شوف تشوف

الرأي

محنة الثورة السورية وظلالها 

بقلم: خالص جلبي 

شاهدت فيلم «همينغواي» وهو يتحدث عن مشاركته في الحرب الأهلية الإسبانية، وكيف تم دحر القوات الديمقراطية والمتطوعين لنصرة الشعب الإسباني، وكيف انتصرت الفاشية، وأمسك فرانكو بالحكم عاضا بأسنانه عليه، ودام هذا الوضع قرابة أربعة عقود. دامت الحرب الأهلية الإسبانية ثلاث سنوات (1936 ـ 1939) ومات فيها ما يقرب من مليون إنسان، وجربت فيها أسلحة الحرب العالمية المقبلة، ولكن فرانكو بعد أن ذاق ما ذاق من مرارة الحرب الأهلية، لم يبق عنده متسع لا هو ولا إسبانيا لحرب جديدة، ولذا اعتزل وبقي على الحياد في الحرب الكونية اللاحقة، وكان عقلا منه وحكمة وهو العتل الزنيم. وما حصل في سوريا كان أطول من الحرب الكونية، وهلك من الناس نسبة ومقدارا أكثر مما هلك من الأمم في الحرب الكونية، وهو يشهد سواء لإسبانيا أو سوريا أو الصومال ورواندا، عن عبثية الحرب الأهلية وفظاعتها. وهكذا فالزمن يتدفق، والأقدار تتشكل، وفي النهاية يذهب الجفاء، وما ينفع الناس يمكث في الأرض ويستمر خيرا وأبقى، ويذهب الطغاة إلى اللعنة وسوء الدار. وحاليا تتمتع إسبانيا بالديمقراطية ولا تذكر فرانكو إلا كما يذكر الطفل أيامه وهو يوسخ نفسه، فيضحك أو يبكي سواء؛ فهي ضريبة عدم نضج الأمم، وفي القرآن قانون صارم أن الأمم تؤخذ بالعذاب فإما رجعت وأصلحت، وإما زيد من جرعة العذاب. فإن أصرت على الخطأ نفسه هلكت، «وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا». هذا القانون يتكرر في أكثر من موضع: «ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون».
روى لي صديقي سفيان في مدريد كيف أن بعض أفراد المعارضة بقوا متخفيين 40 سنة تحت الأرض، خوفا من بطش الطاغية فرانكو. الوضع في سوريا يذكر بعملية المحافظة على فرانكو مع الفارق، أو حتى المحافظة على النازية (البعثية العبثية) وهتلر سوريا.
أتذكر حينما دخلت ألمانيا للتخصص الطبي وللمرة الأولى والأخيرة رأيت (الشيف) رئيس القسم الجراحي (كارل توما)، وكان عنصريا بغيضا، رأيته فرحا بموت الطاغية فرانكو، وكان ذلك عام 1975م. أنا شخصيا زرت إسبانيا لاحقا وقد تحررت من الطاغية، ووطأت بقدمي مكان قبره ومساعده الأيمن من الجبارين. ومن أعجب ما رأيت أن هذا الطاغية سخر المعتقلين السياسيين لبناء أعلى صليب في العالم، دليلا على تقواه وورعه. قصته تذكر بقصة مسجد الضرار الموجودة في آخر سورة «التوبة»، حين يسخر المقدس لخدمة الحقارة. كان المسجد موطئا للتآمر فجاء نبي الرحمة، فهدم المسجد على رؤوس الخونة ومزق ستار التقوى.
هذا التلاعب بالمقدس يتكرر في أشكال شتى عبر التاريخ، ولعل رفع المصاحف على رؤوس الرماح كان أفظع لعبة في تاريخنا، ومن جاء بها لم يكن أنزه الطرفين، وكانت النهاية مدمرة من نتائج معركة صفين حين أفرزت ثلاثة اتجاهات شتى، كل يدعي وصلا بالحق المطلق، بين فريق انتهازي يؤمن بحكم القبيلة، وثان يؤمن بحق العائلة المقدس، وثالث يرسم خطوط التاريخ بالدم، وما زال يتناسل وداعش هي نسخة مكررة عن هذا الفريق الثالث.
كانت الكنيسة مع فرانكو في هذا المسعى لترسيخ العبودية، شاهدا على فعل الأديان المزيفة مع الشعوب المسحوقة. كانت الثورة ديمقرطية بانتخابات حرة وبطعم يساري واضح، وتجند الشيوعيون أيضا يومها لنصرتها، منهم جماعة ستالين فأساؤوا للثورة أكثر من نصرتها. السيناريو نفسه حصل مع تسلح الثورة السورية وانزلاقها إلى الحرب الأهلية، فتحولت الأرض السورية إلى ساحة حرب بين فصائل شتى، والتاريخ علمنا أن من تسلح احتاج إلى التمويل، ويعني أن دولا تمنح مقابل أجندات معينة، وبذلك يموت الشهداء، وتسرق الثورات، وتسبح الأمم في الظلمات حتى حين. وهو السر خلف تحذير أرسطو قبل 2000 عام من الثورات. ونقرأ أيضا في كتاب الكواكبي عن الشروط الثلاثية للتخلص من الطغيان، من التدرج والسلمية، وأن من انخرط في الفتنة يستبعد من التغيير الجديد.
بيكاسو الرسام المشهور خلد لوحة غورنيكا، حيث مسحت الطائرات الألمانية المدينة من علو، في التحام شيطاني بين فرانكو وهتلر الصاعد يومها، حين وقعت تفاحة السلطة في ألمانيا في يد الحزب الاشتراكي الوطني الألماني، ما عرف لاحقا بالنازي (Nationalsozialistische Deutsche Arbeiterpartei‏ NSDAP).
بعد مرور عشر سنوات على الثورة السورية، نلاحظ سخرية الأقدار بالمحافظة على فرانكو سوريا وإعادة تصنيعه، مع قتل مليون من الأنام وتشريد خمسة عشر مليونا، أو كأننا أمام دمار ألمانيا والمحافظة على هتلر على رأس النظام النازي.
هل سيشهد الشعب السوري مأساة فرانكو لمدة ثلاثين أو أربعين سنة قادمة؟ قناعتي العميقة أن التاريخ يمشي بخطى تقدمية، وكما حصل لإسبانيا وغيرها من التخلص من الديكتاتوريات المقيتة إلى مزابل التاريخ مع اللعنة وسوء الدار، فستكون العاقبة في النهاية للتقوى. وحاليا تنعم إسبانيا بالديمقراطية وتبادل السلطة السلمي، بل ومحاكمة الملك السابق بتهمة الفساد. مع أن الملك السابق هو الذي أجهض محاولة ضباط أشرار من جماعة فرانكو، حين اقتحموا البرلمان الإسباني المنتخب بالغدارات والرصاص. وهو ما سيكون في سوريا المستقبلية، بل وسنشهد أفول الأصوليات في المنطقة بعد تجربتها الضارة، سواء السنية أو الشيعية «وآخر من شكله أزواج».

بعد مرور عشر سنوات على الثورة السورية، نلاحظ سخرية الأقدار بالمحافظة على فرانكو سوريا وإعادة تصنيعه، مع قتل مليون من الأنام وتشريد خمسة عشر مليونا، أو كأننا أمام دمار ألمانيا والمحافظة على هتلر على رأس النظام النازي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى