدل المثار حول مسؤولية مراقبة وزجر مخالفات التعمير، صدر مرسوم يتعلق بتحديد كيفيات مراقبة وزجر المخالفات في ميدان التعمير والبناء، يندرج في إطار تطبيق مقتضيات القانون رقم 66.12 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء، والذي نص على منح الصفة الضبطية لمراقبي التعمير والبناء.
صفة ضابط شرطة قضائية لمراقبي التعمير
يمنح المرسوم صفة ضابط الشرطة القضائية، لممارسة مهام مراقب التعمير والبناء، للموظفين التابعين للوالي أو العامل المحددة أسماؤهم بموجب قرار مشترك للسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية والسلطة الحكومية المكلفة بالعدل، والموظفين العاملين بالمصالح اللاممركزة التابعة للسلطة الحكومية المكلفة بالتعمير المحددة أسماؤهم بموجب قرار مشترك للسلطة الحكومية المكلفة بالتعمير والسلطة الحكومية المكلفة بالعدل. ويشترط في الموظفين المشار إليهم، للحصول على صفة ضابط الشرطة القضائية لممارسة مهام مراقب في مجال التعمير والبناء، التوفر على أحد الشروط التالية، وهي دبلوم يخول الولوج إلى السلم 10 على الأقل، مع التوفر على أقدمية 4 سنوات من الخدمة الفعلية، أو دبلوم تقني متخصص في مجال التعمير والبناء أو الهندسة المعمارية أو المدنية أو الطبوغرافية أو رسم البناء، مع التوفر على أقدمية 4 سنوات من الخدمة الفعلية، إلى جانب ضباط الشرطة القضائية، ومراقبي التعمير التابعين للوالي أو للعامل أو للإدارة المخولة لهم الصفة الضبطية، أو دبلوم يخول الولوج إلى السلم 8 على الأقل، مع التوفر على أقدمية 8 سنوات من الخدمة الفعلية.
ويحدد المرسوم كيفيات تخويل صفة ضابط الشرطة القضائية للمراقبين في مجال التعمير والبناء ونطاق ممارستهم لمهامهم، وكيفيات ممارسة مهام المراقبة ومعاينة المخالفات في مجال التعمير والبناء، وممثلي السلطات الحكومية في اللجنة الإدارية المكلفة بالهدم، وكيفيات وضوابط إفراغ البنايات من معتمريها وتنفيذ عملية الهدم. وحدد هذا الفصل المقصود بـ«الإدارة» التي يتبع لها المراقبون في مجال التعمير والبناء والمتمثلة في السلطة الحكومية المكلفة بالتعمير. ويتضمن المرسوم مقتضيات تحدد صفة المراقب في مجال التعمير والبناء ونطاق ممارسته لمهامه، من خلال تحديد شكليات وشروط منح صفة ضابط الشرطة القضائية لمراقب التعمير والبناء، وتحديد النطاق الترابي لمزاولته لمهام المراقبة، وكذا آليات إعفائه ونزع الصفة الضبطية عنه، وينص، كذلك، على كيفيات ممارسة مهام المراقبة ومعاينة المخالفات في مجال التعمير والبناء، من خلال التأكيد على مبدأ تلقائية المراقبة، وتحديد كيفية مراقبة الأوراش، وكذا تدقيق بعض الإجراءات التي يتعين على المراقب اتخاذها في حالتي حجز المعدات ومواد البناء وإغلاق الورش، ويتضمن أحكاما تتعلق باللجنة الإدارية المكلفة بالهدم، تحدد تأليف هذه الأخيرة والدعوة إلى انعقادها من أجل الإشراف على عملية الهدم. ويحدد المرسوم كيفيات وضوابط إفراغ البنايات من معتمريها وتنفيذ عملية هدم الأشغال والأبنية موضوع المخالفة، وكيفية إدارة اللجنة الإدارية لعملية الهدم، وتحصيل المصاريف المترتبة عنه.
توحيد وتبسيط مساطر المراقبة
يهدف القانون رقم 66.12، المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء، إلى محاربة ظاهرة البناء العشوائي، وتجاوز الاختلالات التي تعرفها منظومة المراقبة وزجر المخالفات المعمول بها حاليا، وذلك من خلال توحيد وتبسيط مساطر المراقبة والزجر، وتوسيع صلاحيات المراقبين، مع تمكينهم من الوسائل القانونية والمادية للاضطلاع بمهام اليقظة والرصد وكذا القيام بكل التدابير لإنهاء المخالفات في مهدها عن طريق المساطر الإدارية أو عبر المسطرة القضائية بتخويلهم مهمة تحريك الدعوى العمومية. وتتمثل أهم مستجدات هذا المشروع في تخويل مراقبي التعمير، التابعين للوالي أو للعامل أو للإدارة، صفة ضابط الشرطة القضائية، وتوحيد مساطر المراقبة والزجر الإداري وكذا مساطر تحريك الدعوى العمومية، سواء المتعلقة بالتجزيء والتقسيم أو بالتعمير والبناء، والتنصيص على تحرير محاضر معاينة المخالفات طبقا للشروط المحددة في قانون المسطرة الجنائية، وتوجيهها في ظرف ثلاثة أيام إلى النيابة العامة قصد تسريع تحريك المتابعة القضائية، وتخويل ضباط الشرطة القضائية ومراقبي التعمير صلاحية اتخاذ التدابير المتعلقة بالإنذار والأوامر بالإيقاف الفوري للأشغال وحجز المواد والمعدات المستعملة في البناء موضوع المخالفة وتعيين المخالف حارسا عليها ووضع الأختام.
