مذكرات عمرها 116 سنة تُترجم لأول مرة عن الإيطالية
مغامرة صحافي إيطالي قابل المولى عبد العزيز في عز تداعيات مؤتمر الجزيرة الخضراء

يونس جنوحي
«تحت الخيمة. انطباعات صحافي إيطالي بالمغرب سنة 1906». هو عنوان المذكرات التي صدرت أخيرا للباحث مصطفى نشاط والمترجم رضوان ناصح. وهو عمل مشترك كشف لأول مرة النقاب عن مذكرات مثيرة للغاية..
يتعلق الأمر برحلة الصحافي الإيطالي «لويجي برزيني»، وهو صحافي معروف جدا في إيطاليا، لأنه غطى أحداثا دولية مهمة خلال القرن الماضي. قصة الكتاب بدأت عندما توجه هذا الصحافي لكي يغطي أحداث مؤتمر الجزيرة الخضراء الذي كان الهدف منه الحسم في مستقبل المغرب واقتسامه بين الدول الكبرى في أوروبا.
ولأن «برزيني» كان مغامرا، فقد قرر أن يترك المؤتمر بكل طقوسه المغرقة في التفاصيل والرتابة، وأن يركب البحر ويعبر إلى المغرب لكي يكتشف بنفسه البلاد وحقيقة الأوضاع بعيدا عن تقارير السياسيين الباردة.
المغامرة المغربية لهذا الصحافي تبقى مهمة جدا، رغم بعض الانطباعات السلبية والقاسية أحيانا التي وجهها إلى المغرب، إلا أن مذكراته هذه تستحق فعلا أن تُقرأ من الغلاف إلى الغلاف، ليس لجودة الترجمة فقط، ولكن أيضا لأن «لويجي برزيني» دوّن مشاهدات نادرة عن المغرب بعين صحافي متمرس لا تفوته التفاصيل ويقرؤها قراءة عميقة ويربطها بالأحداث الدولية التي كان هو شخصيا في قلبها. قراءة ممتعة..
+++++++++++++++++++++++++++++++
هكذا أنقذت «المغامرة» المغربية صحافيا إيطاليا من رتابة مؤتمر
بدأت مغامرة الصحافي الإيطالي، «لويجي برزيني»، كالتالي:
«كيف نشأت لدي فكرة القيام برحلة إلى المغرب؟
كنت ملحقا بالمؤتمر الدولي الشهير بالجزيرة الخضراء بصفتي مراسلا لصحيفة Corriere della Sera، وبعد أن سمعت الدبلوماسيين يرددون هناك لشهور آراء متباينة حول المغرب – كنت أرسلها عبر التلغراف-، وبعد أن نقلت مختلف الأفكار حول هذا البلد الذي كان محور النقاش، أحسست برغبة جامحة في التعرف عليه عن قرب».
يعلق المترجمان على طبيعة المهمة والمنبر الصحفي الذي يمثله هذا الصحافي، في ذيل الصفحة، ويقولان إن اسم الصحيفة بالإيطالية كان يعني «مراسل المساء». وهي ذات توجه يميل إلى الليبيرالية ويمين الوسط. تعتبر من أقدم الصحف الإيطالية، أسسها «Eugenio Torelli Viollier» في 5 مارس 1876 وتعد جريدة «كورييري ديلا سيرا» من أكثر الجرائد مبيعا في إيطاليا، متبوعة بـ«La Repubblica»، ثم « «La Stampa.
