حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةسياسيةملف التاريخ

قصص المخططات السرية لإطلاق شرارة ثورة الملك والشعب

نفي السلطان محمد الخامس بعيون من عاشوا في قلب «المحنة»

يونس جنوحي

مقالات ذات صلة

 

ليلة العشرين من غشت 1953، بلغ التوتر بين القصر والإقامة العامة الفرنسية ذروته.. كل المؤشرات كانت توحي بأن الوضع سوف ينفجر. مسؤولون عسكريون فرنسيون لم يخفوا استعدادهم لاقتحام القصر الملكي وعزل السلطان عن محيطه، ومنع رموز الحركة الوطنية من التواصل معه.

عندما تسرب خبر نفي الأسرة الملكية ونقلها على متن طائرة فرنسية إلى خارج المغرب، غصت الشوارع بالمغاربة الغاضبين.. وعندما تأكد الخبر، اندلعت «ثورة الملك والشعب» التي ما زالت بعض كواليسها الخفية في منطقة الظل..

أيام المنفى، وانتفاض الشارع المغربي، كلها وقائع من زمن لم يُفرج بعد عن كافة كواليسه.

 

++++++++++++++++++++++++++++++++

ماذا تبقى من الذكريات الأولى لثورة الملك والشعب؟

مباشرة بعد نفي السلطان محمد بن يوسف، ليلة 20 غشت 1953، وحتى قبل أن يستوعب الشارع المغربي خطورة إقدام فرنسا على المس بالعرش المغربي، انبعثت الشرارة الأولى لما عُرف لاحقا بـ«ثورة الملك والشعب».. وبدأت العمليات المسلحة للمقاومة، والمظاهرات في الشوارع، واستمرت طيلة ما تبقى من أشهر سنة 1953.

وفي غشت 1954 كانت تجري التحضيرات السرية لإحياء الذكرى الأولى لنفي السلطان محمد بن يوسف، وكانت المخابرات الفرنسية تتوقع أن تكون الأحداث دامية في الدار البيضاء والرباط وفاس ومكناس ومراكش، باعتبارها المدن الكبرى للمملكة، ومعقل تحركات الوطنيين.

لكن ما وقع أن المدن الصغرى، بل والهامشية أيضا، ساهمت هي الأخرى في إحياء الذكرى.. وهكذا وجدت الإقامة العامة الفرنسية نفسها أمام ثورة منظمة، ترجمت الغضب الشعبي ضد نفي السلطان سيدي محمد بن يوسف، واستمرت الأحداث والمواجهات التي لم تتراجع حدتها حتى مع تعامل الإدارة والبوليس الفرنسي مع الوطنيين بقسوة، تمثلت في التشديد في إصدار الأحكام ضد المتورطين في ما اعتبرته فرنسا «أحداث شغب»، واستهدافا لرعاياها في المغرب.

بحسب التقارير الأمنية، فقد تم تعميم مذكرة على كافة مقرات البوليس الفرنسي في المغرب بدون استثناء. وتم التأكيد على ضرورة تفريق كل التجمعات البشرية التي يمكن أن تؤدي إلى ميلاد مظاهرة، وحسب ما جاء في البلاغ الأمني، فإن السبب يكمن في الرغبة «في عدم تكرار التجاوزات التي وقعت في السنة الماضية، والحرص على احتواء كل التحركات وضبطها، قبل أن تخرج عن السيطرة».