وجاء القانون، كذلك، بمقتضيات جديدة لتعزيز عملية تتبع الأوراش المرخصة وتقنين عملية فتحها وإغلاقها، وتوسيع نطاق التجريم ليشمل جميع المتدخلين والمهنيين عندما تصدر عنهم أوامر أو توجيهات تنتج عنها المخالفة أو تسهل في ارتكابها وكذا بائعي مواد البناء بدون رخصة المستعملة في المخالفة، وتقنين عملية هدم البناء غير القانوني بإحداث لجنة إدارية مكلفة بالهدم وتنظيم المسطرة الخاصة بذلك، وتعزيز الطابع الردعي للعقوبات من خلال إقرار عقوبات سالبة للحرية في بعض الحالات واعتماد الهدم عقوبة ردعية وكذا الرفع من مبلغ الغرامات المعمول بها في القوانين الجاري بها العمل.
ويتضمن القانون العديد من العقوبات الزجرية، إذ يعاقب بغرامة مالية من 10.000 إلى 100 ألف درهم كل من باشر بناء أو شيده من غير الحصول على رخصة سابقة بذلك، أو في منطقة غير قابلة، بموجب النظم المقررة، لأن يقام بها المبنى المشيد، أو الموجود في طور التشييد. وإذا عاد المخالف إلى اقتراف المخالفة نفسها داخل أجل السنة الموالية للتاريخ الذي صار فيه الحكم الصادر في المخالفة الأولى مكتسبا لقوة الشيء المقضي به، يعاقب بالحبس من 3 أشهر إلى سنة واحدة، ويعاقب بغرامة من 10 آلاف إلى 50 ألف درهم كل من سلمت له رخصة بناء، وقام بتشييد بناء خلافا للرخصة المسلمة له، وذلك بتغيير العلو المسموح به والأحجام والمواقع المأذون فيها أو المساحة المباح بناؤها، أو الغرض المخصص له البناء، ويعاقب بغرامة من 50 ألفا إلى 100 ألف درهم كل من سلمت له رخصة بناء، وقام بتشييد بناء خلافا لها، وذلك بزيادة طابق أو طوابق إضافية.
الأعطاب القانونية في مجال التعمير بين الغموض التشريعي وتحديات التنفيذ
يشكل التعمير أحد الركائز الأساسية للتنمية الحضرية والاجتماعية والاقتصادية، إلا أن القطاع يواجه منذ سنوات متراكمة أعطاباً قانونية عميقة انعكست بشكل مباشر على جودة المخطط العمراني في المدن الكبرى والمتوسطة والصغيرة على حد سواء. وتعكس هذه الأعطاب القانونية تراكماً لسنوات من التداخل بين القوانين، وغموض الصلاحيات، وافتقاد بعض النصوص للتطبيق العملي الفعال، ما أنتج بيئة عمرانية غير متجانسة، وأدى إلى توسع الأحياء غير المهيكلة وانتشار البناء غير القانوني، إلى جانب تداعيات اجتماعية واقتصادية جسيمة.
تعدد الإطارات التشريعية
تعود جذور هذه الأعطاب القانونية إلى تعدد الإطارات التشريعية المنظمة للتعمير، والتي غالباً ما تتداخل أو تتناقض في بعض الجوانب. فهناك القانون الأساسي للتعمير والقوانين الخاصة بالحماية البيئية، والقوانين المتعلقة بالملكية العقارية، والقوانين المرتبطة بالحقوق السلالية، إضافة إلى اللوائح المحلية والجماعية. وغالباً ما يخلق هذا التعدد نوعاً من الغموض حول المسؤوليات: من يملك حق اتخاذ القرار النهائي؟ من يتحمل مسؤولية الرقابة؟ وما هي العقوبات المترتبة على التجاوزات العمرانية؟ هذا الغموض يوفر مساحة واسعة للفساد أو التجاوز، ويضع المواطنين والمستثمرين في مواجهة معقدة مع الإدارة، حيث يجد البعض أنفسهم عالقين بين متطلبات القانون ومتطلبات الحياة اليومية.
إحدى أبرز المشكلات القانونية في مجال التعمير تتعلق بعدم تحديث القوانين بما يتلاءم مع التحولات الحضرية السريعة. ففي الوقت الذي تشهد فيه المدن الكبرى نمواً ديموغرافياً كبيراً نتيجة الهجرة الداخلية، فإن النصوص القانونية غالباً ما تظل محددة بمرجعيات قديمة لا تعكس حجم التحديات الراهنة. وغالباً ما تتسم هذه النصوص بالجمود، سواء في ما يتعلق بالشروط التقنية للبناء، أو آليات الترخيص، أو طرق معاقبة المخالفين، وهو ما يؤدي إلى فراغ قانونية يُستغل في كثير من الحالات لتجاوز الضوابط العمرانية.
إشكالية أخرى تكمن في التطبيق غير المتجانس للقوانين بين الجهات والمستويات الإدارية المختلفة. فعلى الرغم من وجود نصوص واضحة على الورق، فإن التنفيذ غالباً ما يتوقف عند حدود التفويض الجزئي للسلطات المحلية، أو ضعف الموارد البشرية المؤهلة للرقابة، أو تضارب المصالح بين المنتخبين والفاعلين الاقتصاديين. هذا الواقع يجعل من الصعب فرض المعايير القانونية على الجميع، وهو ما يفاقم الهشاشة العمرانية ويحد من القدرة على خلق فضاءات حضرية متجانسة ومستدامة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن العلاقة بين القانون وحقوق الملكية العقارية في المغرب غالباً ما تمثل نقطة ضعف كبيرة. فالقوانين المتعلقة بالملكية، سواء كانت خاصة أو سلالية، لا تتسم دائماً بالوضوح أو الشفافية، كما أن النزاعات العقارية طويلة الأمد تعرقل المشاريع العمرانية. ففي العديد من المدن، يتم رفض مشاريع التهيئة المحلية أو توسيع الشوارع بسبب نزاعات قضائية حول ملكية الأراضي، أو بسبب عدم وضوح الإجراءات المتعلقة بالاستحواذ على العقارات المستهدفة، ما يساهم في تأجيل المشاريع ويخلق بيئة غير مستقرة للاستثمار العمراني.
تتفاقم هذه الأعطاب القانونية عندما يتعلق الأمر بالمراقبة والتفتيش. إذ ينص القانون على وجود آليات لمعاقبة المخالفين، سواء من خلال الغرامات، أو الهدم، أو المسؤولية الجنائية، إلا أن هذه الآليات غالباً ما تكون صعبة التطبيق بسبب ضعف التنسيق بين المصالح، أو نقص الموارد المالية والبشرية، أو تعقيد الإجراءات القضائية. ونتيجة لذلك، تصبح العقوبات شكلية أو متأخرة، ما يفقد القانون قدرته الردعية، ويشجع البعض على المضي في التجاوزات العمرانية بدون خوف من المحاسبة الفورية.
أهمية البعد الاجتماعي
يلعب البعد الاجتماعي دوراً محورياً في فهم الأعطاب القانونية. كثير من المواطنين يجدون أنفسهم مجبرين على تجاوز القانون بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة، أو الحاجة الملحة للسكن، أو ارتفاع تكلفة الالتزام بالمعايير التقنية والرسوم القانونية. هذا الواقع يطرح تساؤلات حول مدى قدرة القانون على مواجهة التحديات الاجتماعية دون وضع سياسات موازية توفر السكن اللائق للفئات الضعيفة، وتعزز من الالتزام القانوني من خلال الدعم والتحفيز، وليس فقط العقوبات.
في هذا السياق، تشير الخبرة الميدانية إلى أن أي إصلاح للتعمير يجب أن يبدأ بتوضيح الصلاحيات وتبسيط القوانين، دون التفريط في المعايير التقنية. فتبسيط المساطر القانونية قد يسهم في تعزيز التزام المواطنين والمستثمرين بالقانون، لكن دون وضع آليات حماية للمواصفات العمرانية والجودة، فإن تبسيط المساطر وحده لن يحقق النتائج المرجوة. على العكس، قد يؤدي إلى زيادة التجاوزات وانتشار البناء العشوائي في أحياء جديدة.
من هنا يظهر أن معالجة الأعطاب القانونية في التعمير ليست مسؤولية الإدارة وحدها، بل تتطلب رؤية شاملة تشمل المواطن والمهنيين والمستثمرين، إلى جانب تحديث الإطار القانوني بما يتلاءم مع الواقع المعاصر للمدن المغربية. كما أن الأمر يستدعي تعزيز المراقبة، وربطها بآليات واضحة للإنفاذ، مع توفير بدائل اجتماعية واقتصادية للأسر ذات الدخل المحدود، لضمان التوازن بين القانون واحتياجات السكان، وتحقيق تنمية حضرية مستدامة.
في نهاية المطاف، يمكن القول إن الأعطاب القانونية في مجال التعمير تعكس تراكمات تاريخية وغياب رؤية متكاملة للسياسات العمرانية. وإصلاح هذا القطاع لن يتحقق إلا من خلال مقاربة متشابكة تجمع بين تحديث النصوص القانونية، تبسيط الإجراءات، تعزيز المراقبة، احترام المعايير التقنية، ودمج البعد الاجتماعي والاقتصادي في كل السياسات العمرانية. فالتحدي لا يقتصر على إنفاذ القانون، بل يمتد إلى بناء مدن آمنة ومستدامة توفر السكن اللائق لجميع المواطنين، وتعيد الاعتبار للتخطيط الحضري كأداة فعالة للتنمية والتماسك الاجتماعي.