لنعد إلى «لويجي» الذي بدا منبهرا جدا بالمغرب، ومتحمسا للرحلة قبل أن تبدأ، وهو ما ظهر جليا في الصفحات الأولى التي سبقت سرده لتفاصيل رحلته المغربية واكتشافاته. يواصل التمهيد لرحلته قائلا:
«لقد كانت جبال السواحل المغربية العالية والقريبة من مياه الجزيرة الخضراء تدعوني وتجذبني بقوة، أكثر من كل المؤتمرات الدولية، وسرعان ما أضحت هذه الرغبة مغرية، وهكذا في يوم جميل، تركت الجزيرة الخضراء والموظفين الدبلوماسيين كلهم، واجتزت مضيق جبل طارق؛ وأخطرت من طنجة مدير جريدتي وقرائي بقراري عبر رسالة أنقلها هنا جزئيا، لأنها كانت تبدو لي في تلك اللحظة أحسن تمهيد أضعه لهذا الكتاب عن رحلتي إلى المغرب.
كتبت فيها: «قررت السفر مساء أمس، فنزلت فجر هذا الصباح إلى رصيف الميناء. كان يوما عاصفا، والفوانيس لا تزال تضيء الأزقة الخالية التي بدأ يتخللها بالكاد ضوء خفيف، وكانت المنازل الصغيرة البيضاء الموجودة بأعالي الأزقة المنحدرة، غارقة في نوم عميق، وتبدو وكأن بعضها يشد بعضا، كي لا ينال البرد القارس منها، وحتى لا تهوي على الأرض، مثلما تفعل الأغنام في نومها. وبدت الستائر المغلقة على واجهاتها الشاحبة مثل النظارات الخضراء التي كانت تضفي عليها نوعا من الوقار، لكنه وقار حزين، وكانت تأتي البحر رياح عاتية تزمجر بمخازن الميناء بأصوات مختلفة، تبث الشكوى بجانب عباب الأمواج المتلاطمة على صخور ميناء الجزيرة الخضراء، كأنها صبيحة مستقاة من رواية نضجت فيها كل العناصر الضرورية التي تشي بفرار كلاسيكي.
كان أحد القوارب في انتظاري على الرصيف، فركبته لألتحق بباخرة «الرباط»، القادمة من جبل طارق والمتجهة إلى طنجة. وقد بالغ أصحاب المركب بسبب العاصفة في طلب ضعف الثمن المتفق عليه عادة، وأديت كل ما طالبوا به عن طيب خاطر لأنني كنت سعيدا.
كنت سعيدا بالفرار من الجزيرة الخضراء، لأنني لن أضطر إلى الهرولة وأنا أتنقل بين الوفود لسماع حديث تافه وممل، أجبر على إرساله عبر الأسلاك وخيوط الاتصال، وكنت سعيدا لأنني لن أقضي ساعات طويلة بالبهو الرمادي لقصر «كونسيستوريال» في انتظار خروج شخصيات رسمية بالقبعات الدائرية المليئة بالأسرار، ولأنني لن أحضر اجتماعات ولقاءات مشبوهة مع الدبلوماسيين الذين لا يقولون تقريبا أي شيء، وإن قالوه فبحذر. ثم لأنني لن أقوم بمقابلات تافهة.. إذا لم ترسل التلغراف، سيعتبرونك غير ذي جدوى، وإذا أرسلت، ستعتبر حينها عديم اللياقة. وكنت سعيدا أيضا لأني لن أكون موجودا ببهو فندق الملكة كريستينا الشهير، وأنا أتربص ظهور أعضاء وفود الدول للحديث عن «طبيعة الوضع، ونحن نتقاسم الإحساس بملل كبير. كما كنت سعيدا بالتحرر من خدمة مرهقة وغير مجدية، والتي إن أُنجزت بشكل جيد، تزيد من متاعبها بملاحقة مصالح الشرطة السياسية لنا».
تحليل صحفي لأوضاع المغرب سنة 1906 وصفه بأهم بلد في العالم!
من جملة الأسئلة التي طرحها الصحافي «لويجي برزيني» على نفسه وشاركها مع قراء مذكراته، جدوى مؤتمر الجزيرة الخضراء الذي كان فعلا محطة مهمة في تاريخ البلاد، إذ بموجب الاتفاقيات التي توصلت إليها الدول الأوربية المجتمعة هناك، تم التخطيط لبسط النفوذ الأجنبي على المغرب، وربما لو كانت مضامين التوصيات والاتفاقيات مختلفة، لكان الوضع المغربي مختلفا أيضا.
