
في سيرة المنتخب الوطني لكرة القدم، رجال أبدعوا وأبهروا فأصبحوا حديث الناس، صعدوا سلم النجومية وتصدرت صورهم الصحف والمجلات وسارت باسمهم ركبان الإعلام المرئي والمسموع.. لكن سرعان ما انسحبوا في صمت وانتهوا في غبش الظلام، لا يلتفتون إلى الوراء كي لا يداهمهم حنين النجومية، قبل أن يموتوا دون أن ينتبه لرحيلهم أحد.
غادرونا دون سابق إشعار، ومع مرور الأيام تغطي ذاكرتنا طبقات من الغبار ونتواطؤ مع النسيان وننخرط في لعبة الجحود.
ولد جورج فيرجيل مارداريسكو يوم 15 يونيو 1921 بالعاصمة الرومانية بوخاريست، بدأ مساره الرياضي لاعبا لبترولول بلويشتي سنة 1945 وأنهاه بصفوف الفريق ذاته ليدخل عالم التدريب. كانت البداية مع فريق دينامو أوراشول ستالين لمدة ثلاث سنوات، قبل أن يتنقل بين فرق أخرى، من قبيل نادي جامعة كلوج ونادي بول بيتروشاني ويونيفرسيتانيا كرايوفا وغلوريا بيسترياسا ونادي باكاو وأغريس بيتيشيت وبوليتينيكا ياشي، قبل أن يرتقي لتدريب المنتخب الأولمبي الروماني.
بعد إقصاء المنتخب المغربي من التصفيات المؤهلة إلى لكأس العالم سنة 1974، على يد منتخب الزايير، ارتأى الملك الحسن الثاني العودة إلى المدرسة الكروية لأوروبا الشرقية التي كان لها مفعول إيجابي خلال فترة ارتباط الفريق الوطني بالمدرب اليوغوسلافي فيدنيك.
«حين اشتد بطش الديكتاتور الروماني تشاو شيسكو، ازدهرت الرياضة الرومانية»، هكذا يقول الرومانيون الذين برزوا في مجالات رياضية عديدة وتسيدوا الدورات الأولمبية من الكرة إلى الجمباز الذي أنجب أصغر بطلة للعالم وهي نادية كومانتشي التي هربت بجلدها إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
في عهد رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم السابق عثمان السليماني، أعلن عبد الرحمان بلمحجوب استقالته من تدريب الفريق الوطني، بعد أن تحول الرجل إلى إطفائي يخمد لهيب مجموعة ما بعد جيل ميكسيكو 1970.
كان المنتخب المغربي خرج للتو من التصفيات المؤهلة إلى كأس العالم على يد الزايير، في مباراة دار لغط كبير حولها وفضلت الجامعة عدم خوض مباراة الإياب احتجاجا على تحكيم ظالم.
وافق الملك الحسن الثاني على التعاقد مع مدرب روماني، كان لاعبا في منتخب بلاده قبل أن يصبح لاجئا سياسيا في واشنطن. انتقل جورج فيرجيل مارداريسكو إلى المغرب وفي قلبه خوف لا يقاوم، كان يعقد المواعد مع أعضاء الجامعة ثم يغير مكانها في آخر لحظة، وكأن شبح الحاكم لا يفارقه.
قال الحسن الثاني في اجتماعه مع المدرب مارداريسكو: «الكرة الشرقية تعجبني بجديتها وصرامتها، لقد جربنا عدة مدارس خاصة الفرنسية والإسبانية، معك سندخل في تجربة جديدة، ولأن الصرامة هي العنوان الأبرز، فقد قررنا أن نضع إلى جانبك رجلا صارما أيضا عيناه ناخبا وطنيا وهو الكومندار المهدي بلمجدوب العارف بكرة القدم المغربية».
اعتبر مارداريسكو المغرب بلد لجوء، فأشرف على تدريب المنتخب المغربي لأربع سنوات، ورغم أن مدة الارتباط كانت قصيرة، إلا أن المدرب الروماني ترك بصمته على المنتخب المغربي حين قاده إلى الظفر بالكأس الإفريقية الوحيدة التي في حوزة الكرة المغربية بإثيوبيا سنة 1976، لكنه لم يحض بأي تكريم رغم أنه كان رجلا مسالما إلى حد السماح للكولونيل بلمجذوب باختيار التشكيلة والقيام بالتغييرات التي تفرضها كل مباراة، معتبرا هذا التدخل مقاربة تشاورية.
أقيل مارداريسكو من منصبه عقب خسارة المغرب وخروجه من الدور الأول لنهائيات كأس إفريقيا بغانا سنة 1978، ولم يشيعه في رحلة المغادرة سوى صحافي رياضي وهو نجيب السالمي الذي رافقه إلى مطار النواصر.
هاجر المدرب الروماني إلى الولايات المتحدة الأمريكية رفقة ابنه الذي سيصبح لاعبا بفريق كوسموس الأمريكي، وكان الفتى خاض تجربة قصيرة كلاعب في صفوف الوداد الرياضي، بينما سيشرف والده في المهجر على تدريب فريق أبولو نيويورك سنة 1980، قبل أن يتحول إلى مستشار ووكيل أعمال لاعبين.
مات مارداريسكو، المدرب واللاجئ الرياضي إلى أمريكا، في صمت سنة 2003، دون أن ترسل جامعة الكرة رسالة تعزية إلى أسرته عبر السفارة.