لكن ما وقع، أن كل عمليات التأهب الأمني لخنق المظاهرات، حدثت كلها في المدن، في حين أن المقاومة خططت لانطلاقها من القرى! وهكذا انفلتت الأحداث من يد البوليس الفرنسي. إذ في الوقت الذي كانت الهواتف ترن باستمرار في مخافر الشرطة الفرنسية لضبط كل التحركات، بل وشل حركة المرور لمنع وصول أي تجمع بشري حاشد إلى المراكز، كانت القرى التي تنام هادئة تتأهب سرا لتوجيه مفاجأة صادمة للإقامة العامة الفرنسية. وهكذا تلقى أعوان السلطة من مقدمين وباشوات صفعة حقيقية عندما عرفت بعض القرى، نواحي وادي زم وبني ملال وتارودانت وتيزنيت وحتى في مناطق الجنوب الشرقي، وصولا إلى الرشيدية، بالإضافة إلى نواحي خنيفرة، مظاهرات قادها الفلاحون البسطاء والقرويون الذين كانوا منهكين من شدة تأزم أوضاعهم المعيشية، وسرعان ما تحولت مظاهراتهم إلى قوة بشرية بدأت فورا في تخريب ممتلكات المعمرين الفرنسيين في المنطقة.

كان عون سلطة مغربي يجري بأقصى سرعته ليصل إلى منزله من أقصى مركز وادي زم، ليبلغ إخبارية لمصالح الإدارة الفرنسية، عن طريق الهاتف، مفادها أن المواطنين خرجوا ينددون بسياسة فرنسا في المغرب ويطالبون بعودة الملك محمد الخامس من المنفى. لكنه لم يفلح في ربط الاتصال، لأن بعض المقاومين سارعوا إلى قطع خط الهاتف الوحيد في المنطقة، على بعد عشرات الكيلومترات من مركز وادي زم ليصعب على الإدارة إصلاحه.

على الساعة الثالثة بعد الزوال وصل أول خبر إلى أقرب مركز أمني بشأن الأحداث في وادي زم، نقله طبيب فرنسي كانت عينه قد فقئت نتيجة ضربة عنيفة وجهها إليه شاب مغربي، وفي أول دائرة أمنية، بدأ يحكي للبوليس تفاصيل الصباح المرعب الذي عاشه رفقة أسرته، وحكى كيف أنه قضى أزيد من ثلاث ساعات في قبو منزله وهو يحاول منع ابنته الصغيرة من إصدار أصوات من شأنها أن تكشف مكان اختبائه مع زوجته. وكان محظوظا لأن المتظاهرين لم يقتحموا القبو ولا «الكراج»، حيث كانت سيارته من نوع «بوجو» مغطاة لحمايتها من الغبار.

في نواحي مدينة ورزازات، تحولت الثكنة العسكرية إلى بؤرة أمنية مهمتها الأولى هي إسكات المظاهرات التي انطلقت في أحد الأسواق الأسبوعية، التي تتجمع فيها قرى كثيرة من الجنوب الشرقي.

 

 

من قلب جبال منطقة أزرو.. الكواليس المنسية لثورة غشت..

عندما يتعلق الأمر بالكتابات الأجنبية عن مرحلة الحماية الفرنسية في المغرب، دائما ما تكون الشهادات «ذات قيمة مضافة» عندما يكون مصدرها غير فرنسي..

والحال هنا، يتعلق بشهادة فرنسي، هو الأب «مارتان»، رئيس دير تومليلين الشهير في منطقة أزرو، لكن بتوثيق من باحثين أمريكيين، هنا «بيتر بيش» و«ويليام دونفي»، في بداية ستينيات القرن الماضي، أجريا معه مقابلة ونقلا تجربة إنشاء دير للرهبان في قلب جبال الأطلس المغربية الشهيرة بمعاداتها لكل ما هو فرنسي..

كتاب «Benedictine and Moor»، أي «طائفة البينديكتين والمغاربة»، نقل أجواء انطلاق شرارة الكفاح المسلح، الذي سبق ثورة الملك والشعب، مباشرة بعد نفي السلطان محمد بن يوسف، بعيون رئيس دير تومليلين. انفردنا في «الأخبار» بترجمة كاملة للكتاب إلى العربية، نشرت على امتداد حلقات بدأت في نونبر 2022، ومن أهم ما جاء فيها بخصوص نفي السلطان محمد بن يوسف:

