حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةالملف السياسيسياسية

كوارث طبيعية تهدد المغرب… تكلف خسائر مادية بمبلغ  870 مليار سنتيم سنويا

يشهد المغرب في السنوات الأخيرة ظاهرة الكوارث الطبيعية، تسببت في خسائر مادية وبشرية جسيمة، كما وقع، قبل سنتين، في زلزال الحوز، وخلال هذه السنة في الفيضانات التي شهدها إقليم آسفي، والتي خلفت وفاة 37 شخصا. وحذرت وثيقة صادرة عن البنك الدولي من وقوع مخاطر طبيعية أخرى، وكشفت أن المغرب مهدد بالزلازل والفيضانات، والتسونامي والجفاف والانهيارات الأرضية في جميع أنحاء البلاد. كما أصدر المجلس الأعلى للحسابات تقريرا حول تقييم تدبير الكوارث الطبيعية، سجل من خلاله غياب استراتيجية حكومية في مجال تدبير المخاطر، وذلك بعدما لاحظ أن عدد الكوارث الكبرى قد تضاعف بشكل كبير. ويكتسي وجود هذه الاستراتيجية أهمية كبرى، بالنظر إلى دورها في الوقاية وتدبير المخاطر التي أصبحت تهدد المغرب، وتكلفه سنويا خسائر مادية جسيمة، تبلغ في المتوسط 870 مليار سنتيم، ما يستدعي اتخاذ جميع الإجراءات الاحترازية لمواجهة الوضع في المستقبل.

 

إعداد: محمد اليوبي – النعمان اليعلاوي

وزارة الداخلية تحدث مركزا للإنذار بمخاطر الفيضانات

 

 

بعد صدور تقارير عن مؤسسات دولية ووطنية تحذر من مخاطر الكوارث الطبيعية، وخصوصا الفيضانات، أطلقت وزارة الداخلية مشروع “الرائد” لوضع نظام مندمج للمساعدة على تدبير مخاطر الفيضانات، وإحداث مركز لتدبير مخاطر الفيضانات.

ويهم هذا المشروع الرائد وضع نظام للتدبير المندمج والعملياتي لمخاطر الفيضانات، من خلال إحداث مركز عملياتي لليقظة والإنذار والمساعدة على تدبير مخاطر الفيضانات على مستوى وزارة الداخلية سيمكن من إخطار الساكنة المعرضة لمخاطر الفيضانات بشكل استباقي وضمان سلامة الأشخاص والسلع والأنشطة الاقتصادية للخطر، وسيتم تنفيذ هذا المشروع، الممول من صندوق محاربة آثار الكوارث الطبيعية، في مرحلة أولى، في أربعة مناطق معنية بمشاكل الفيضانات على صعيد التراب الوطني، موزعة على منطقة حضرية (المحمدية)، ووادي (أوريكا)، وسهل (منطقة الغرب) ومنطقة صحراوية (كلميم). وسيتم تزويد كل منطقة من المناطق المعنية بمركز تنسيق إقليمي يوجد مقره، على التوالي، على مستوى عمالة المحمدية وأقاليم الحوز والقنيطرة وكلميم.

وتم إحداث النظام المندمج للمساعدة على تدبير مخاطر الفيضانات في إطار شراكة بين مختلف الفاعلين المعنيين بتدبير مخاطر الفيضانات، ويتعلق الأمر بوزارة الداخلية، ووزارة التجهيز والنقل واللوجيستيك والماء – قطاع الماء، ومديرية الأرصاد الجوية الوطنية، ومديرية البحث والتخطيط المائي، ووكالة الحوض المائي لأبي رقراق والشاوية، ووكالة الحوض المائي لدرعة واد نون، ووكالة الحوض المائي لسبو، ووكالة الحوض المائي لتانسيفت، وشريك دولي مشهود له بالخبرة في هذا المجال، ومن شأن هذا المشروع الرائد أن يمكن في المستقبل المنظور من توسيع النظام ليشمل جميع المناطق ذات الأولوية على مجموع التراب الوطني.

 

 

تدبير وقائي

يندرج المشروع الرائد لوضع نظام مندمج لمخاطر الفيضانات في إطار مواصلة الإجراءات المتخذة من أجل تدبير وقائي للمخاطر الطبيعية الكبرى بالمغرب، بهدف احتواء مخاطر الفيضانات أو التخفيف من حدتها، وسيرتكز تدبير هذا المشروع على الرصد والتتبع والتوقعات والنشرات الإنذارية وتحديد مناطق الفيضانات وجمع ونشر وتتبع المعلومات الهيدرولوجية والهيدروليكية، ووضع مخططات عمل يتم تفعيلها في حالة المخاطر المرتبطة بالفيضانات.

وقد تم تنفيذ هذا المشروع، الذي تشرف عليه وزارة الداخلية، من خلال عدة شراكات، وخاصة مع القطاع المكلف بالماء، ومديرية الأرصاد الجوية الوطنية، ومديرية البحث والتخطيط المائي، كما تمت الاستعانة بشركاء دوليين مثل “بريديكت سيرفيس” وهي فرع دولي لـ “ميتيو فرنسا”، و”إيربيس” ومجموعة “بي إر إل”، وسيتم تنفيذ مكونات هذا المشروع من خلال جانبين؛ يتعلق الأول بإنشاء مركز لليقظة والإنذار والمساعدة على تدبير مخاطر الفيضانات، فيما يهم الجانب الثاني إحداث مركز لتوقعات الفيضانات.

وأشارت الوزارة، إلى أن هذا المشروع، يندرج كذلك، في إطار الجهود التي تبذلها السلطات العمومية والرامية إلى تعزيز قدرات ووسائل تدخل الفاعلين المعنيين، سيما التابعين للمديرية العامة للوقاية المدنية، وإلى تعزيز التنسيق من خلال إحداث مركز اليقظة والتنسيق في سنة 2008، وبرمجة الموارد المالية الضرورية عبر إحداث حساب خاص المسمى “صندوق محاربة آثار الكوارث الطبيعية” في عام 2009، وأوضحت أن هذه الجهود لاتزال غير كافية بالنظر إلى حجم الظواهر، التي تعتبر خطرة ومدمرة، وتعرض السكان لمخاطر وشيكة لا يمكن السيطرة عليها من الكوارث الطبيعية، التي أصبحت السيطرة عليها مسألة مستعجلة وإجراء ذي أولوية، وفي هذا الصدد، فعلت المؤسسات المعنية بالرصد واليقظة والإنذار، مثل وكالات الأحواض المائية والمديرية الوطنية للأرصاد الجوية، والمعهد الوطني للجيوفيزياء، إجراءات لتعزيز قدراتها واعتمدت مقاربة استشرافية في تدبير المخاطر الطبيعية.

 

مخطط عمل

تشرف وزارة الداخلية على هذا المشروع بمشاركة جميع القطاعات المعنية، مثل مديرية الأرصاد الجوية الوطنية، ومديرية البحث والتخطيط المائي، ووكالات الأحواض المائية. وتم إنجاز هذا المشروع عبر عدة مراحل، وتؤكد أن الأمر يتعلق بالتشخيص على المستوى المحلي والمركزي، ووضع وتشغيل وتقييم وكذا تحسين مسارات النظام، من أجل إعداد مخطط العمل الذي سيتم تعميمه على مستوى كافة المناطق الهشة والمعرضة لمخاطر الفيضانات.

وكشفت وثيقة صادرة عن البنك الدولي، بخصوص تقييم برنامج حول القرض الموجه إلى الحكومة المغربية لتمويل الخطة المتكاملة لمواجهة مخاطر الكوارث الطبيعية، أن المغرب مهدد بالزلازل والفيضانات، والتسونامي والجفاف والانهيارات الأرضية في جميع أنحاء البلاد، ما يستدعي اتخاذ جميع الإجراءات الاحترازية لمواجهة الوضع في المستقبل، وحدد برنامج التدبير المندمج للمخاطر، الذي أطلقه المغرب سنة 2009 بدعم من البنك الدولي، لائحة لأهم المخاطر التي يواجهها المغرب، وتم تحديد 5 مخاطر ذات الأولوية، وهي الفيضانات، والزلازل، والتسونامي، والجفاف، والانهيارات الأرضية، وذلك بناء على تقييم أولي، فيما تم إجراء تقييم احتمالي متقدم لهذه المخاطر.

تدبير المخاطر الناجمة عن الكوارث الطبيعية.. رهان متزايد لمتدخلين كثر

 

يشكل تدبير الكوارث الطبيعية في المغرب أحد أبرز التحديات المتنامية التي تفرض نفسها بقوة على السياسات العمومية، في ظل تواتر الظواهر المناخية القصوى، من فيضانات وزلازل وموجات جفاف وحرائق غابات، وما تخلّفه من خسائر بشرية ومادية واقتصادية جسيمة.

وبات واضحاً أن المقاربة التقليدية، القائمة أساساً على التدخل بعد وقوع الكارثة، لم تعد كافية، ما يستدعي الانتقال إلى نموذج متكامل يرتكز على الاستباقية والوقاية والتنسيق المحكم بين مختلف المتدخلين.

وخلال السنوات الأخيرة عرف المغرب سلسلة من الكوارث الطبيعية التي كشفت حجم الهشاشة التي ما زالت تطبع بعض المجالات الترابية، خصوصاً في المناطق القروية والحواضر ذات البنيات التحتية غير المؤهلة. ففيضانات عدد من المدن، من بينها آسفي، إلى جانب زلزال الحوز، أبرزت الحاجة الملحة إلى مراجعة آليات التخطيط العمراني، وسياسات إعداد التراب ومدى احترام معايير السلامة والوقاية من المخاطر الطبيعية. وسلطت هذه الأحداث الضوء، كذلك، على محدودية قدرة بعض الجماعات الترابية على التدخل السريع والفعال في حالات الطوارئ.

 

الوقاية والاستباق

من الناحية المؤسساتية، يتوفر المغرب على إطار قانوني وتنظيمي لتدبير المخاطر والكوارث، تتقاسمه عدة قطاعات حكومية ومؤسسات عمومية، من بينها وزارة الداخلية، ووزارة التجهيز والماء ووزارة الصحة، والوقاية المدنية، إلى جانب السلطات المحلية. غير أن تعدد المتدخلين، رغم أهميته، يطرح إشكالية التنسيق والالتقائية، حيث غالباً ما يتم تدبير الكارثة بمنطق قطاعي، بدل مقاربة مندمجة تُوحد الجهود وتُحسن استثمار الموارد البشرية واللوجستية.

ويُجمع عدد من الخبراء على أن نقطة الضعف الأساسية في تدبير الكوارث الطبيعية بالمغرب تكمن في مرحلة ما قبل الكارثة، أي في جانب الوقاية والاستباق. فرغم توفر معطيات علمية وتقنية حول المناطق المعرضة للفيضانات أو الانهيارات الأرضية، فإن هذه المعطيات لا تُدمج دائماً بالشكل الكافي في وثائق التعمير، ولا تُترجم إلى قرارات حازمة تمنع البناء في المناطق الخطرة أو تفرض معايير صارمة للبناء المقاوم للمخاطر. ويؤدي هذا الخلل إلى تضاعف الخسائر عند كل حادث طبيعي.