مسؤولية الوكالات الحضرية في إعداد الوثائق ومراقبة خروقات التعمير
تضم شبكة الوكالات الحضرية 30 وكالة تم إنشاؤها تدريجيا، خلال الفترة الممتدة ما بين سنتي 1984 و2013. وتخضع هذه المؤسسات العمومية التي تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي لوصاية القطاع الحكومي المكلف بالتعمير وإعداد التراب الوطني، ويدير الوكالات مجلس إدارة ويدبر شؤونها مدير، باستثناء الوكالة الحضرية للدار البيضاء التي يرأسها عامل وتخضع لوصاية وزارة الداخلية.
أوجه قصور.. رهانات وتحديات
على الرغم من مساهمتها في التطور المهم الذي حققه المغرب في مجالي التعمير وإعداد التراب، ومراكمتها لخبرة تتجاوز 30 سنة، ما زالت ممارسة الوكالات الحضرية لمهامها تتسم بمجموعة من أوجه القصور، في ظل بيئة تعرف تدخل العديد من الفاعلين، وتتداخل فيها رهانات مهمة ذات ارتباط وثيق بالتنمية الحضرية والتحديات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.
ورصد قضاة المجلس الأعلى للحسابات أن العديد من الوكالات لا تقوم بأداء مهمة المراقبة المنوطة بها بشكل فعال، وذلك بسبب نقص الموارد البشرية، وهيمنة مهمة التدبير الحضري على حساب المهام الأخرى للوكالات. وأشار التقرير في هذا الصدد، إلى أن الموارد البشرية المخصصة لمهمة المراقبة تمثل حوالي 5 بالمائة من إجمالي مستخدمي الوكالات (أي حوالي 107 من إجمالي 1.982 مستخدما).
وتقتصر مهمة المراقبة الممارسة من طرف الوكالات الحضرية، طبقا للترسانة القانونية الحالية (سيما القانون رقم 12.66 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في ميدان التعمير والبناء) على إحالة المخالفات على المراقبين التابعين للسلطة المحلية، الذين يتوفرون على الصفة الضبطية. غير أنه لا يتم إبلاغ الوكالات بمآل الملفات المحالة في هذا الإطار على السلطة المحلية (حفظ وتصحيح المخالفات والمتابعات القانونية وعمليات الهدم، والعقوبات وما إلى ذلك).
إضافة إلى ما سبق، وباستثناء بعض الوكالات، وخاصة الوكالتين الحضريتين للدار البيضاء وتطوان، فإن استخدام الحلول الرقمية والتقنيات الحديثة (المراقبة بواسطة الطائرات بدون طيار، على سبيل المثال)، لتحسين المراقبة لا يزال محدودا. ينضاف إلى ذلك غياب منصة معلومات مشتركة بين مختلف الفاعلين المحليين، تهم مراقبة عمليات التعمير والتي تسمح برصد شامل لكل عمليات المراقبة.
وحسب تقرير صادر عن المجلس الأعلى للحسابات، فإن الوكالات الحضرية تقوم بدور مهم في الإشراف على عمليات التمدن والتنمية الترابية، باعتبارها شريكا تقنيا للفاعلين المحليين، وقد مكنت الجهود التي تبذلها هذه المؤسسات قصد تغطية التراب الوطني بوثائق التعمير، من إنتاج أكثر من 700 وثيقة تخطيط بين سنتي 2016 و2021، ويتعلق الجزء الرئيسي منها بتصاميم تهيئة، مما رفع معدل التغطية الوطنية من 68 بالمائة في سنة 2016 إلى 85 بالمائة في سنة 2021.
وتواجه الوكالات الحضرية في قيامها بالدور المتعلق بإعداد وثائق التعمير، العديد من المعيقات المرتبطة، من جهة، ببطء الإجراءات وتعقيدها وبتعدد الفاعلين المتدخلين في العملية وكذا صعوبة الوصول إلى المعلومة، ومن جهة أخرى، بنقص مواردها المالية والبشرية، سيما في ما يخص بعض الكفاءات المتخصصة والإكراهات المرتبطة بحدود اختصاصها الترابي.
وفي هذا الصدد، أشار التقرير إلى أن التخطيط الحضري لا يخضع في كثير من الأحيان لمنطق متناسق، وأن إعداد وثائق التعمير لا يحترم منطقا تراتبيا انطلاقا من المخططات الجهوية والتوجيهية إلى التصاميم الخاصة. وهو ما يثير إشكالية تناسب المجال المعتمد للتخطيط، والذي يظل مقيدا بالاختصاص الترابي للوكالات الحضرية.