«كان الشعور الوطني يزداد نموا في محيط منطقة أزرو، خصوصا في صفوف الأمازيغ. كانت «البروباغاندا» تُغذي هذا الشعور لديهم من خلال البث الإذاعي بالأمازيغية من القاهرة، ومن المنطقة الإسبانية في المغرب، ومن هنغاريا أيضا. وكانت هذه الإذاعات تحثهم على الانتفاضة ضد الفرنسيين. كانت كل خيمة ومنزل تقريبا تتوفر على جهاز راديو من النوع الذي يشتغل بالبطارية، يُضبط على تلك المحطات الإذاعية طوال اليوم. عندما كان الرجال يعودون إلى المنازل في نهاية اليوم، كانت النسوة يُزودنهم بآخر الأخبار الإذاعية. كما أخبر أحد الفرسان الأمازيغ صديقه الأب «جيلبرت»: «لقد عانينا بما يكفي على يد الفرنسيين. لا نستطيع تحمل المزيد. وقريبا سوف نقتُل كل الفرنسيين».

مع اقتراب ذكرى العشرين من غشت، تاريخ نفي السلطان، كان المقيم العام «غاراندفال» يتحرك جيئة وذهابا بين باريس والرباط، محاولا إقناع الحكومة في باريس بأنه لا بد من تقديم بعض التنازلات الجدية.

لكن إضرابا عاما، بالإضافة إلى أجواء عطلت شهر غشت، و«اللوبي» المغربي الصارم، زاد من تردد الحكومة في مفاوضاتها مع القوميين المغاربة حول مستقبل السلطان المنفي.

طوال يومين «دراميين»، بالضبط خلال يومي 12 و13 غشت، ترافع المقيم العام أمام اللجنة البرلمانية لشمال إفريقيا، واصفا الحالة النفسية شديدة التقلب للسكان المغاربة، والمعنى الذي أعطوه لما أصبح يُعرف لديهم بـ«التاريخ المشؤوم»، للعشرين من غشت. وطالب بالتفاتة واهتمام أكبر بالمغرب قبل حلول هذا التاريخ.

«اللوبي المغربي» الذي يمثل المُعمرين والمستثمرين في المغرب، حصل على الدعم خلال معارضته لمقترحات «غراندفال»، من طرف العسكريين المحافظين الذين رأوا في الظهور بمنظر الاستسلام أمام المغاربة، خسارة كبيرة لـ«البريستيج» العسكري الفرنسي. اقترحوا بهدوء اجتماعا، يوم 24 غشت، مع ممثلي الوطنيين. عاد «غراندفال» إلى المغرب ومعه رسالة استقالته على مكتب رئيس الوزراء «إدغار فور».

كان يوم 19 غشت، هادئا في أزرو، كان يتزامن مع يوم الجمعة، يوم عبادة عند المسلمين. لكن المسجد كان خاليا. كان المؤمنون لا يزالون يرفضون أداء الصلاة باسم السلطان الجديد. كانت الشوارع في أزرو خالية، إلا من دوريات الفرسان الفرنسيين. في مكتبه، نفض الكولونيل «كليسكا» الغبار عن مخططاته للدفاع عن الطائفة الأوروبية، والتي كان قد أوضح خطوطها العريضة للأب مارتان، قبل ثلاث سنوات.

كان يُسيطر عليه الحزن، رغم كل شيء، بسبب ما آلت إليه الأوضاع.

وعلى الرغم من اعتقاده أن لديه قوة عسكرية حديثة وكافية للتعامل مع القبائل المحلية، إلا أنه أدرك نجاعة بعض من أفكار وجهة نظر الأب مارتان.

كان هناك رجل صريح وودود، يعرف كل الناس في منطقته، يعرف الكبار والصغار. التقاهما، الأب مارتان والكولونيل «كليسكا»، في أزقة أزرو، وزارهما في البلدة. كان لديه وعي بمشاكلهما، ويرى بوضوح صورة للوضع السياسي التي كانت بالنسبة إليه غير مُلونة بألوان البروباغاندا الفرنسية الرسمية.

لكن في الوقت الذي كان فيه «الكولونيل» بوجهه «الوقح» يوافق على أن تطلعات المغاربة للاستقلال كانت عادلة.