بهذا الخصوص يكتب «لويجي برزيني» قائلا:
«لربما يعد المغرب، اليوم، البلد الأكثر أهمية في العالم، وقد نهشته الفوضى وبددت قواه مثلما يصنع الموشور مع الضوء، فيبدده حتى يتمكن من تفحصه. وهذه الفوضى لا تطلق العنان للكراهية والطموحات الجامحة، بقدر ما تطلقه للجشع. إن المغرب يتآكل، وهذه الإمبراطورية تتعفن منذ خمسمائة عام وتتبدد قواها، دون أن تتفطن أوربا إلى ذلك، وقد تنبهت إليه فقط لما سمعت الصراخ الناتج عن النهب الذي يتعرض له، ولما وصلتها رائحة الفريسة. ها هنا يكمن الصيد، وعلى القوى المتحضرة أن تتحرك بنظام دون أن يؤذي بعضها بعضا، ولا يجب عليها تقطيع المغرب إربا إربا والتهامه، بل يجب عليها أن تمتصه بوضع نظام لهذه العملية المفيدة المسماة «تنفيذ الإصلاحات». اللعبة نفسها فشلت في الصين. فهل تنجح في المغرب؟ وهل سيكون المغرب الأقصى طيعا أكثر؟ مقارنة مع ما تعرض له الشرق الأقصى من استغلال؟ وحتى هنا في المغرب، يفخر الشعب بأصوله وبدينه، وهو منغلق على أعرافه القديمة، كما هي الحال مع السلهام التقليدي الناصع البياض. الذي يلبسه منذ عشرات القرون، ويسود هنا أيضا احتقار للأجانب واستعداد للقيام ضد الأسرة الحاكمة التي تستقبلهم. وأكثر من ذلك، فهو شعب محارب ما زال يستحضر غزواته القديمة، ويعتبر مسجد قرطبة ملكا له، ولا تزال عدة أسر تحتفظ ضمن كنوزها بمفاتيح منازل أسلافها الذين سكنوا غرناطة وإشبيلية، وتستعرض جذور أنسابها العميقة بقلب أوروبا.
ماذا سيفعل الثوار الملاكمون بالمغرب؟ هناك مجرد كلام بالجزيرة الخضراء، في حين أن الحقائق توجد بالمغرب. (يقول المترجمان إن الصحافي يقصد ثورة الملاكمين المعروفة بـ«يهيتوان» بالصينية، والتي قامت ضد التدخل الإمبريالي ما بين سنتي 1899 و1901).
«أنا أُفضل الحصول على المعطيات من المغاربة، لأنهم أقل خداعا. سأهيئ فورا قافلة لخوض سفر طويل داخل المغرب، وما طنجة إلا بوابته، وهي أقل انفتاحا مما قد نعتقده، ووجب علي أن أتجاوز العتبة، وسأتجاوزها لأرى ما يوجد وراءها، وأتمنى أن أجد أشياء أكثر أهمية مما تتيحه جلسة الشاي التي تعد على الساعة الخامسة مساء بفندق الملكة كريستينا، إذ لا تقدم الدبلوماسية الدولية سوى مجرد أخبار موهمة».
كانت هذه أهم وأسخن نقاط التقديم الذي كتبه هذا الصحافي الإيطالي ممهدا لإدخال قرائه الإيطاليين، قبل أزيد من قرن، إلى قلب الرحلة التي قام بها في المغرب. تقديم لا يخلو من لمسة تشويق صحفي متعمد بكل تأكيد.