بالإضافة إلى ذلك، تم تسجيل تأخير في إعداد وثائق التعمير، فبالنسبة إلى الأهداف التي حددها القطاع الوزاري المكلف بالتعمير، وخاصة مدة ثلاث سنوات للمخطط التوجيهي للتهيئة العمرانية وسنة ونصف السنة لتصاميم التهيئة، وسنة واحدة لتصميم نمو التكتلات العمرانية القروية، فإن متوسط المدة اللازمة لإعداد الوثائق المذكورة يصل أحيانا إلى سبع سنوات بالنسبة إلى المخطط التوجيهي للتهيئة العمرانية، وخمس سنوات بالنسبة إلى تصاميم التهيئة، وأربع سنوات ونصف السنة في ما يخص تصميم نمو التكتلات العمرانية القروية.
وسجل التقرير أن مكاتب الدراسات التقنية التي تكلفها الوكالات الحضرية بإعداد وثائق التعمير، تلتزم بآجال تعاقدية قصيرة وغير واقعية في كثير من الأحيان، بالنظر إلى الإكراهات التي تواجهها في ما يتعلق بجمع وتوفر المعلومات والبيانات التي تخص مصالح أخرى، بالإضافة إلى عدم وضوح المواعد النهائية للمراحل الأخرى من الدراسات. وفي بعض الأحيان، تتسبب معيقات إجرائية داخلية أخرى، على مستوى الوكالات الحضرية، في تأخير أو حتى عدم إتمام تلك الدراسات.
وأكد تقرير المجلس الأعلى للحسابات أن مقتضيات وثائق التعمير تفتقد إلى المرونة اللازمة، مما يحول دون قابليتها للتكيف مع الديناميات الجديدة والتعامل مع القضايا والخصوصيات الترابية والتطورات المستجدة. ويعود هذا الأمر إلى أن قواعد تهيئة كل قطاع، والأحكام التي تنطبق عليها، لا توفر هامشا للمرونة. ويعزز هذا المنحى أن الوثائق المذكورة تجمد أحكام التعمير لفترة طويلة تتجاوز 10 سنوات، ولا يمكن مراجعتها إلا وفقا للإجراءات ذاتها المتبعة لدى إعدادها.
كذلك، حث القطاع المكلف بالتعمير الوكالات الحضرية، من خلال المنشور الوزاري رقم 4463، بتاريخ 27 ماي 2014، على تقييم إعداد وثائق التعمير وإطلاق طلبات عروض متعلقة بتعديل أو مراجعة وثائق التعمير سنتين على الأقل، قبل انقضاء إعلان المنفعة العامة المتعلقة بتصميم نمو التكتلات العمرانية القروية وتصاميم التهيئة، إلا أن التقييم المذكور لا يتم من قبل الوكالات الحضرية، إلا بمناسبة اعتماد تصميم تهيئة جديد، من خلال دمج تقييم الوثيقة القديمة في عقد الدراسات المتعلق بتصميم التهيئة الجديد.
عوامل تحد من قدرات الوكالات
خلص التقرير إلى أن هذا الوضع يعد من العوامل التي تحد من قدرة الوكالات الحضرية على اقتراح رؤية استراتيجية متكاملة للتنمية الترابية بشكل عام، ويجعل وثائق التعمير في بعض الأحيان غير متوافقة مع الواقع المحلي.
الحاجة إلى ملاءمة دور الوكالات الحضرية
وأكد التقرير، في ما يتعلق بالتدبير الحضري، على أهمية التقيد بـ«الرأي الملزم» الذي تبديه الوكالات الحضرية عند تقديم طلبات الحصول على الرخص، والذي يمنحها، بموجب القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات (سيما المادة 101 منه)، موقعا راجحا من حيث المشاركة في إصدار رخص البناء والتجزيء، وكذا طبقا لمقتضيات المادة 35 من المرسوم رقم 2.13.424 الصادر في 24 ماي 2013 بالموافقة على ضابط البناء العام.
وأبرز التقرير أن الجهود المبذولة من طرف الوكالات الحضرية خلال الفترة 2015-2021، قد مكنت من دراسة 100.000 ملف سنويا، 80 بالمائة منها تخص مشاريع صغيرة.
وفي هذا الإطار، يضيف التقرير فإن مهمة التدبير الحضري تمثل جزءا هاما من نشاط الوكالات الحضرية وتتطلب تعبئة عدد كبير من مواردها البشرية (35 بالمائة منهم مكلفون بهذه المهمة). كما أن الجهود المبذولة في دراسة ملفات طلبات الترخيص موجهة بشكل أساسي نحو المشاريع الصغيرة على حساب المهام الاستراتيجية الأخرى للوكالات، وخاصة مهمة التخطيط.
وتطرق التقرير كذلك إلى إشكالية عدم احترام الآجال التنظيمية لدراسة الملفات، على الرغم من تعميم منصة «رخص» منذ سنة 2020، وكذا تجاوز بعض رؤساء الجماعات أحيانا لآراء الوكالات الحضرية. أما في ما يتعلق بالمشاريع الكبيرة المهيكلة، فلا تتوفر الوكالات الحضرية على إطار واضح يحدد طبيعة تدخلها، ولا على نظام مرجعي متجانس لدراسة هذا النوع من المشاريع.