كان يعتقد بصدق أن جماهير الشعب لم تكن مستعدة لهذا الاستقلال. إلى هذا الحد، كان يشعر أن لديه مبررات لمضايقة أعضاء حزب الاستقلال المحليين.

ومن المفارقات أن نفس رجال حزب الاستقلال كانوا مشغولين خلال ذلك اليوم بالقيام بجولات في المناطق الجبلية، للحديث مع رجال القبائل الأمازيغ وإقناعهم بأن الوقت الحالي لم يكن وقتا مناسبا للإضراب. قالوا إنه سابق لأوانه، وقالوا أيضا إن التمرد سوف يكون ببساطة لصالح الفرنسيين. في جميع أنحاء الأطلس المتوسط كان البربر مستعدين للهجوم. في ليلة التاسع عشر من غشت، رصد الرهبان نيرانا مشتعلة فوق قمم التلال المطلة على أزرو. تلك النيران كانت إشارة متفقا عليها بين رجال القبائل الأمازيغ، لكي ينطلقوا بخيولهم. قال الدوم دونيس: «ذهبنا إلى النوم ولم نكن نعرف ما إن كنا سوف نبقى على قيد الحياة خلال الليل». 

 

شهادة أحد كبار مقاومي سلا يوم اندلاع شرارة «الثورة» ضد نفي الملك

يتعلق الأمر بالمذكرات الضخمة التي خلفها المقاوم أحمد معنينو، الذي كان قطبا من أقطاب الحركة الوطنية المغربية، ولم يكن تأثيره ينحصر فقط في مدينة سلا، وإنما امتد إلى مدن أخرى.

في مذكراته: «ذكريات ومذكرات»، التي جاءت في 11 جزءا ضخما، والتي تناول فيها أكثر من قرن من الأحداث التي شهدها المغرب، حكى معنينو عن ذكرياته الشخصية، مع نفي السلطان محمد بن يوسف، واندلاع الشرارة الأولى لما عُرف لاحقا بـ«ثورة الملك والشعب».

يقول: «ويوم 19 غشت جرى ما جرى وأخذ جلالة الملك وعائلته الكريمة إلى المنفى، يوم عرفات وأصبح عيد الأضحى في وجهنا، والبلاد المغربية جمعا، مثقلة بالجيوش والجواسيس وفرق من خيالة بعض القبائل المغربية، وكثرت الدعايات التي تقر ما قلوب الشعب وتلزمه بالسكوت والخضوع والامتثال. في هذا الجو المكهرب، أخذ أصحابي وعذبوا عذابا شديدا، وامتحنوا امتحانات مؤلمة وقاسية، ليقروا بمن أمرهم بهذا العمل: كما فتشت دورهم وخيامهم تفتيشا دقيقا، وعثر في بعض الدور على مراسلات مني لهم في نطاق العمل الحزبي العادي. بعد التعذيب والتنكيل بالسيد عبد الكبير بن قصو، أقر أنه كان عندي في سلا، وعند تعبه الكبير والقاسي، أضاف بأنه اتفق مع الحاج أحمد معنينو، عضو المكتب السياسي والمسؤول عن هذه المنطقة، على القيام بهذا العمل التخريبي في هذه المنطقة الحساسة من البلاد، لقطع الاتصالات الهاتفية بين مدن الوسط والعاصمة الرباط.

لقد استمر تعذيبهم مدة خمسة أيام، ثم أركبوهم في سيارة محاطة بستائر وأتوا بهم ليلا إلى المحكمة الفرنسية بالرباط، وأدخلوهم من الباب الخلفي حتى لا يتعرفوا على المحكمة، ولقنوهم تحت الإرهاب كلمات قاسية ليقولوها إن أرادوا عدم العودة إلى  التعذيب الشنيع، وقدموهم إلى قاضي البحث. وهكذا أصبحت التهمة ثابتة على أن الحاج أحمد معنينو هو المسير والمسؤول عن الجماعة.