+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
الوصول من طنجة إلى فاس كان يستغرق ثمانية أيام
على عكس أغلب المذكرات التي جعلت من المغرب، خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، موضوعا لها، فإن الصحافي «لويجي برزيني» لم يهتم كثيرا بتفاصيل الطريق. بل اختصر على قرائه مشقة قطع البحر نحو مدينة طنجة. وبينما هناك مذكرات أفردت لتفاصيل الوصول إلى طنجة ووصف طرقاتها وأناسها وعاداتهم وأشكال الفنادق وشخصيات المبعوثين الدبلوماسيين الأجانب الذين سكنوا المدينة الدولية وجعلوها وطنا لهم، فإن «لويجي» بدأ وصف الرحلة بمغادرة طنجة وليس بالوصول إليها. هكذا:
«بينما كنت على أهبة مغادرة طنجة على رأس قافلتي، كانت الرايات البيضاء تنتصب على صوامع المساجد، معلنة للمصلين حلول وقت الصلاة الثانية. تصادف صلاة الظهر وضعية يكون ظل الأشياء فيها ناقصا من ربعه و-بمعنى أدق- نقول إنها تتم حوالي الساعة الواحدة والنصف زوالا.
كان من المقرر أن أنطلق في سفري على الساعة الثامنة صباحا، لكنني تأخرت في ترتيبات السفر مدة خمس ساعات، وهي مدة طويلة في بلد لا يتم التنقل فيه عبر السكك الحديدية.
كلفتنا الاستعدادات الأخيرة من الوقت الصبيحة كلها، والتي لا تنتهي حتى تبدأ من جديد، ولا تنتهي أبدا. ثمة دائما جزئيات كنت أغفل عنها في التحضير لقافلة مقبلة على رحلة قد تستغرق بضعة أشهر داخل المغرب، حيث يقتضي السفر التزود بكل شيء، بما في ذلك الفحم».
الوجهة كانت إلى مدينة فاس، العاصمة السياسية للمغرب. المكان الذي يستهوي الصحافيين الأجانب، نظرا لوجود كافة الوزراء المغاربة فيها، بالإضافة إلى القصر الملكي، حيث يوجد السلطان. إذ إن أغلب الصحافيين الدوليين وقتها كانوا يتمنون مقابلة سلطان المغرب.
إلا أن «لويجي» كان لديه طموح أكبر من ربط العلاقات، إذ كان يرمي منذ البداية إلى الفوز بـ«سبق صحافي» يتمثل في نقل مشاهد من قلب المغرب إلى القراء في إيطاليا، خصوصا وأن المغرب وقتها كان في صلب اهتمامات السياسيين الإيطاليين، في إطار السباق الاستعماري بين إيطاليا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا، على شمال إفريقيا. ولم يخب اهتمام إيطاليا بالمغرب إلا بعد أن رست «الصفقة» على فوز الإيطاليين بليبيا، في مقابل التخلي عن المغرب لصالح فرنسا وإسبانيا.
عندما غادر «لويجي» طنجة، شرع في وصفها وصفا دقيقا، وتفرغ أكثر لوصف البوادي القريبة منها، حيث يعيش سكان القرى التي تطوق طنجة على الفلاحة، في جو عام يسيطر عليه قطاع الطرق، وانعدام الأمن خلال السفر، إلى درجة أن كل المسافرين، محليين وسياحا أجانب، كانوا يحتاجون إلى مرافق متمرس، وعلى اتصال بالقبائل والقرى، لكي يضمن لهم عبورا سالما من طنجة إلى فاس. الطريق بين المدينتين، تقطع ما لا نهاية له من الحقول، مصدر العيش الوحيد لآلاف الفلاحين المغاربة خلال القرن الماضي. والوصول إلى فاس، من طنجة، حسب الشرح الذي أورده المترجمان، كان يحتاج إلى ثمانية أيام كاملة من السفر.
أما في وصف الطريق ومتاعبها، فيقول «لويجي»:
«الأسر الأكثر تميزا وحظوة عند القبائل، ليست هي الأسر المجدّة التي تعمل أكثر. وإنما نظيرتها الأكثر عددا. لأنها تمتلك بنادق أكثر. وعليه، فيمكن لقطاع الطرق أن يصبحوا حكاما. وهذا ما يثير مشاعر أوروبا. لكن لا أحد يعارض تلك المعادلة. كل شيء يتساوق مع النظام المنطقي لما هو مغربي.