اختلالات التعمير.. تراكمات بنيوية بين النمو السريع والهشاشة العمرانية
شهدت المدن الكبرى، خلال العقود الأخيرة، تحولات حضرية واجتماعية عميقة، بفعل التوسع السكاني المتسارع والهجرة القروية نحو المراكز الحضرية، وهو ما خلق ضغطا كبيرا على البنية التحتية الحضرية وعلى منظومة التهيئة العمرانية. ورغم التطور الكبير الذي شهدته بعض المدن من حيث مشاريع التهيئة والتعمير، ما زالت العديد من الأحياء تعاني من اختلالات بنيوية مترسخة تعكس تراكمات تاريخية ومشكلات تنظيمية مستمرة، وهو ما يطرح إشكاليات كبرى حول جدوى السياسات العمرانية وآليات الرقابة والمراقبة.
نمو ديموغرافي سريع
إحدى أبرز سمات المدن الكبرى، مثل الدار البيضاء، الرباط، طنجة، مراكش وفاس، هي النمو الديموغرافي السريع الذي لم يكن دائما مرفوقا بتخطيط حضري فعال. فقد أدت موجات الهجرة غير المنظمة من الأرياف إلى الضغط على الأراضي المتاحة، ما تسبب في ظهور تجمعات سكنية غير مهيكلة وأحياء هامشية خارج الإطار القانوني، وغالبا دون احترام المعايير التقنية المرتبطة بالبناء. هذه الأحياء لا توفر فقط ظروفا سكنية غير آمنة، بل تشكل تحديات لوجستية كبيرة أمام السلطات المحلية في ما يتعلق بتوفير الخدمات الأساسية، مثل الماء والكهرباء والصرف الصحي، والتعليم والصحة.
الاختلالات العمرانية في المدن الكبرى لا يمكن اختزالها في عجز تقني، أو خلل إداري عابر، بل هي نتيجة تراكمات متعددة الجوانب. ضعف المراقبة خلال العقود السابقة، وغموض توزيع الصلاحيات بين الجماعات المحلية والوكالات الحضرية، وعدم التنسيق الكافي بين مختلف المؤسسات، كلها عوامل ساهمت في انتشار البناء غير القانوني، وتوسع الأحياء غير المهيكلة. كما أن العديد من المشاريع العمرانية الكبرى شهدت صعوبات في التنفيذ، نتيجة التضارب بين مصالح الجهات المختلفة، أو بين الرؤية التنموية والاعتبارات الاقتصادية للمستثمرين، ما أدى إلى تأجيل مشاريع، أو تركها في حالة شبه توقف.
البعد الاجتماعي يشكل عاملا أساسيا في فهم الأزمة العمرانية، فالأسر ذات الدخل المحدود تواجه خيارات صعبة بين احترام المعايير القانونية والتقنية للبناء، وهو مكلف ماديا، وبين اللجوء إلى حلول غير قانونية توفر سكنا سريعا، ولكن على حساب السلامة والجودة. هذا الوضع يخلق بيئة عمرانية غير مستدامة، ويجعل من الصعب تطبيق أي سياسات تنظيمية بدون مراعاة الواقع الاقتصادي والاجتماعي للسكان. لذا، فإن أي إصلاح حقيقي للتعمير يجب أن يدمج هذه الأبعاد الاجتماعية، ولا يقتصر على مجرد تعديل المساطر أو فرض العقوبات.
من جهة أخرى، لا يمكن إغفال دور المهنيين في هذا السياق. كثير من المقاولين والمهندسين والمكاتب التقنية يتحملون جزءا من المسؤولية، سواء بسبب ضعف الالتزام بالمعايير، أو البحث عن الربح السريع على حساب الجودة والسلامة، أو نقص التأطير والرقابة المهنية. كما أن بعض المستثمرين يفضلون تجاوز القوانين من أجل تحقيق أرباح أكبر، ما يعمق هشاشة النسيج العمراني. إذن، الاختلالات في التعمير ليست مسؤولية الإدارة وحدها، بل هي نتيجة تفاعل معقد بين المواطنين، والمهنيين، والمستثمرين، والسلطات.
جدل تبسيط المساطر العمرانية
مسألة تبسيط المساطر العمرانية أثارت نقاشات واسعة بين الفاعلين. صحيح أن الإجراءات الإدارية الحالية قد تكون بطيئة أو معقدة، وأن تبسيط المساطر يمكن أن يحفز الاستثمار ويقلص البيروقراطية، لكنه وحده لن يحل الأزمة. فالمساطر مرتبطة بمعايير تقنية وقانونية تضمن السلامة، وجودة الفضاءات، واستدامة التجهيزات العمومية. تجاوز هذه المعايير باسم السرعة أو التسهيل قد يؤدي إلى كوارث عمرانية كما حصل في بعض الانهيارات الأخيرة للأبنية. ولذلك، فإن الإصلاح يجب أن يكون متوازنا، يخفف التعقيد الإداري، دون التفريط في المعايير الأساسية.