في فاتح شتنبر سنة 1953 صباحا، وأنا أسكن بمدرسة الأميرة للا عائشة بحومة الطالعة بسلا، إذ بأحد البوليس السري يسمى «خويا عيسى»، ولد المقدم بوشعيب الشهير، وهو من هو، لكن الألطاف الإلهية جعلت هذا الرجل الذي يخاف منه المواطنون لشدته وقساوته! هو الذي يدق عليّ الباب، وعند مقابلتي عانقني وسلم علي وهو يبكي ويقول:

«يا أخي إن الجدارمية حضروا إلى الكوميسارية بأمر إلقاء القبض عليك، وعندما علمت الخبر، قلت للكوميسير أنا أرافقهم إلى مسكنه. وهكذا ركبت معهم في السيارة وذهبت بهم إلى ناحية سيدي موسى أبحث في الزقاق هناك وكأنني ضال الطريق حتى تعبوا، فأجلستهم من أجل الراحة وأعطيتهم السجائر، وأخرجت لهم برادا من الشاي من إحدى الدور ريثما أبحث وحدي، خوفا من أن يفتشوا منزلك بدون سابق إعلام. إنني أعطيك مهلة خمس عشرة دقيقة لتخرج من بيتك كل ما تريد وتهيئ نفسك، ثم سأحضر معهم لإلقاء القبض عليك».

لكنني في الحقيقة كنت أنتظر هذه الساعة منذ يوم إلقاء القبض على الإخوان في ناحية الخميسات، وقد أخذت كل الترتيبات اللازمة، ولم تبق عندي في البيت، إلا مجموعة كبيرة من صور صاحب الجلالة كنت أوزعها على فروع الحزب».

 

لحظات نفي العائلة الملكية بعين صحافية أجنبية كانت صديقة للأميرات

هي اليوم تبلغ من العمر 96 سنة. وعندما كانت بعمر الخامسة والعشرين فقط، عاشت في قلب زوبعة الأحداث الأليمة لـ20 غشت 1953.

عاشت مع العائلة الملكية عن قرب، كواليس تحضير المؤامرة الفرنسية ضد العرش، لكنها يوم تنفيذ مخطط النفي، كانت في مهمة صحافية خارج المغرب.. إذ كانت ترافق وفد الحجاج المغاربة لتلك السنة إلى الديار المقدسة، لكي تكتب عن الرحلة من الدار البيضاء إلى مكة، لمجلة «شيكاغو تريبيون» الأمريكية.. وعندما توقفت في بيروت لكي تستريح، بلغها خبر نفي الأسرة الملكية.

انفردت «الأخبار» بإجراء حوار مطول مع الصحافية مارفين هاو ربيع سنة 2021، واستعدنا مع هذه الصحافية المخضرمة، جملة من ذكرياتها المغربية.

تحكي «مارفين» أنها عندما وصلت إلى لبنان، قررت أن ترتاح في فندق بالعاصمة بيروت، بعد أن رافقت الحجاج المغاربة في الباخرة المتجهة إلى الأراضي المقدسة.

كانت تلك عادة رحلات الحجاج المغاربة، خلال النصف الأول من خمسينيات القرن الماضي، إذ إن السفر إلى الحج عبر الطائرة لم يكن متاحا للأغلبية، بل حتى أن كبار الأثرياء المغاربة وقتها توجهوا في رحلة الحج عبر البواخر.

عندما وجدت «مارفين» الأجواء مقلوبة في العاصمة بيروت، بسبب المظاهرات ضد فرنسا، حاولت مغادرة غرفتها في تلك الأمسية، لكي تستطلع الأوضاع.

لم يكن فضولها الصحافي ليدعها ترتاح في غرفتها، أو يتملكها الخوف من أن يعتدي عليها المتظاهرون. نسيت أن شعرها الأشقر وعينيها الزرقاوين قد يجران عليها المشاكل.

لكن موظف الاستقبال في الفندق الصغير كان لها بالمرصاد، فقد طلب منها، بل واستعطفها، لكي تبقى في غرفتها وألا تنزل إلى الشوارع، حماية لها.