لكن هذا الشغف المغربي المتمثل في «طرطقة» البارود، وهكذا يسمي المغاربة إطلاق النار على بعضهم البعض، يشكل ضرورة أكثر منه غريزة. ويردد المغربي، البندقية هي عدالتي، وهو صائب في ما يقوله لأنه لا يمتلك في الواقع غيرها».
في ضيافة قاطع طريق شهم!
عندما وصل «لويجي» إلى وادي سبو، اتجه مع مرافقه طلبا للضيافة في الضفة اليسرى للوادي، حيث كان يسكن رجل وصفه بالعظيم، واسمه بوشعيب النصراوي بني احسن. بل وقال عنه إنه مغربي نبيل يمتهن حرفة قاطع طريق.
يقول: «إن قاطع الطريق بالمغرب، ليس بالخارج عن القانون، بما أنه ليس ثمة قانون. بما أنه ليس ثمة قانون، وهو يحارب فقط عندما يصبح مهددا لمصالح المخزن ويقوم في العمق بوظيفة طبيعية. يمكن لكل شخص بالمغرب أن يكون قاطع طريق حسب قدراته. ولهذا ينقصه عنصر رهيب هو أن يكره ممن يشعر بأنه يكرهه وللمقارنة، فقاطع الطرق في ديارنا شخص شرس دون فائدة كأنه بهيمة مهددة ومصطادة ومطاردة، ويخرج من جرائمه الحقد الدفين الكامن في الإنسان اليائس، ويصيب من خلال ضحيته كل المجتمع الذي يلاحقه ويصب جام انتقامه بلا هوادة عليه. إنه يحتاج إلى فريسة ليعيش وإلى دم يتلذذ به. أما قاطع الطريق المغربي، فإنه لا يحتاج إلى ذلك، ولا تستبد به المعاناة الفظيعة التي تجعله يشعر باللؤم. وهو مجرد محترف للنهب، يمارس القتل إن كان ذلك من مصلحته -مثل صانع بسيط لمواد غذائية فاسدة- لكنه لا يفقد هدوء الإنسان الذي يحس بتأنيب الضمير. ونحن الذين أسميناه قاطع طريق بذريعة أن أفعاله ببلادنا تستوجب المشنقة. لكنه هنا في المغرب، فهو سيد وسنكون عادلين إذا ما حكمنا على الأشياء بمعاييرنا.
وإذا ما تصفحنا التاريخ، وجب علينا أن نشرف بلقب قاطع طريق كل رجالاتنا الكبار بالعصر الوسيط، وإلى حدود عصر النهضة وبعض الشيء في وقت لاحق، فأي مجد إيطالي لم ينتبه إلى قانون زناردللي.
شاهدنا في الأفق قرية على السهل، من بين نباتات الصبار الكبيرة الإفريقية التي تبدو بعضلات العمالقة وملامحهم، كأنها نباتات في صورة إنسان. إنها مقر إقامة بوشعيب. توقفنا هناك وتقدم المخزني الشيخ الذي كان في خدمتي وحده، باعتباره معينا من أجل مهمة سلطانية عليا في اتجاه المقر على حصانه الراكض. ورجع بعد نصف ساعة إلينا مستصدرا موافقة بوشعيب على ضيافتنا وتقدمنا بذلك نحو مقر إقامته.
تحمل القرية اسم مؤسسها؛ أي بوشعيب. كان شكلها بئيسا، وتتكون في معظمها من خيام سوداء تحيط بها زرائب وكانت بها مجموعة واحدة من أكواخ بدائية. لكنها كانت واسعة ومغطاة بالتبن. وكان المقر متضمنا لمخازن وإسطبلات وبيوت السيد. وهناك كوخ يستخدم مسجدا تحيط به نباتات كثيفة كما أحيطت القرية بحفر خندق عميق وطويل لحمايتها من هجوم الفرسان، وكان هناك خندق ثان لحماية منزل بوشعيب. كان الصمت يلقي بظلاله على كل شيء عند وصولنا إلى القرية التي كانت تبدو كأنها مهجورة. أعتذر عما قلت، فقد كان بها طفلان نصف عاريين بوجهين مقطبين تمنيا لي أن يُقطع رأسي».
ولكي نختصر الأحداث، فقد انتقل «لويجي» إلى ذكر ما دار بينه وبين «قاطع الطريق» الذي استضافه في منزله:
«وبينما أنا واقف أمام المدخل، إذ بصوت غليظ وبطيء يتوجه إلي: على سلامتك.
أجبت بالسلام المعتاد: «وعليكم السلام». وهي أولى الكلمات التي يجب على الأجنبي أن يتعلمها هنا بالمغرب. ثم أضاف الصوت:
– مرحبا، تقدم واجلس». وانكشف لي نور خافت ومنظر اجتماع مهم. كان يجلس من حولنا رجال لا يتحركون كأنهم تماثيل، وهم يلتحفون جلابيب بيضاء من الصوف الخشن وعمائم تغطي جانبا من الرؤوس، وكانت أقباب جلابيبهم موضوعة على أكتافهم، وكلهم ينظرون إلي بنظرات ثابتة وحادة. وكان هناك شيخ بوسط الكوخ مقابل الباب، وقد لفع الشيب رأسه، يجلس على زراب بجمال أخاذ لا ينسجم مع تقشف المكان وبساطته. كان يبتسم بطيبوبة. إنه قاطع الطريق. لقد جمع بالقرب منه بعض الوسادات ليجعل منها وسادة بطول غريب، ووضع فوقها زربية وكان يضرب براحة يده عليها بنخوة، وتوجه إليّ قائلا:
«اجلس هنا أيها الغريب كما تجلسون ببلدكم! ».
صعدتُ على ذلك العرش، وأنا أردد بشكل مشوه كل عبارات الاعتراف والشكر المغربية التي كنت قد تعلمتها».
في قلب القصر الملكي بفاس ولحظات انتظار استقبال ملكي
التقى الصحافي «لويجي برزيني» مع وزير الخارجية المغربي الشهير وقتها، عبد الكريم بنسليمان، الذي كان رجل دولة بامتياز في وقته، رغم طابعه المحافظ الذي يغلب عليه لباس الفقهاء وذوقهم، وأسلوبهم أيضا في استعمال السلطة.. لكن رغم ذلك كله، ربط عبد الكريم بنسليمان علاقات وطيدة مع مبعوثين أجانب زاروا المغرب خلال مدة عمله وزيرا منذ أيام المولى الحسن الأول، واستمر بعد وفاته سنة 1894 في العمل مع ابنه المولى عبد العزيز، إلى أن توفي أيام المولى عبد الحفيظ، وأحاطت بوفاته إشاعات كثيرة.
لنعد إلى «لويجي برزيني»، الذي وصف ظروف لقائه بالسلطان المولى عبد العزيز. إذ كان لويجي في خيمته بمدينة فاس، حتى جاءه مخزني قوي البنية يطلب منه مرافقته لأن عبد الكريم بنسليمان «أمين البحر»، وهي الكنية التي كانت تستعمل لوصف وزراء الخارجية، لكي يخبره بأن السلطان ينتظره في اليوم الموالي على الساعة التاسعة صباحا، وطُلب منه قبل لقاء السلطان أن يلتزم بلباس معين، وأن يراعي الطقوس المخزنية المعمول بها وقتها.
يقول في وصف اللحظة التي كان خلالها ينتظر دوره للدخول عند السلطان مولاي عبد العزيز، في الموعد المحدد له سلفا:
«ثم أدخلوني بين مجموعة من الحراس بغرفة صغيرة، لا يتعدى عرضها وطولها الخطوتين، وقدموا لي كرسيا أعرج وقالوا لي «انتظر هنا. إن السلطان بالمخزنية. التي ربما تعني اجتماعا بمجلس الوزراء.
