
مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية، يعود إلى الواجهة ملف شائك يتعلق بملايير السنتيمات من الدعم الجمعوي التي تضخها المجالس المنتخبة سنويا لفائدة جمعيات محلية ووطنية، حيث يفترض في هذا الدعم أن يكون رافعة حقيقية للتنمية الاجتماعية والثقافية والرياضية، لكنه يتحول أحيانا إلى أداة لصنع الولاءات الانتخابية وترتيب الخريطة السياسية، قبيل انطلاق الحملات.
وطبعا فإنه لا أحد يختلف حول أن الأصل في الدعم العمومي، هو تمكين الجمعيات الجادة من تنفيذ برامج تخدم فئات واسعة من المجتمع، سيما الأطفال والشباب والنساء في وضعية هشاشة، غير أن ما تكشف عنه تقارير التفتيش بعدد من الجماعات الترابية، هو توزيع جزء من الميزانيات وفق منطق القرب الحزبي والعلاقات الشخصية والأجندات الضيقة.
لقد سجلت تقارير التفتيش منح اعتمادات مالية مهمة لجمعيات حديثة النشأة، أو محدودة الأثر بالميدان، كما تم تسجيل خروقات تضارب المصالح، واستفادة جمعيات محسوبة على منتخبين أو برلمانيين أو رؤساء جماعات، مقابل إقصاء جمعيات راكمت تجارب طويلة وتتوفر على برامج واضحة، فقط لأن مواقفها مستقلة عن التأثير السياسي المحلي، أو لرفض انخراطها في الحسابات الانتخابية الضيقة.
وإذا كان القانون التنظيمي للجماعات الترابية يمنع على العضو الجماعي رئاسة جمعيات تستفيد من الدعم بنفس الجماعة التي ينتمي إليها، ويسمى ذلك تضارب المصالح، فإن بعض المنتخبين اهتدوا إلى حيلة تقديم استقالات شكلية من رئاسة أو عضوية مكاتب جمعيات، قبل برمجة الدعم، حيث يكشف الواقع استمرار تحكمهم في دواليب الجمعيات المعنية، وتوجيه أنشطتها بما يخدم قواعدهم الانتخابية.
ومن النقاط الجوهرية التي سبق وأثارتها المعارضة داخل المجالس في دورات رسمية، مسألة غياب آليات صارمة للتتبع والتقييم بالنسبة إلى الدعم الجمعوي، خاصة وأن العديد من اتفاقيات الدعم تظل جامدة، أو تتم الاستفادة دون التزامات، في حين يتطلب الأمر ضرورة التقييم والتتبع لكافة أوجه صرف المال العام.
إن المال العام أمانة، والدعم الجمعوي ليس غنيمة انتخابية، أو أداة لتوسيع القواعد الانتخابية، وإذا لم يتم تحصين هذه الآلية بالغة الأهمية في التنمية والتوعية والتواصل مع كافة شرائح المجتمع من الاستغلال السياسي، فإنها ستفقد مشروعيتها، وستتحول من أداة لبناء الثقة بين المواطن والمؤسسات إلى سبب إضافي لتعميق فجوة الشك والغموض.
فعندما تخصص الدولة الملايير للدعم الجمعوي، فإنها تعرف جيدا أن ذلك استثمار في التنمية المحلية، ودعم الشباب وتحرير الإبداع وتوسيع عملية التأطير وصقل المواهب وتيسير تنزيل السياسات العمومية، وبناء جسر الثقة بين المواطن والمؤسسات وتسهيل عملية التواصل والتوعية والتحسيس، وخدمة الصالح العام، لكن بعض الكائنات السياسية لا هم لها سوى الخزانات الانتخابية، وهي كائنات يصعب عليها الاعتراف بأن قطار الإصلاح تجاوزها، وما عليها سوى تدارك التأخر عن الركب والالتزام بمشاريع مغرب 2030، أو الانصراف ومغادرة الحقل السياسي دون شوشرة.