تقول «مارفين»: «لقد رفض موظف الاستقبال أن يطلب لي سيارة أجرة في ذلك المساء، ونصحني بالبقاء في غرفتي وعدم مغادرة الفندق».

لكن صدمة «مارفين» كانت كبيرة، لأنها عندما غادرت المغرب تركت الأجواء محتقنة جدا، وحسب ما تذكر فإنها لم تكن على علم في وقت انطلاق رحلتها خارج المغرب بالوجهة الحقيقية التي نُفي إليها السلطان محمد بن يوسف، إذ بعد علمها بالخبر ومعايشتها للأزمة الكبيرة، خلال الأيام الأخيرة قبل إبعاد السلطان محمد بن يوسف عن العرش، كانت رحلتها إلى الشرق مبرمجة سلفا.

تقول: «في اليوم الموالي لوصولي إلى بيروت وجدتُ الصحف الناطقة بالفرنسية في لبنان تكتب أن السلطان محمد بن يوسف قد أبعد عن العرش، وأن ابنه الأصغر مولاي عبد الله قد نُصّب خليفة له. لم أصدق الخبر نهائيا، ولم أتصور أن يصبح الأمير مولاي عبد الله الذي كان غاية في الهدوء واللطف خليفة لوالده السلطان. قررت مباشرة بعد اطلاعي على الخبر أن أعود أدراجي إلى الرباط، وأن أشتغل على هذه التطورات للصحافة الأمريكية».

تضيف «مارفين» أنها بعد إجراء بعض الاتصالات، اتضح لها أن الصحافة في لبنان ارتكبت خطأ قاتلا، لأنها نشرت أخبار غير صحيحة بالمرة، مصدرها إشاعات لم يتم التحقق منها. لأن السلطات الفرنسية أعلنت بعد ذلك أن الأسرة الملكية نُفيت إلى «كورسيكا»، وأن أحد أبناء عمومة السلطان، وهو «ابن مولاي عرفة»، قد اختير لكي يجلس على العرش.

تنفست «مارفين» الصعداء وقررت أن تواصل رحلتها إلى الأراضي المقدسة، لكي تنجز تقريرا من هناك حول موسم الحج إلى الصحافة الأمريكية، رغم أنه لم يكن مسموحا لها بطبيعة الحال زيارة البقاع المقدسة، أو مرافقة الحجاج، احتراما للقوانين التي تمنع غير المسلمين من دخول الأراضي المقدسة.

عندما عادت مارفين من مهمتها الصحافية إلى الرباط، حيث كانت تعيش، أدركت على الفور أن المغرب صار على صفيح ساخن.. لقد كانت صفوف المقاومة المغربية تتحد لانطلاق ما عرف تاريخيا بثورة الملك والشعب، والتي تزامنت مع حلول الذكرى الأول لنفي الأسرة الملكية.. لكن مارفين، بحسها الصحافي وقراءتها الدقيقة للأحداث، عرفت أن المغرب تغير كثيرا، بعد نفي السلطان. وقد خصت «الأخبار» بهذا التعليق بعد مرور عقود طويلة على تلك الوقائع. تقول:

«دعني أقول لك إنه لم يكن سهلا أبدا العيش في مغرب ما بعد غشت 1953. أصدقائي المغاربة كانوا يترجون مني أن أتكلم بحذر وكانوا يحذرونني بنبرة جادة: «لا يمكنني أن تثقي هنا بأي كان». وكنت أرد بصوت مرتفع عمدا: «كان لجلالته أعداء أقوياء ونافذون. ولم يتوقفوا عن الصراع حتى الآن». لقد كانت لديهم طرق كثيرة لإسكات الجميع حتى الأمريكيين».

 

يوميات المنفى.. ولي العهد استكمل دراسته والأسرة عاشت أياما عصيبة

عندما عكف مؤرخ المملكة الأسبق، د. عبد الهادي التازي، على النبش في أرشيف منفى العائلة الملكية، والشهادات الفرنسية التي تناولت تلك الفترة، فقد أماط اللثام عن مرحلة حرجة من تاريخ المغرب، لم يتم التوثيق لها في المصادر المغربية، ولم تلق العناية التي تستحق..