كان الجنود يحيطون بي جالسين على الأرض، وينظرون إلي من أعلى إلى أسفل كأنني تمثال. وأرسل حراسي إلى مكان لم أعلمه. وهذا يعني أن السلطان كان يدنو دون مراسيم كبيرة. سيقع في خطأ كبير ومنطقي، من كان ينتظر مشاهدة بقايا القصور العربية الرائعة الإسبانية ورفاه حياة فاس البالي وترف الإقامات الباذخة لأهل فاس الأغنياء، ويتخيل أنه سيجد في البلاط الشريف البهاء الأسطوري للمراسيم الشرقية الهائلة أو نوعا من الخلاصة السلطانية للجمال المرئي وغير المرئي.
(..)
إن العرش هو السرج. وتمتلك الحياة بدار المخزن شيئا من السلطة الأبوية بنمطها البسيط والبربري.
(..) كان الرجال الذين يحيطون بي من قبيلة الأوداية، وهم مكلفون بحراسة الأبواب الممزقة وتفوح منهم رائحة الكلب الذي بلل بالماء. لكنهم رجال طيبون وأخلصوا في المهمة المنوطة بهم تجاهي. كانوا يعترضون بقوة على كل محاولة مني للخروج دون أن يتحركوا. بل بالصراخ كما يفعل الرعاة في عملية إرجاع الأغنام الشاردة عن القطيع. ظللت جالسا على الكرسي الأعرج. وبعد ساعة من ذلك، دخل شخص غريب همس في أذني بلغة توهم أنها إنجليزية: «أود أن أخبركم بشيء. اتبعني». تبعته بزقاق موحل، وهناك أسر لي بحذر شديد:
«أنا ترجمان السلطان وكاتم سره وسماه : «King» فالملك لا يمكن أن يثق بمترجمين آخرين لأنهم يسرون بكل شيء إلى الأجانب. ولهذا فهو يعتمد علي في اللقاءات المهمة مع الشخصيات الكبيرة».
وعلى الرغم من هطول المطر، فإنني اتخذت موقفا لائقا تتطلّبه تلك الظرفية. وتابع الترجمان السري كلامه:
ـ «من الأحسن أن تتهيأ مسبقا. ماذا تريد من الملك؟»
-«أنا؟ لا شيء».
لكن، ماذا حملت معك للملك حتى أريه إياك؟ حذروني بالقنصليات. يجب أن تثير انتباه فضول السلطان بأنك تحمل إليه شيئا فريدا وجديدا، مثل آلة غريبة أو لعبة أوتوماتيكية أو شيئا لم يره من قبل، كيفما كان نوعه. المهم أن يكون غريبا. وبهذا الشكل، ستحظى بسرعة بعطف الملك. لقد أصبح ذلك تقريبا تقليدا ثابتا بالنسبة للأوروبي الذي يوافق السلطان على استقباله. إنه تقليد سرعان ما تحول إلى جزء من مراسيم الاستقبال. عندما ينتهي الزائر من السلام الإجرائي، يجب عليه أن يضع يده في جيب معطفه بابتسامة غريبة ويخرج منه لعبة عجيبة بميكانيزمها الحديث ويشغلها ويتبعها بشروحات عنها. وبعد ذلك ينصرف السلطان وهو سعيد بأعجوبته الصغيرة التي سيريها لزوجاته الشركسيات. لكنني لم أكن أحمل معي أي شيء، وكنت متأسفا لذلك، ما جعل الترجمان السري ينظر إلي بازدراء بيّن».
حوار نادر مع السلطان ومحاولات لفهم «المخزن» المغربي
يقول لويجي برزيني متحدثا عما دار بينه وبين السلطان المولى عبد العزيز:
«كان الحوار في البداية محرجا شيئا ما، لأن ترجمان السلطان، وهو كاتم سره، أطال في وضع جبهته على الأرض بعد السجود الأخير في انتظار الأمر بالنهوض. الأكيد أن تلك الوضعية لم تكن ملائمة ليؤدي مهامه. ولبعض الثواني، كنت أنا وأمير المؤمنين نتبادل التأمل. لكن سرعان ما أمر الملك الترجمان :
«انهض! ».
ورجع هذا الأخير إلى وضعيته العادية، وشرع في ترجمة جملي حرفيا بصوت خافت به ذلة، وكان في موقف من الدونية مثل تلميذ يتلعثم في قراءة دروسه؛ هذا ما تفرضه المراسيم السلطانية.
تكلم السلطان، بتأن، بصوت غير واضح ومنهك، سألني عن أشياء كثيرة: كم عمري؟ ولماذا قمت بالرحلة؟ وهل تسقط الأمطار بإيطاليا أكثر من المغرب؟ وما أسباب قدومي إلى المغرب؟
أجبت عن السؤال الأخير:
-«لأن العالم كله يتحدث عن المغرب، وقررت أن أزوره.
وأوماً السلطان بوقار برأسه :
-نعم.
تابعتُ:
العالم كله يتحدث عنك.
وصمت السلطان تأكيدا على موافقته.
وتابعتُ بثبات:
-إنني أرغب في معرفة رأيك حول مؤتمر الجزيرة الخضراء.
أجابني المولى عبد العزيز:
-ليس لدي أخبار».
ربما كانت تلك طريقة المولى عبد العزيز لكي يُنهي محادثة مع صحافي لا يعرف عنه أي شيء. خصوصا وأن لويجي لم يكن قد مضى على قدومه إلى المغرب سوى أيام قلائل لكي يلتقي السلطان. بينما كان الأجانب الذين يحظون بثقة القصر الملكي والسلطان أيضا، يقيمون في المغرب لسنوات طويلة ويعرفون جيدا أدبيات دار المخزن وتكتم السلاطين. بالإضافة إلى أن إشاعات حول انتشار الجواسيس والعملاء لأنظمة أوروبية على حساب أخرى، كلها عوامل جعلت الوزراء والمخزنيين المغاربة يحتاطون كثيرا أثناء تعاملهم مع الأجانب، خصوصا منهم الذين يعلنون فور وصولهم رغبتهم في لقاء السلطان، ومحاولة معرفة رأيه حول مسائل دقيقة مثل مؤتمر الجزيرة الخضراء.
حتى أن «لويجي» عندما سأل المولى عبد العزيز عن حرب بين قبيلتين زارهما وهو في طريقه إلى فاس، أجابه السلطان بأنه لا توجد أي حرب بين القبيلتين، وأن الذين أخبروه بتلك الأخبار خدعوه.
لم يكن من السهل الحصول على معلومات موثوقة في تلك الفترة. كما أن صحافيين أجانب كثيرين روجوا الأكاذيب عن المغرب، ومنهم أيضا من تحمس وسرد وقائع غير صحيحة. لكن تجربة الإيطالي «لويجي برزيني» تستحق فعلا أن تُقرأ كاملة، لأنها أولا معززة بصور تؤكد فعلا أنه خاض تلك المغامرة وتحمل مشقة السفر عبر المغرب وصولا إلى العاصمة السياسية لدار المخزن. كما أنه كان ينظر إلى المغرب بعين الصحافي الذي كان يبحث عن إجابات، ويحلل الوضع المغربي ويربطه بالسياق الدولي، ويوثق لفترة حرجة تتعلق بسياق مؤتمر الجزيرة الخضراء، وهو ما يجعل هذه المذكرات «تحت الخيمة» مميزة عن بقية كتابات المغامرين والفضوليين الذين لم يكونوا موضوعيين ولا حتى منطقيين عندما كتبوا عن المغرب، بمنظور مخرجي أفلام التشويق والإثارة.