في المقابل يُسجل تطور نسبي في آليات التدخل الاستعجالي بعد وقوع الكارثة، حيث أظهرت السلطات العمومية قدرة على التعبئة السريعة للوسائل البشرية واللوجستية وتقديم المساعدات الأولية للمتضررين. غير أن هذه الاستجابة، رغم أهميتها، تظل، في كثير من الأحيان، ظرفية ولا تُواكَب دائماً برؤية واضحة لإعادة الإعمار المستدام، الذي يأخذ بعين الاعتبار تقليص المخاطر مستقبلاً، بدل إعادة إنتاج الشروط نفسها التي أدت إلى الكارثة.

 

ضعف ثقافة التأمين

يطرح التعويض عن الأضرار إشكالاً مركزياً في تدبير الكوارث الطبيعية، إذ يتوفر المغرب على صندوق للتعويض عن الآثار الكارثية، غير أن تفعيله يظل رهيناً بإجراءات قانونية وإدارية معقدة، من بينها الإعلان الرسمي عن المنطقة المنكوبة. ويعاني هذا الصندوق، كذلك، من ضعف التواصل بشأن شروط الاستفادة منه، ما يحرم عدداً من المتضررين من حقوقهم ويُعمق الإحساس بعدم الإنصاف. وفي هذا السياق تبرز الحاجة إلى تبسيط المساطر، وتعزيز الشفافية وتوسيع قاعدة المستفيدين وفق معايير واضحة.

من جهة أخرى يُعد ضعف ثقافة التأمين أحد أبرز مكامن الهشاشة في مواجهة الكوارث الطبيعية. فعدد كبير من المواطنين لا يؤمنون على مساكنهم أو ممتلكاتهم، إما بسبب ضعف الوعي أو بسبب الكلفة، ما يجعل الدولة تتحمل العبء الأكبر في التعويض وإعادة الإعمار. ويؤكد مختصون أن تعميم التأمين ضد المخاطر الطبيعية يجب أن يصبح رافعة أساسية في السياسة العمومية، من خلال تحفيزات مالية وتشريعية، وحملات تحسيسية تُبرز أهمية هذا الخيار في حماية الأسر والاقتصاد الوطني.

وفي ضوء هذه التحديات، تتعالى الدعوات إلى إحداث «هيئة أو وكالة وطنية لتدبير مخاطر الكوارث الطبيعية»، تتولى التنسيق بين مختلف المتدخلين، وتجمع بين وظائف الرصد والتخطيط والتدخل والتعويض. ويرى المدافعون عن هذا الخيار أن وجود مؤسسة مركزية ذات اختصاصات واضحة من شأنه تجاوز التشتت الحالي، وضمان نجاعة أكبر في تدبير الأزمات، خاصة في ظل التغيرات المناخية المتسارعة.

وعموما فالمغرب يواجه رهانا حقيقيا في الانتقال من منطق التدبير الظرفي للكوارث الطبيعية إلى مقاربة شمولية ومستدامة، تضع الوقاية في صلب السياسات العمومية، وتعزز الحكامة والتنسيق وتُشرك المواطن في تحمل جزء من المسؤولية عبر التأمين والالتزام بمعايير السلامة. فالكوارث الطبيعية لم تعد أحداثاً استثنائية، بل أصبحت واقعاً متكرراً، يفرض استعداداً دائماً واستثماراً ذكياً في حماية الإنسان والمجال والاقتصاد.

إحداث رسم ضريبي لتعويض المتضررين من الكوارث الطبيعية

 

تزامنا مع الخسائر المادية والبشرية التي خلفتها العديد من الكوارث الطبيبة أخيرا، قامت الحكومة بإصدار مرسوم يتعلق بإحداث رسم شبه ضريبي يسمى «رسم التضامن ضد الوقائع الكارثية»، ستخصص مداخيله لفائدة صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية، الذي تم إحداثه بموجب قانون ينص على إحداث نظام لتغطية عواقب الوقائع الكارثية.

 

تدبير الكوارث

يتضمن المرسوم بعض المقتضيات حول تدبير الكوارث الطبيعية، سيما لائحة العوامل الطبيعية التي يمكن أن تشكل واقعة كارثية، والإعلان عن حدوث الواقعة الكارثية بقرار لرئيس الحكومة؛ وكيفيات مسك سجل تعداد ضحايا الوقائع الكارثية؛ وممثلو الإدارة داخل كل من لجنة التتبع ومجلس إدارة صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية ولجنة تسوية النزاعات؛ وكيفيات تحديد ومنح التعويض النهائي الواجب صرفه للضحية أو لذوي حقوقها برسم الضرر البدني؛ وسقف التعويض من أجل إصلاح محل المسكن الرئيسي؛ والقيم الدنيا والقصوى للقيمة الإيجارية الشهرية برسم التعويض عن فقدان الانتفاع بالمسكن الرئيسي.