تحدث التازي عن الأحداث التي عاشها شخصيا، والتي تهم الأيام الأخيرة قبل نفي الأسرة الملكية، ثم انتقل إلى الحديث عن الأحداث الأخرى المرتبطة بظروف إقامة السلطان في كورسيكا، ثم مدغشقر، والتي تابعها، مثل غيره من المغاربة المثقفين، في الإعلام الفرنسي. يقول:

«وما زالت كلمة «الكيان» ترن في أذني عند استقباله لنا بالدار البيضاء، يوم 12 غشت 1953، أي قبل أسبوع من نفيه، لقد كان يردد اهتمامه بالكيان المغربي المعرض للخطر!

أذكر أن المحطة الإذاعية الوحيدة التي كانت تردد الحديث أحيانا عن العاهل باللغة الفرنسية، هي طنجة …

وما نسيت ذات يوم سمعت فيه أن الملك يشكو من البرد وهو في زونزاZONZAA  بـ«كورسيكا» ..

كانت أخبار (زونزا) تحرقنا بالفعل، لقد خطفت منا قلبا ما كان أعزه عندنا … وأخذنا نسمع عن شائعات بين الفينة والأخرى تذكر أنه عائد لنا، سيما بعد أن اشتعلت الثورة المسلحة بالمغرب، وبعد أن تكرر الهجوم على صنائع الاستعمار هنا وهناك، لم يطق المغاربة الصبر عما فقدوه، فكنا نتوسل إلى (زونزا) أن ترد لنا ما أخذته منا …

إن المغاربة لم يقطعوا أملهم في عودة ساكني زونزا وساكن الفندق الذي كان يحمل اسم «أروية الذهب  Mouflon d’or».

يحكي عبد الهادي التازي في سلسلة من المقالات عن حياة الملك الراحل محمد الخامس:

«معظم الذين تناولوا حياة الملك محمد الخامس- إن لم أقل كلهم، لم يهتموا بالفترة التي قضاها بالمنفى السحيق، وقد ظللت أستغرب هذا الصمت، سيما بعد أن وقفت على ما كتب بمناسبة الندوة الدولية حول محمد الخامس بالرباط عام (نونبر 1987)، فكل الذين تناولوا الحديث عن الرجل، وخاصة من الذين قدموا بحوثهم باللغة العربية ظلوا غير ملتفتين إلى هذه الفترة الحالكة من حياة المملكة المغربية.

وحتى الذين تناولوا الحديث باللغة الأجنبية، سيما الذين كنا ننتظر منهم أن يرضوا استطلاعنا كانوا شحيحي الحديث عن تلك الفترة..

وباستثناء الأستاذ ماكس جالاد MAX JALADE، الذي خصص تدخله لأيام المحنةL’ADVESITE ، والذي قدم لنا فيه موقع مدغشقر الجغرافي، ومدى صبر العاهل على التأقلم في هذا المكان القريب من القارة الإفريقية، ولكنه الأقرب إلى آسيا! مذكرا بأن أجهزة التكييف في فندق تيرم L’hôtel des Therms كانت تتعرض باستمرار للخلل والعطب… قدم لنا في هذا الحديث «تتناريف» على أنها محطة للعلاج بالنسبة إلى الذين يشتكون من أكبادهم التعبانة! وبالرغم من هذا المقام الموحش فقد نظم العاهل العظيم أيامه، وأخذ يحضر صلاة الجمعة، وينشر الرسالة بين المتساكنين الذين كان أغلبهم من جزر القمر.

(..) وقد أخبرنا الأستاذ جاك ريتزير Jacques Reitzer عن الرسالة التي توصل بها من العاهل في انتسيرابي، وكانت تحمل تاريخ 29 نونبر 1954، وقد ظهر فيها الملك على أنه رجل دولة عظيم، يعرف كيف يهيمن، وهو في قلب المحنة، على الألم الذي كان يعتصره إزاء الذين تصرفوا إزاءه ذلك التصرف الأهوج غير المبرر..

وفي تدخل ثان للأستاذ ريتزير Reitzer قرأنا عن شهادة الدكتور ديبوا روكبير Dubois Roquebert  والكولونيل توياTuya ، الذي كان الحارس الأول لسجن العاهل… في هذه الشهادة سمعنا عن الزيارة التي تمت يوم أول أكتوبر 1953 لفندق موفلون دورMouflon d’or، من خلال هذه الزيارة، وبالرغم من الهم الذي كان يحمله العاهل إزاء متابعة الأمراء والأميرات للدراسة، فإن جلالة الملك كان يبدو قويا شامخا …

وقرأنا في ما قرأناه أن الأمير مولاي الحسن كان يتمتع برباطة جأش وثبات منقطع النظير، وهو يوالي دراسته القانونية، والأمر كذلك كان بالنسبة إلى الأميرة للا عائشة التي كانت على نفس الروح العالية لأخيها مولاي الحسن. كما سمعنا عن زيارة ثانية للدكتور ديبوا روكبير إلى  الأسرة في انتسيرابي، بمناسبة مولد الأميرة للا أمينة».

 

قصة رحلة منسية زار فيها محمد الخامس منفاه لتفقد الذكريات

لولا اهتمام المؤرخ عبد الهادي التازي بمرحلة المنفى، لنُسيت قصة رحلة الملك الراحل محمد الخامس إلى مدغشقر، والتي تفقد فيها منفاه، بعد استقلال المغرب.. وقد كانت رحلة بدلالات لم تُخطئ وجهتها.

يقول عبد الهادي التازي في حديثه عن سياق رحلة الملك الراحل محمد الخامس إلى منفاه، وبعدها زيارة الأميرة للا أمينة إلى المكان الذي وُلدت فيه، بعد مرور أربعين سنة على تلك الأحداث:

«وأعتقد جازما أن المغفور له جلالة الملك محمد الخامس شعر بأن توالي الزمن يحاول أن ينسي من ذاكرة الناس تلك الفترة من تاريخ المغرب: فترة المنفى. فقرر رحمه الله- أن يبعث الذكرى من جديد بأن قام بنفسه، صحبة ولي عهده، الأمير مولاي الحسن بالرحلة إلى تلك الديار، أواخر يبراير 1959، حيث وقفنا على نص خطاب جلالته، يوم 26 يبراير، الذي وجهه إلى شعبه والذي نرى من المفيد أن نذكر بنصه هنا.

وقد بقيت لنا بعض الآثار المكتوبة حول هذه الرحلة: رحلة الذكرى. ومنها نشرة الوزارة الأولى التي كان على رأسها آنذاك الأستاذ الراحل عبد الله إبراهيم، والتي نترك للقارئ العودة إليها كوثيقة موثقة مطبوعة. وهو سجل مزود بكلمات نافذة وصور دالة فريدة أضفت إليها، أنا، بعض الصور عن مرور العاهل بمطار مالطا، وقد حصلت عليها من وكالة الأنباء الفرنسية …

المهم من كل هذا التقديم أنني أشعر، وما أزال، بفراغ هائل في ما يتصل بأمر ذلك المقام الذي تميز في صدر ما تميز به بمولد الأميرة الجليلة للا أمينة الذي سبق أن أشرنا إليه… ذلك المولد الذي اقترن لوحده بلمسات طريفة، ما كان أحوجنا إلى سماعها بما تخللها من احتفالات، بالرغم من الظروف القاسية التي كانت العائلة الملكية تعيشها في الجزيرة …

وقد أكبرت جدا مبادرة صاحبة السمو الملكي الأميرة للا أمينة، عندما حركت السواكن وقامت بزيارة مسقط رأسها في مدغشقر، بعد مرور أربعين سنة على الحدث التاريخي الكبير، حيث رأيناها تتنقل من زاوية إلى زاوية ومن مكان إلى مكان، وسمعنا عن بعض الشهادات التي كانت بردا وسلاما على المواطنين».

 

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى