
حسن البصري
اليوم فقط فهمت لماذا يصر إخواننا في المشرق على تسمية هذه التسديدة المفصلية بـ«ركلة» جزاء، بدل «ضربة» جزاء.
كانت «ركلة» قاسية أجهزت على أحلامنا وحولت عرسنا إلى ما يشبه المأتم. قدرنا في هذه الدورة الإفريقية أن نستهل البطولة بضربة جزاء ضائعة لم يوفق رحيمي في تسديدها، وننهي الدورة بضربة جزاء عجائبية من دياز.
الجزائريون الذين سخروا من لاعبنا إبراهيم دياز، شربوا من نفس الكأس، حين أهدر لاعبهم أيمن محيوص ضربة جزاء بطريقة «بانينكا» أمام المنتخب السينغالي، يوم خامس فبراير 2023، يا لمكر الصدف.
خسر الجزائريون كأس أمم إفريقيا للمحليين في عقر ملعبهم «نيلسون مانديلا»، وقضوا ليلة ليلاء وهم يرددون مع الشاب حسني أغنيته الشهيرة «بكيت ما قديت».
إذا كنت حزينا لأن إبراهيم دياز قد أضاع ضربة جزاء في نهائي كأس أمم إفريقيا، فتذكر أن روبيرتو باجيو قد أضاع ضربة جزاء في نهائي كأس العالم، حولت إيطاليا إلى مبكى.
ما حدث لا يمكن اختزاله في كلمة تنفيذ سيئ أو سوء تقدير، ولا يمكن تصنيفه في خانة «سيحت الزربة»، ولا يمكن أن نلوم القدم، بقدر ما نلوم مناخ المباراة المتوتر، ركل ورفس هنا وهناك.
مدرب سينغالي يجذب مساعدا جزائريا يهمس ويلمز، بل في كل ما دار حولها قبل أن توضع الكرة على نقطة الجزاء، لاعبون يحرسون نقطة الجزاء كي لا تتعرض للمسة سحر، وفي المدرجات جمهور يسيء للبلد الذي استضافهم وشجعهم في كثير من مبارياتهم.
في هذه الظرفية تصبح الكرة أثقل من القدم، كرة محشوة بالضغط حد الديناميت، ويصبح حارس المرمى أشبه بحارس معبر حدودي، فتتحول اللحظة إلى ركلة قادرة على قلب طاولة التاريخ، قادرة على توقيف عقارب الزمن وتسريع وتيرة نبض القلوب.
قدر منتخبنا أن يركل مرات عديدة بسبب ضربات الجزاء، فقد غادرنا كأس أمم إفريقيا سنة 2019 وعدنا من مصر مكسوري الوجدان، بسبب ضربة جزاء لم يوفق في تسديدها حكيم زياش، وتكرر السيناريو سنة 2023 بكوت ديفوار، حين أضاع أشرف حكيمي ضربة جزاء وغادرنا مكرهين سان بيدرو. وفي 2026 تكرر سيناريو الإخفاق مع اللاعب إبراهيم دياز.
علاقتنا بضربات الجزاء سيئة للغاية، ففي سنة 1977 خرج منتخبنا من تصفيات كأس العالم، الأرجنتين 1978، بسبب تسديدة غير موفقة من نقطة الجزاء، أهدرها أحمد فرس، (اذكروا أمواتكم بالخير)، وتصدى لها عتوكة، حارس مرمى منتخب تونس.
في عام 1981 خرجنا من تصفيات كأس العالم إسبانيا 1982، بضربة جزاء سددها لاعب المنتخب محمد رابح، وتصدى لها الحارس الكاميروني، توماس نكونو. لم ينم لاعبنا في بيته، بعد أن أدانه الشارع المغربي بتهمة إقصاء بلد وحرمانه من تأشيرة المونديال.
حصل هذا في ظرفية سياسية تميزت بالاحتقان، وكان المغرب يعيش الشوط الإضافي من إضراب كوميرا، رغم ذلك كان تسجيل ضربة الجزاء مطلبا يفوق مطالب زعماء الحراك.
رحل «شيشا» إلى سويسرا فآمنته من خوف، بعد أن هاجر إليها هربا من ألسنة السوء، فقط لأنه أهدر ضربة جزاء.
من الأخطاء الشائعة في لعبة كرة القدم، أننا نبخس جهود حارس المرمى ونركز على اللاعب الذي يسدد ضربة الجزاء، فليس اللاعب هو من أهدر التسديدة، بل الحارس هو من تصدى لها.
أسدلت «الكان» ستائرها، واكتفينا بجائزة الروح الرياضية، لكننا استخلصنا الدروس والعبر من دورة إفريقية، تعرضنا فيها لركلات جزاء كثيرة من «شناقة» التذاكر، من قناصي الفرص، من البؤساء الذين اغتنوا في الليلة الظلماء، من المؤثرين الذين نفخوا أرصدتهم..
لكنها رخيصة بتعليمة.