ويقترح، كذلك، بأن تحدد السلطة الحكومية المكلفة بالمالية جدول مصاريف وأتعاب الخبرات المنجزة من طرف لجنة الخبرة لحساب مقاولات التأمين وإعادة التأمين؛ وكيفيات منح قروض لمقاولات التأمين وإعادة التأمين برسم عمليات التأمين أو إعادة التأمين المتعلقة بالضمان ضد عواقب الوقائع الكارثية؛ والقواعد المتعلقة بتكوين احتياطيات صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية؛ وكذا بتوظيف أمواله؛ ونموذج طلب التعويض الذي يتم تقديمه إلى صندوق التضامن وكذا نموذج التوصيل المرافق لمقترح التعويض، كما يخول هذا المشروع، للسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية أن تحدد بموجب قرار نموذج سجل تعداد ضحايا الوقائع الكارثية، وكيفيات التقييد في هذا السجل، وكذا النظام الداخلي للجنة التتبع.

ويروم القانون المتعلق بإحداث نظام لتغطية عواقب الوقائع الكارثية، خلق تأمين عن الكوارث الطبيعية والأعمال الإرهابية، والخسائر الناجمة عن الفتن والاضطرابات الشعبية وأعمال التخريب التي تشهدها بعض المظاهرات والأشكال الاحتجاجية، كما يهدف إلى وضع آليات تعويض ناجعة ومستدامة لفائدة ضحايا الكوارث بشتى أشكالها التي يتعرض لها المغرب، على اعتبار أن عمليات التضامن المتخذة في ظروف استعجالية وغير منظمة مسبقا أثبتت محدوديتها في مواجهة هذه الوقائع الكارثية، لذلك وجب التنظيم المسبق لتغطية وتعويض الضحايا، حيث يقترح القانون إحداث نظام مزدوج لتعويض ضحايا الوقائع الكارثية يجمع بين نظام تأميني لفائدة الأشخاص المتوفرين على عقد تأمين من جهة، ونظام تضامني لفائدة الأشخاص الذاتيين غير المتوفرين على تغطية من جهة أخرى، وفي هذا الإطار، فإن القانون يهدف إلى تمكين جميع الأفراد الموجودين فوق التراب الوطني من حد أدنى في التعويض عن الضرر الذي قد يتعرضون له، في حال حدوث واقعة كارثية أدت إلى إصابات بدنية، أو فقدان استعمال المسكن الرئيسي، وكذا توفير عرض يشمل تغطية العواقب الناجمة عن الوقائع الكارثية التي قد يتعرض لها الأشخاص المتوفرون على عقد تأمين.

 

نظام تغطية

ينص القانون على ضرورة إحداث نظام تغطية عواقب الوقائع الكارثية، ولجنة لتتبعها، وكذا إنشاء صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية، سيكون تحت سلطة رئاسة الحكومة وتدبير من طرف وزارة الداخلية، وسيتكلف الصندوق بتعويض المغاربة المتضررين من مختلف أنواع الكوارث، كما سيدخل ضمن تعديلات مدونة التأمينات سن إجبارية التأمين ضد الأخطار الكارثية، وبموجب هذا القانون، سيتم إحداث سجل وطني لتعداد ضحايا الوقائع الكارثية، بهدف حصر حجم الواقعة والضحايا المستحقين للتعويض، إلى جانب لجنة للتتبع، تنبثق عنها لجنة خبرة لتقييم الأضرار اللاحقة بالبنيات المخصصة للسكن. وحدد مشروع القانون، مبلغ تعويض للمتضرر بدنيا من الوقائع الكارثية، بما فيها الفيضانات، في حدود 70 في المائة من التقييم المعتمد، بالقياس على تعويض المصابين في حوادث تسببت فيها عربة برية ذات محرك، ومنحة إعادة إصلاح السكن التي لا تتجاوز النسبة المذكورة، والمحددة من قبل لجنة الخبرة المشار إليها سالفا، إضافة إلى منحة عن فقدان المسكن الرئيسي في حال التملك، وفقدان الانتفاع في حال الإقامة في المسكن المتضرر.

وحسب المذكرة التقديمية لهذا القانون، فإن المغرب من البلدان المعرضة للكوارث الطبيعية، والتي ينجم عنها أضرار بدنية ومادية بالممتلكات، يمكن أن تؤدي إلى خسائر تكون لها آثار سلبية على المجتمع، مستدلا بكون المغرب شهد خلال السنوات الأخيرة كوارث طبيعية، وتعرضه لعدة أعمال إرهابية خلفت العديد من الضحايا، وأكدت المذكرة أن القانون جاء لتجاوز العديد من الثغرات التي يسجلها القانون الحالي، حيث سيسمح بتأمين المتضررين من الأعمال الإرهابية والكوارث الطبيعية والاحتجاجات، وسيشمل نظام التأمين طبقا للقانون التعويض عن الخسائر الناجمة عن الكوارث الطبيعية غير المتوقعة ذات الخطورة الشديدة والمفاجئة، والفعل العنيف الذي يكون ذات طبيعة إرهابية، أو على شكل فتنة أو اضطراب شعبي، عندما تشكل آثاره خطورة شديدة بالنسبة إلى العموم، باستثناء وقائع الحرب المدنية والخارجية، وكذا الآثار المترتبة على استعمال المواد والأسلحة الكيماوية، والبيولوجية، أو الجرثومية، أو النووية، أو الناجمة عن جرائم حاسوبية.

 

تمويل 250 مشروعا بمبلغ 411 مليارا لمواجهة مخاطر الفيضانات

 

أصدر المجلس الأعلى للحسابات تقريرا حول تقييم تدبير الكوارث الطبيعية، سجل غياب استراتيجية حكومية في مجال تدبير المخاطر، رغم أن عدد الكوارث الكبرى قد تضاعف أربع مرات تقريبا ما بين سنة 1980 وسنة 2000، وبـ 22 مرة تقريبا ما بين سنة 2000 وسنة 2014، وأكد المجلس أن وجود هذه الاستراتجية يكتسي أهمية كبرى بالنظر لدورها في الوقاية وتدبير المخاطر، ويسجل في هذا الصدد وجود مجموعة من المخططات القطاعية في ظل غياب استراتيجية وطنية واضحة المعالم.