أحد أهم التحديات التي تواجه المدن الكبرى هو التوزيع غير المتوازن للخدمات. فالمراكز الحضرية الكبرى تستقطب الاستثمارات، وتترك المناطق الطرفية عرضة للتهميش، ما يزيد من التفاوتات ويعزز توسع الأحياء غير المهيكلة. هذا التمركز يؤدي أيضا إلى صعوبات في مراقبة البناء، وإلى تراكم مخالفات عمرانية تستعصي على الحلول التقليدية. لذا، من الضروري أن ترافق السياسات العمرانية مشاريع توزيع متوازن للخدمات والبنيات التحتية، بالإضافة إلى خطط لتقوية المراقبة والإنفاذ.
تجارب بعض المدن الكبرى أظهرت أن التراكمات العمرانية يمكن التعامل معها من خلال استراتيجيات شاملة. فمشاريع إعادة الهيكلة، وتطوير البنيات التحتية، وإعادة تنظيم الأحياء غير المهيكلة، فضلا عن حملات التوعية بالمعايير العمرانية والحق في السكن اللائق، أسهمت في تحسين بعض المناطق. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الاستراتيجيات مرتبط بالقدرة على الدمج بين البعد التقني والقانوني والاجتماعي، وعدم الاكتفاء بالحلول الجزئية أو العقوبات المتفرقة.
في النهاية، يمكن القول إن أزمة التعمير في المدن الكبرى المغربية تمثل نموذجا معقدا لتفاعل العوامل الديموغرافية، الاجتماعية، الاقتصادية، والتقنية. إصلاح القطاع يتطلب رؤية متكاملة تراعي حقوق السكان، وتضمن جودة وسلامة البناء، وتعزز المسؤولية المشتركة بين الدولة، والمواطن، والمهنيين، والمستثمرين. فالتحدي ليس فقط في توفير السكن، بل في بناء مدن مستدامة، آمنة، ومرنة أمام الضغوط المستقبلية للنمو السكاني والتحولات الاقتصادية والاجتماعية.
من هنا، يصبح واضحا أن إصلاح التعمير ليس مهمة إدارية فقط، بل مشروع مجتمعي طويل المدى، يبدأ بتغيير ثقافة احترام القانون لدى المواطن، ويستمر بتأطير مهني صارم، ويكتمل بسياسات حكامة واضحة وفعالة من قبل السلطات المختصة، تضمن التوازن بين التنمية والحفاظ على جودة الحياة الحضرية.
عادل الزبادي*: «أعطاب التعمير بنيوية والمسؤوليات مشتركة تتجاوز تبسيط المساطر»
- كيف تنظرون إلى جذور اختلالات التعمير في المغرب؟ هل هي نتائج ظرفية أم تراكمات بنيوية؟
من الصعب جداً اختزال ما يعرفه قطاع التعمير بالمغرب في مجرد نتائج ظرفية أو أخطاء تقنية يمكن تجاوزها بسهولة. فنحن أمام اختلالات بنيوية تراكمت عبر عقود طويلة، خصوصاً داخل المدن الكبرى التي عاشت ضغطاً ديموغرفياً غير مسبوق بفعل الهجرة القروية المكثفة وغير المتحكم فيها. هذا الضغط خلق ديناميات عمرانية واجتماعية لم تتمكن الأجهزة المسؤولة عن التعمير من مواكبتها بالسرعة والفعالية اللازمتين، فكانت النتيجة ظهور تجمعات سكنية غير مهيكلة، بعضها نشأ خارج الإطار القانوني تماماً، وبعضها الآخر نما داخل ثغراته الواسعة والغائمة.
لقد شهدت مدن، مثل الدار البيضاء والرباط وفاس وطنجة ومراكش، موجات توسع عمراني لم تُصاحبها دائماً رؤية تخطيطية واضحة، وغالباً ما تم اللجوء إلى حلول ترقيعية أو ظرفية لتلبية طلبات اجتماعية ملحة، في غياب آليات مراقبة حقيقية وفي ظل توزيع معقد للصلاحيات بين الجماعات المحلية والوكالات الحضرية والسلطات الإقليمية. ناهيك عن أن ضعف التنسيق بين هذه المؤسسات ساهم في تراكم الإشكالات، بحيث تحول الخلل من حالات فردية معزولة إلى بنية عمرانية متداخلة، ينتج عنها اليوم ما نراه من هشاشة في عدد من الأحياء.
ولا يمكن، كذلك، إغفال البعد الاجتماعي، فالكثير من الأسر ذات الدخل المحدود تعتبر احترام المعايير العمرانية أمراً مكلفاً، سواء من حيث اللجوء إلى المهندس المعماري أو تحمل تكلفة مواد البناء ذات الجودة المطلوبة، أو أداء الرسوم المرتبطة برخص التعمير. ونتيجة لذلك، تم اللجوء إلى حلول غير قانونية، أو توسعات غير آمنة، ما خلق نسيجاً عمرانياً ضعيفاً وغير متجانس، وبالتالي فإن ما نراه اليوم هو انعكاس مباشر لتلك التراكمات، وليس مجرد تعثرات حديثة يمكن تجاوزها بسهولة أو عبر قرارات تقنية سريعة.
- هناك من يقدم تبسيط المساطر بوصفه حلا مباشرا للأزمة، إلى أي حدّ تعتبرون هذه المقاربة كافية أو ملائمة؟
لا أحد يعارض مبدأ تبسيط المساطر، فهو يساهم في تعزيز الثقة بين الإدارة والمواطن، ويُسهل الاستثمار، ويُقلص من الزمن الإداري ويُحارب البيروقراطية التي تُفرز بدورها ممارسات غير قانونية. لكن الاعتقاد بأن تبسيط المساطر هو الحل المركزي والوحيد لمشاكل التعمير تبسيط مفرط لإشكالية عميقة ومعقدة. فالمساطر ليست مجرد مراحل إدارية بل هي منظومة متكاملة تُشكل خط الدفاع الأول لضمان سلامة البنايات وجودة الفضاءات واستدامة التجهيزات العمومية.
إن جزءاً كبيراً من المساطر يرتبط بمعايير تقنية وقانونية لا يمكن تجاوزها أو اختصارها دون تعريض حياة الناس للخطر. فكل ما يتعلق بدراسة التربة، وجودة الإسمنت، ومعايير مقاومة الزلازل، وتصاميم البناء، ومسارات الربط بالشبكات الأساسية، ليست خطوات شكلية بل عناصر حيوية تُجنب الحوادث والانهيارات التي نسمع عنها بين الفينة والأخرى..، وبالتالي فإن أي تبسيط غير مدروس قد يفتح الباب أمام تجاوز معايير السلامة، وهو ما ستكون له كلفة بشرية واقتصادية واجتماعية باهظة.
صحيح أن جزءاً من التأخير في المساطر يعود إلى البيروقراطية وضعف التنسيق أو تعقيد الإجراءات. وهذا يتطلب إصلاحاً جذرياً لمنظومة التدبير لا مجرد تخفيف على الورق. لكن إصلاح المساطر وحده لا يمكن أن يعالج هشاشة عمرانية راكمتها سنوات من البناء غير القانوني ومن غياب التخطيط المواكب للنمو الديموغرافي. المطلوب اليوم رؤية شاملة تشمل الجانب التقني والاقتصادي والاجتماعي، لأن اختزال الأزمة في «الباب الإداري» فقط لن يفيد إلا في خلق صورة وهمية للإصلاح دون معالجة جذوره العميقة.
– في النقاش العمومي، تُوضع المسؤولية دائماً على عاتق الدولة، إلى أي حدّ ترون أن المواطن والمهنيين جزء من الأزمة؟
صحيح أن الدولة تتحمل مسؤولية مركزية في التخطيط والمراقبة وتنظيم المجال، لكن من غير الواقعي تحميلها وحدها مسؤولية أزمة عمرانية بهذا الحجم. فحتى في أكثر الدول تقدماً، لا تستطيع الحكومات توفير السكن للجميع أو مراقبة كل تفصيلة عمرانية بشكل مطلق. لذلك من المهم توسيع دائرة النقاش لتشمل مسؤولية المواطن والمهنيين والفاعلين المحليين الذين يشكلون جزءاً أساسياً من المنظومة.
فالمواطن بدوره مسؤول بدرجة كبيرة عن احترام القانون. كثير من الأسر تلجأ إلى البناء خارج الضوابط لأنها ترى في احترام المعايير تكاليف إضافية، سواء من حيث الاستعانة بمهندس أو أداء واجبات الرخص أو استعمال مواد بناء ذات جودة. هذا السلوك يُنتج بشكل مباشر بنايات غير آمنة، ويُغذي انتشار الأحياء غير المهيكلة. ومن جهة أخرى، فإن جزءاً من المقاولين والمهنيين، الذين يشرفون على عمليات البناء، لا يحترمون دائماً المعايير التقنية، سواء بسبب البحث عن الربح السريع أو نتيجة غياب تأطير مهني صارم، ما يزيد من هشاشة النسيج العمراني.
أما المنتخبون المحليون، فإنهم يتحملون بدورهم جزءاً من هذا الخلل، بسبب ضعف التتبع أو بسبب تغليب اعتبارات ظرفية وانتخابية على حساب التخطيط البعيد المدى. وعندما تجتمع هذه العوامل كلها—مواطن يبحث عن حل سريع، ومقاول يبحث عن هامش ربح أكبر وإدارة غير قادرة على مراقبة الجميع—تكون النتيجة هي الوضعية العمرانية التي نعيشها اليوم.
إجمالاً حل أزمة التعمير لن يتحقق إلا من خلال رؤية جماعية متكاملة، تُعيد الاعتبار لثقافة احترام القانون، وتُطور أدوات الحكامة، وتُصلح المساطر دون التفريط في المعايير التقنية، وتُعيد ترتيب الأولويات الاجتماعية والاقتصادية. إصلاح التعمير ليس مهمة قطاع واحد ولا مؤسسة واحدة، بل هو ورش مجتمعي شامل، يبدأ من المواطن نفسه ولا ينتهي عند الإدارة.
* مدير المعهد الوطني للتهيئة والتعمير بالرباط