 

غياب النهج الاستباقي

تحدث التقرير عن وجود مقاربة تعتمد على “رد الفعل” بدل “نهج استباقي”، وأشار التقرير إلى أن وقوع كارثة ذات أثر كبير غالبا ما يكون مناسبة للسلطات الحكومية للتفكير في مشاريع لأجل تأهيل البنيات التحتية المتضررة أو تلك المخصصة للوقاية، وكمثال على ذلك، كان زلزال الحسيمة لسنة 2004 وراء فتح نقاش عمومي موسع حول إشكالية البناء العشوائي والسكن غير اللائق، كما كان وراء إعداد نصوص تنظيمية وطنية جديدة خاصة بالبناء في المناطق المعرضة للزلازل.

وتم إحداث صندوق محاربة آثار الكوارث الطبيعية، سنة 2009، وتم اعتماده كآلية للتدخل الفوري في الأزمات الناتجة عن الكوارث الطبيعية، قبل أن يتم توظيفه بعد ذلك في تمويل المشاريع ذات الطابع الوقائي من الأخطار الطبيعية، وذلك في إطار مسطرة طلب المشاريع، ولقد تم إطلاق أول طلب للمشاريع خلال سنة 2015، حيث مكن من دراسة 90 مشروع ورد من مختلف الهيئات العمومية من جماعات ترابية ومؤسسات عمومية وقطاعات وزارية، وقد تم تمويل 19 مشروعا من هذا الصندوق لحماية بعض المناطق من مخاطر الكوارث الطبيعية بمبلغ 212 مليون درهما، وفي نونبر 2016، تم إطلاق طلب المشاريع الثاني، وتم التوصل بما مجموعه 112 ملف ترشيح بمبلغ إجمالي استثماري يناهز 280 مليار سنتيم، وبطلب مساهمة الصندوق بما يقارب 138 مليار سنتيم.

وخصصت وزارة الداخلية ما يزيد عن 411 مليار سنتيم لتمويل 250 مشروعا تندرج في إطار الوقاية من مخاطر الفيضانات، بهدف حماية الأرواح والممتلكات والأنشطة الاقتصادية من عواقبها الوخيمة.

وأوضح وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، في رده على سؤال كتابي تقدم به فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، أن السلطات العمومية تولي الأولوية الكبرى لظاهرة الفيضانات كونها تتسبب في خسائر بشرية ومادية كبرى تمس في أغلب الأحيان المناطق الأكثر عرضة لهذا النوع من الظواهر والغير قادرة على مواجهتها.

وأضاف لفتيت، أنه حرصا منها على نهج المقاربة الوقائية الاستشرافية للتخفيف والحد من آثار مثل هذه الظواهر الطبيعية، قامت السلطات الحكومية باتخاذ مجموعة من التدابير وكذا اعتماد آليات تنظيمية وقانونية ومالية بهدف حماية الأرواح والممتلكات والأنشطة الاقتصادية من عواقبها الوخيمة، وذلك عن طريق تدبيرها بشكل استباقي اعتمادا على الملاحظة والرصد واليقظة والتتبع والمراقبة والإنذار والتحسيس والوقاية وهي مقاربة أبانت عن فعاليتها ونجاعتها وقلة تكلفتها على مستوى التجارب الدولية.

وتتمثل هذه التدابير أساسا في تعزيز قدرات ووسائل عمل المؤسسات التي تعمل في مجال اليقظة والملاحظة والتتبع والإنذار بالفيضانات، ويتم ذلك عن طريق تعزيز وتقوية قدرات ووسائل عمل كل من وكالات الأحواض المائية، والمركز الملكي للاستشعار البعدي الفضائي والمديرية العامة للأرصاد الجوية، حيث أطلقت هذه الأخيرة في غضون سنة 2018 نظاما جديدا لليقظة الرصدية بشراكة مع وزارة الداخلية (المديرية العامة للوقاية المدنية ومركز اليقظة والتنسيق) ومديرية البحث والتخطيط المائي التابعة للوزارة المكلفة بالتجهيز والماء.

 

مشاريع تروم الحماية

يهدف هذا النظام إلى تحسين الإنذار لتمكين المواطنين من الحماية ضد الظواهر الجوية القصوى، خاصة الأمطار الغزيرة التي تنجم عنها الفيضانات حيث يمكن هذا النظام من إبراز ووصف المنطقة المعنية (عمالات وأقاليم والشرائط الساحلية)، حسب مستويات المخاطر المرتبطة بالظروف المناخية بالإضافة إلى اعتماد مشروع “ARIMA” الذي يهدف إلى جمع وتحليل المعطيات والبيانات المتعلقة بالمخاطر الطبيعية بما فيها خطر الفيضانات على مستوى جهة مراكش أسفي كمنطقة رائدة للمشروع.

ومن بين التدابير المتخذة كذلك، تمويل مجموعة من المشاريع التي تروم الحماية من خطر الفيضانات في إطار برنامج التدبير المندمج لمخاطر الكوارث الطبيعية والقدرة على مواجهتها، ويتضمن هذا البرنامج، الذي تم اعتماده منذ سنة 2016، ثلاث برامج فرعية من بينها برنامج فرعي يتعلق بالتحفيز على الاستثمار في المشاريع الوقائية الهادفة إلى الحد من آثار الكوارث الطبيعية، والتي يتم تمويلها بصفة مشتركة مع صندوق محاربة أثار الكوارث الطبيعية كدعامة مالية له والذي مكن منذ إحداثه إلى غاية السنة الجارية، من تحقيق مجموعة من الإنجازات في مجال الحماية والوقاية من خطر الفيضانات.

وفي هذا الصدد، كشف الوزير عن تمويل 197 مشروعا يتعلق بالوقاية من مخاطر الفيضانات يضم 127 مشروعا هيكليا، و 70 مشروعا غير هيكلي يشمل الدراسات ومخططات الحماية من خطر الفيضانات وأنظمة التتبع والإنذار وخرائط قابلية التعمير إلى ما غير ذلك من المشاريع المتعلقة بالمراقبة والرصد وتحديد المناطق الأكثر عرضة لهذا النوع من المخاطر الطبيعية، وذلك من أصل ما يفوق 250 مشروعا في المجموع شملت كافة جهات المملكة، بتكلفة إجمالية بلغت 4,11 مليارات درهم ساهم فيها الصندوق المذكور بالثلث .

وأشار وزير الداخلية إلى تمويل مشروع رائد يعتبر الأول من نوعه على مستوى التراب الوطني بغلاف مالي قدره 32.6 مليون درهم. ويتعلق الأمر بمشروع وضع نظام مندمج للمساعدة على تدبير مخاطر الفيضانات ، تم  اعتماده في بادئ الأمر على مستوى أربع محطات (المحمدية والقنيطرة وكلميم والحوز) ومن المرتقب أن يشمل لاحقا جميع المناطق الأكثر عرضة لهذا النوع من المخاطر على مستوى التراب الوطني.

وأبرز الوزير أنه في انتظار تفعيل لجان اليقظة الخاصة بالفيضانات المرتقب إحداثها بموجب القانون رقم 36-15 المتعلق بالماء، تم إحداث مصالح على مستوى عمالات وأقاليم المملكة، تسهر على تدبير وتتبع ورصد المخاطر الطبيعية وخاصة المتعلقة منها بالفيضانات، وذلك بالاعتماد على تقارير الأحوال الجوية وخرائط اليقظة التي تمدها بها المديرية العامة للأرصاد الجوية.

محمد جذري*:«مواجهة الكلفة الاقتصادية للكوارث الطبيعية تقتضي مقاربة شاملة»

 

أكد محمد جذري، الخبير الاقتصادي، أن الكوارث الطبيعية التي واجهها المغرب خلال السنوات الأخيرة، ومن ضمنها فاجعة فيضانات مدينة آسفي، كشفت عن كلفة اقتصادية مرتفعة تتحملها مختلف مكونات الاقتصاد الوطني، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، مشددا في الآن نفسه على أن هذه الفواجع، رغم طابعها المأساوي، تُحدث أيضا حركية اقتصادية موازية لا يمكن إغفالها.

وأوضح جذري أن الكوارث الطبيعية تخلف آثارا اقتصادية سلبية متعددة المستويات، تبدأ بالخسائر المادية التي تطول البنيات التحتية، من طرق وشبكات صرف صحي ومرافق عمومية، ولا تنتهي عند الأضرار التي تصيب المساكن الخاصة والأنشطة الاقتصادية الصغرى والمتوسطة، خصوصا في المدن الساحلية والمناطق الهشة. وأضاف أن فيضانات آسفي، على غرار فيضانات سابقة عرفتها مناطق أخرى، ألحقت خسائر مباشرة بالأنشطة التجارية والحرفية، وأثرت على دورة الإنتاج المحلي، ما ينعكس في النهاية على النمو الاقتصادي وعلى مداخيل الأسر.

 

منظور اقتصادي شامل

أشار الخبير الاقتصادي محمد جذري إلى أن الكلفة الحقيقية للكوارث الطبيعية لا تقتصر فقط على ما يتم إحصاؤه من خسائر آنية، بل تشمل أيضا كلفة الفرص الضائعة، وتعطل الاستثمار، وتوجيه اعتمادات مالية مهمة من الميزانية العامة نحو التدخل الاستعجالي وإعادة الإعمار، بدل توجيهها لبرامج التنمية طويلة الأمد. واعتبر أن هذا التحول الاضطراري في أولويات الإنفاق العمومي يُربك التوازنات المالية، خاصة في سياق دولي يتسم بارتفاع الأسعار وتراجع هوامش التمويل.

ورغم هذه الانعكاسات السلبية، شدد جذري على ضرورة النظر إلى الكوارث الطبيعية بمنظور اقتصادي أكثر شمولية، موضحا أن مرحلة ما بعد الكارثة تُفرز، في المقابل، حركية اقتصادية جديدة، من خلال إطلاق أوراش إعادة البناء والتأهيل، وارتفاع الطلب على مواد البناء والتجهيز، والخدمات المرتبطة بالأشغال العمومية. وقال إن هذه الدينامية، وإن كانت ناتجة عن ظرف قاسٍ، إلا أنها تخلق قيمة مضافة مؤقتة، وتحرك بعض القطاعات، وتوفر فرص شغل، خاصة في مجالات البناء، والأشغال العمومية، والنقل، والخدمات.

ونبه جذري إلى أن الاستفادة من هذه الحركية الاقتصادية تظل رهينة بوجود تخطيط محكم وحكامة جيدة، تضمن توجيه الاستثمارات نحو إعادة بناء مستدامة، بدل الاكتفاء بحلول ترقيعية قد تعيد إنتاج نفس الهشاشة مستقبلا. وأكد أن إعادة الإعمار يجب أن تراعي معايير السلامة والوقاية من المخاطر، حتى لا تتحول الكلفة الاقتصادية إلى حلقة مفرغة تتكرر مع كل كارثة جديدة.

وفي هذا السياق، شدد الخبير الاقتصادي على أهمية تعميم ثقافة التأمين، معتبرا أن ضعف الإقبال على التأمين على الممتلكات يُفاقم من حجم الخسائر التي يتحملها الأفراد والدولة على حد سواء. وقال إن عددا كبيرا من المواطنين المتضررين يجدون أنفسهم دون أي حماية مالية، ما يجعلهم يعتمدون كليا على تدخلات الدولة، وهو ما يثقل كاهل المالية العمومية. ودعا جذري إلى تحفيز المواطنين على التأمين على مساكنهم وممتلكاتهم، من خلال آليات تشجيعية، سواء عبر تخفيضات ضريبية، أو تبسيط مساطر الولوج إلى خدمات التأمين، أو حملات تواصلية تبرز أهمية هذا الخيار في مواجهة المخاطر.

 

صندوق التعويض عن الآثار الكارثية

أوضح محمد جذري، في ما يتعلق بصندوق التعويض عن الآثار الكارثية، أن هذا الصندوق يُعد آلية قانونية مهمة، غير أن تفعيله على أرض الواقع يظل محدودا. وذكّر بأن من بين شروط الاستفادة من هذا الصندوق أن يُعلن رئيس الحكومة، داخل أجل لا يتجاوز 90 يوما، أن المنطقة المعنية منكوبة بفعل كارثة طبيعية، وهو ما يفتح الباب أمام المواطنين المتضررين لتقديم طلبات التعويض. غير أن الإشكال، حسب تعبيره، يكمن في ضعف التواصل الحكومي حول وجود هذا الصندوق، وشروطه، ومساطره.

واعتبر جذري أن غياب التواصل قد يكون ناتجا عن تخوف الحكومة من ارتفاع عدد طلبات التعويض، وما قد يترتب على ذلك من ضغط مالي إضافي، غير أن هذا الاختيار، يضيف الخبير، يظل مكلفا على مستوى الثقة، ويُضعف الإحساس بالإنصاف لدى المتضررين. وشدد على أن الشفافية والتواصل الواضح حول آليات التعويض يشكلان عنصرا أساسيا في تدبير ما بعد الكارثة.

وفي ختام تصريحه، توقف محمد جذري عند الإجراء الحكومي الأخير المتعلق بإطلاق برنامج لإعادة تأهيل المناطق المتضررة من الفيضانات الأخيرة، خاصة بمدينة آسفي، معتبرا أن هذا البرنامج يعد خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح. غير أنه دعا إلى الحرص على أن يكون هذا البرنامج مندمجا، ومستداما، ويستند إلى تشخيص دقيق للأضرار والحاجيات، مع إشراك الفاعلين المحليين والخبراء، حتى لا تقتصر المعالجة على الجوانب الظرفية، بل تشمل معالجة الأسباب البنيوية التي تجعل بعض المناطق أكثر عرضة للكوارث الطبيعية.

وأكد جذري أن مواجهة الكلفة الاقتصادية للكوارث الطبيعية تقتضي مقاربة شاملة، تجمع بين الوقاية، والتأمين، والتعويض، وإعادة الإعمار الذكي، بما يضمن حماية الاقتصاد الوطني، وتقليص الخسائر، وتحويل الأزمات، قدر الإمكان، إلى فرص لإعادة البناء على أسس أكثر صلابة.

 

محمد زين الدين*: «تدبير الكوارث الطبيعية يحتاج إلى قانون إطار ووكالة وطنية موحِّدة»

 

كيف تقيّمون التأطير القانوني المعتمد في المغرب لمواجهة المخاطر المرتبطة بالكوارث الطبيعية؟

في تقديري يمكن القول إن المغرب راكم، خلال العقود الأخيرة، عدداً من النصوص القانونية والتنظيمية التي تهم بشكل مباشر أو غير مباشر تدبير الكوارث الطبيعية، سواء تعلق الأمر بالفيضانات، أو الزلازل أو الانهيارات الأرضية، أو الحرائق. غير أن هذا التراكم، على أهميته، يظل مفتقداً للانسجام والتكامل، إذ إننا أمام منظومة قانونية مجزأة، موزعة بين قوانين قطاعية متعددة، دون وجود قانون إطار موحِّد يؤطر مختلف مراحل تدبير الكوارث.

الإشكال الأساسي لا يكمن في غياب النصوص، بل في غياب رؤية قانونية شمولية تجعل من الوقاية أولوية، ومن التخطيط الاستباقي قاعدة، بدل الاكتفاء بمنطق التدخل بعد وقوع الكارثة. فغالباً ما يتم تفعيل الآليات القانونية في سياق استعجالي، تحت ضغط الحدث، وهو ما يحدّ من فعاليتها ويجعلها رهينة بردود الفعل.. علما أن تحديد المسؤوليات القانونية بين مختلف المتدخلين لا يزال غير واضح في كثير من الحالات، سواء تعلق الأمر بالإدارة المركزية، أو بالجماعات الترابية أو بالمؤسسات العمومية. وهذا الغموض ينعكس سلباً على سرعة اتخاذ القرار، وعلى مساءلة الجهات المعنية عند وقوع اختلالات في التدبير أو التأخير في التدخل.

من هنا أرى أن الحاجة باتت ملحّة لاعتماد قانون إطار خاص بالكوارث الطبيعية، يحدد بوضوح مبادئ التدبير، ويؤسس لحكامة قانونية مبنية على الوقاية، والإنذار المبكر، والتدخل المنسق والتعويض العادل، مع ربط المسؤولية بالمحاسبة.

 

ماذا عن سياسة الالتقائية بين القطاعات الحكومية في مواجهة آثار الكوارث الطبيعية؟ وهل ترون أنها كافية؟

مسألة الالتقائية تظل، في رأيي، من أعقد الإشكالات التي تواجه تدبير الكوارث الطبيعية بالمغرب. فعلى المستوى النظري، هناك حديث متواصل عن التنسيق بين القطاعات الحكومية، وعن العمل المشترك بين مختلف المتدخلين، غير أن الواقع العملي يكشف عن محدودية هذه الالتقائية، وعن غياب إطار مؤسساتي دائم يضمن استمراريتها ونجاعتها.

في كثير من الأحيان تشتغل القطاعات الحكومية كلٌّ وفق منطق اختصاصه، ووفق أولوياته القطاعية، دون وجود آلية مركزية قادرة على توحيد الرؤية، وضبط الأولويات وتنسيق التدخلات في الزمن والمجال. وهذا ما يؤدي أحياناً إلى تداخل في الاختصاصات، أو إلى تأخر في الاستجابة أو هدر الموارد البشرية والمالية.

من هذا المنطلق أقترح التفكير الجدي في إحداث وكالة وطنية لتدبير المخاطر الناتجة عن الكوارث الطبيعية، تكون بمثابة قطب مؤسساتي جامع، يتمتع بصلاحيات واضحة في التخطيط والتنسيق والتتبع. هذه الوكالة لا ينبغي أن تكون مجرد بنية إدارية إضافية، بل مؤسسة استراتيجية تشتغل بمنطق الاستباق، وتنسق بين القطاعات الوزارية، والجماعات الترابية ومصالح الوقاية المدنية، والمؤسسات العلمية وحتى المجتمع المدني.

وجود مثل هذه الوكالة من شأنه أن يضمن وحدة القرار، ويُحسن تدبير الموارد ويُسرّع وتيرة التدخل، خاصة في الحالات الاستعجالية، ويمكن للوكالة، كذلك، أن تضطلع بدور أساسي في إعداد خرائط المخاطر وتحيينها، وتتبع تنزيل سياسات الوقاية وتقييم نجاعة التدخلات بعد كل كارثة.

الكوارث الطبيعية لا تعترف بالحدود القطاعية أو الإدارية، لذلك فإن مواجهتها تتطلب بنية مؤسساتية مرنة، ذات طابع أفقي، قادرة على تجسيد الالتقائية فعلياً وليس فقط على مستوى الخطاب.

 

بخصوص التعويض عن الأضرار المرتبطة بالكوارث الطبيعية، كيف تقيمون الإطار القانوني الحالي؟ وما أبرز الإكراهات المطروحة؟

ملف التعويض يُعد من أكثر الملفات حساسية، لأنه يمس بشكل مباشر حقوق المواطنين المتضررين، ويؤثر على مستوى الثقة في تدخل الدولة. لا يمكن إنكار أن المغرب قطع خطوات مهمة في هذا المجال، سيما من خلال إرساء آليات للتعويض والتضامن، غير أن الإطار القانوني الحالي لا يزال يعاني من عدة اختلالات.

أول هذه الاختلالات يتعلق بمحدودية نطاق التعويض، سواء من حيث فئات المستفيدين أو طبيعة الأضرار المشمولة. ففي كثير من الحالات، يجد المتضررون أنفسهم خارج دوائر الاستفادة، إما بسبب تعقيد المساطر أو بسبب معايير لا تعكس دائماً حجم الضرر الحقيقي.

ثانياً هناك إشكالية مرتبطة ببطء مساطر التعويض، حيث تستغرق عملية تقييم الأضرار وصرف التعويضات وقتاً طويلاً، ما يزيد من معاناة المتضررين، خاصة في الحالات التي يفقد فيها المواطن مسكنه أو مصدر رزقه. وهنا يطرح سؤال النجاعة الإدارية ومدى قدرة المنظومة الحالية على الاستجابة السريعة.

من وجهة نظري قانون التعويض عن الأضرار المرتبطة بالكوارث الطبيعية يحتاج إلى مراجعة شاملة، تقوم على تبسيط المساطر، وتوحيد آليات التقييم وضمان الشفافية، مع اعتماد مقاربة تراعي العدالة المجالية والاجتماعية. وينبغي التفكير، كذلك، في ربط منظومة التعويض بأنظمة التأمين والحماية الاجتماعية، في إطار تكامل يضمن حماية أوسع للفئات الهشة.

ولا بد، أيضاً، من إدماج الجماعات الترابية بشكل أوضح في مسار التعويض، باعتبارها الأقرب إلى المواطنين والأقدر على تشخيص الأضرار ميدانياً، شريطة توفير التأطير القانوني والمالي اللازم.

في النهاية يمكن القول إن تدبير الكوارث الطبيعية لم يعد شأناً ظرفياً أو تقنياً، بل أصبح قضية حكامة بامتياز، تتطلب إرادة سياسية، وتأطيراً قانونياً حديثاً ومؤسسات قادرة على العمل بمنطق الاستباق والتكامل، حمايةً للأرواح، وصوناً للحقوق وتعزيزاً لثقة المواطن في مؤسسات الدولة.

*أستاذ القانون العام بكلية الحقوق بالمحمدية

 

 

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى