حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرأي

موعد مع الحب

جهاد بريكي
يهل علينا موعد لطيف شاعري، ينتظره طلاب سنة أولى عشق ليعبروا فيه عن أنفسهم وما يعتلي صدورهم من شجن وحنين، يسهرون ويتراقصون كديكة فرحة على أنغام «نتي ضري ونتي دوا» ويخبرون بعضهم البعض أن لا شيء سيتغير وأن منحى حبهم هو دائما في تصاعد، وأنهم ماضون نحو الأبد. يضرب لنا العمر كل سنة موعدا مع الشعور الأغرب والأروع والأغبى، موعد مع الحب. مع الصبابة، مع اللوعة، مع الكلف، مع الجوى، مع هذا وأكثر. سأبدأ كلامي تماما كما كانت تشرع جارتنا الحاجة زهور التي حجت مرة واعتمرت مرتين فأصبحت مرجع الحي الديني حديثها لنا ونحن صبيات لا نعرف غير حب الولدين والله وجبريل، كان كلامها كلما اقترب هذا الموعد كالآتي: يحكى أن قديسا نصرانيا هرب إلى صومعة بعيدة، وكان يحاول تزويج العشاق دون إذن الكنيسة. شيئا من هذا القبيل. ثم تنطلق في مواعظها لا يوقفها شيء كسيول هادرة. أستمع لها تحكي بحزن كبير وأسى وأتمنى لو أسألها: هل لديك أي مشكل شخصي مع هذا القس، هل تعرفينه لتنقمي عليه بهذا الشكل!؟ لكني لا أفعل. طفولتي تمنعني.
نفسها القصة التي سمعتها في مقاطع الفيديو القصيرة وعلى المنابر وفي اللقاءات العائلية، مفادها وخلاصتها أنه عيد للنصارى ولا يمثل أصالتنا وأعرافنا وديننا بصلة ولا يجدر بنا التشبه بهم. حتى في الحب، يجب أن نكون مختلفين. أتذكر أستاذ التربية الإسلامية في ثانوية طه حسين التي ترعرعت فيها وتعلمت كيف أرسم الدالة وكحل العين وأضع الحمرة. أتذكره وأتذكر أوداجه المنتفخة وعينيه المحمرتين، وهو يشرح لنا قصة عيد الحب، ومن أين أتت، وكيف تسربت لنا، وكيف يحاولون اختراقنا بهذه الأمور التي نظنها بسيطة لكن حقيقتها أنكى وأخطر. أراقبه بحماس مراهقة تؤمن بالمؤامرة وتخاف الاختراق. ثم أسأل نفسي لماذا يحاول الغرب اختراقي!؟ ألست مجرد تلميذة لا يوجد في حقيبتها سوى كتاب الفيزياء والكيمياء وموزة وثمرتين تصر أمي على وضعها داخلها!؟ ينساب إلي شعور خفي بغرور صبياني، فأشعر لوهلة أني خطيرة ومهمة ومن شأني تهديد أمن الغرب بظفيرتي وفستاني الطويل. ثم أعود لمدرسي الذي يتوعد من سيراه مرتديا اللون الأحمر في اليوم الموعود، أو يحمل دمية أو وردة أو قطعة شوكولاته. لا أخشى وعيده، فأنا لا أحب الأحمر ولا يوجد من سيجرؤ على حمل وردة لي ولا دمية. أنا الخجولة التي كانت تخشى النظر في عيني شاب أكثر من أربع ثوان متواصلة. وحتى مظهري كان غير مريح لعلاقات الحب الطفولية هذه، أنا ولدت ناضجة وشكلي الضخم كان يوحي لمن يراني أني امرأة تصلح للزواج لا لشيء آخر. طفلة بجسد امرأة. يأتي الموعد الموعود، ولا يكترث أحد لوصايا الأستاذ المقدسة، فترتدي الغالبية الأحمر والأسود، يخفي الأحبة الصغار المفاجآت الصغيرة التي أعدوها لبعضهم البعض، رسائل صفراء وخضراء وحمراء وجمل بالعربية والفرنسية والإنجليزية، ركاكتها تفوق إحساسها. تطلب مني صديقتي المقربة أن أساعدها في لقاء حبيبها، هي تعلم جيدا أن لا مواعد مسبقة لدي، ولا خطط أحيكها في الخفاء، وبذلك فأنا جاهزة لمساعدة مخططها الغرامي ودعمه لكي ينجح. بعد الحصص المقررة، نترك الثانوية ونتوجه لمدرسة خاصة لأجل الدروس الخاصة، نفس التلاميذ ونفس المدرس ونفس الدروس. الاختلاف البسيط أننا ندفع للثانية. تترك صديقتي حقيبتها معي، تتأكد أن شعرها مصفف بعناية، تحمل الهدية الخرقاء التي اشترتها بعشرين درهما كلفتها التضحية بحلوى أسبوع، والرسالة الوردية التي كتبتها لها مستلهمة كاظم الساهر وملحم بركات، وتذهب. أدخل الحصة فيسألني الأستاذ بنظرات مريبة: أين دنيا؟ أجيب: هي قادمة، لقد نسيت دفتر الدروس في المنزل، لن تتأخر ستأتي الآن، أكذب وأرتجف، وأتمنى أن تنطلي الكذبة التافهة على الأستاذ اللامبالي، فتنطلي عليه بسهولة، رغم أن أب صديقتي كان لا ينفك يوصيه بها. سألت أبي يوما: لم لا تأتي لتسأل الأساتذة عني كما يفعل باقي الآباء؟ أجابني أنه يعرفني أكثر منهم كلهم مجتمعين، هم من يجب أن يسألوه عني لا هو، وجدت جوابه كمن يتهرب أو يتكاسل. الآن أفهم جيدا أنه كان محقا وصادقا. تأتي صديقتي وقد احمرت وجنتاها وانتزع شعرها، فرحة ومرعوبة. أفضل أن لا أسأل عن التفاصيل، ماذا حصل وكيف وأين. أكتفي بإعطائها ورقة الأسئلة وأشير لها بإصبعي أي سؤال قد بلغناه. أراقبها بطرف عيني. يداها كأنهما مكبلتان بالحديد، وترتجفان. لا شك أن شيئا جللا قد حصل، شاردة وغائبة عن الحصة وعن الأستاذ الذي يبذل جهدا كبيرا في إقناعنا بأن كل هذه المعادلات ستساعدنا في حياتنا وستمنحنا الكثير من السعادة إذ نحن فقط أصغينا بتركيز لما يقول. دنيا كانت في عالم غير هذا العالم، أي معادلات وأي دوال وأي احتمال يستطيع أن يخرجها من البحر الذي تغرق الآن فيه. شيء فيَّ يريد معرفة كل شيء، أدق شيء. منذ السلام الأول إلى الوداع الأخير. لكني لا أسمح لنفسي بذلك، أنا تلميذة مجتهدة، منضبطة، محجبة. ولا يحق لي الحديث في هذه الأمور، يمكن أن أكذب لأجلها، أن أتستر عليها، لأني أحبها، لكني لا أريد أن يسقط رداء البراءة الذي يجمعني بها، صديقتي كانت سعيدة بذلك الشاب الذي تنتظره دائما، ويتأخر دائما. طويلا كنخلة ومتمخترا كأسد أنهى صيده للتو، لم أستلطفه يوما، كنت أرى نظراته الغريبة التي ينظر بها لأجزاء جسد دنيا. نظرات مشبوهة لا تشبه نظرات عبد الرحمان زميلنا ولا نظرات معاذ ابن جيراننا، نظرات تشعر من خلالها أن شيئا سيئا سيحصل، تهديد ما، وخطة ما تحاك لغرض محدد. هي طفلة وهو رجل، كان يكبرها بسنوات كثيرة. هو أصلا لم يكن تلميذا بالثانوية، كان وحيد أمه وأبيه المترفين الغائبين. وهو الحاضر دائما أمام الثانوية بسيارة وسيجارة تسيل له لعاب الصبايا ودلالهن.
دنيا كانت تعتقد أنها المحظوظة الأولى والأخيرة التي فازت بأمير المدينة، كانت ترى مستقبلا عريضا طويلا وأطفالا كثرا. وأنا كنت أرى المنكر، نعم المنكر الذي سمعت عنه في مجالس الوعظ وشرائط كشك. والذي لم أستطع تغييره حتى بقلبي. كنت أغبطها، لا على الأمير الأخرق الذي تتمسك بأذياله البالية ولكن لأنها تملك شيئا لم أحصل عليه إلى الآن، الشعور بالحب. كنت أراها بلغت مراتب الكمال الأنثوي، وهي مستعدة للقائه ببالغ زينتها تراوغ والديها ومدرسيها لتحظى بنصف ساعة تتأمل عينيه. لم أخبرها يوما بذلك، كبريائي لم يكن يسمح بأن أعترف بتفوقها علي في شيء ما. ولو أنه تفوق بليد لم يدم سوى أسابيع معدودة، حتى انتقل رضى لأنثى أكثر جرأة وجاذبية. حينها وجدت صديقتي تبكي في ركن الثانوية، ضممتها إلي ولم أنبس بكلمة، فهمت من النظرة الأولى أن مشاريعها وأطفالها باؤوا كلهم بالفشل. كانت نهاية سريعة جدا، جعلت دنيا تبحث عن رضى في أي شاب وقعت عليه عيناها. لم تجد رضى أبدا، لقد كان الأمير المفقود المنبوذ الذي لا شبيه له. أحبَّته وكرِهتُه. دنيا تزوجت وأنجبت ومازلتُ أرى رضى في عينيها كلما جمعتنا الصدف. يوما ما أخبرتها أنها كانت تبدو جميلة جدا ومضحكة جدا عندما تتظاهر بالإغماء لتغادر الفصل وتلتقي بحبيبها المخبول. ردت علي أني كنت أبدو أجمل وأروع وأنا أحملها بين يدي وأوصلها لقاعة الأساتذة وأقدم لها كأس ماء، مع علمي المسبق أنها تمثل.
لا أدري لماذا قفزت إلى ذهني هذه الذكرى، مع أني كنت أريد أن أحدثكم عن فوائد الحب وأضراره وكيف يجب استهلاكه ومتى وأين. ربما السنة القادمة. ربما حينها سأحكي لكم عني لا عن صديقاتي، ربما سأستجمع قواي كلها وأخرج هذا البركان الخامد الذي بداخلي وأخبركم دون خجل ودون خوف من دموع الحاجة زهور ولا من وعيد أستاذ التربية الإسلامية، عن الشعور الذي عثرت عليه يوما فجعلني أضحك دون توقف وأبكي دون توقف. ذلك الشعور الذي يعيدك للأرض مهبط أبيك آدم، فتصيرين بين ليلة وضحاها وردة تفوح عطرا، ويرفعك للسماء معراج نبيك محمد، فتخالطين الناس وروحك معلقة بين السحب. ثم يهوي بك فجأة ليرديك حطاما لا يلتئم. إلى حين ذاك اليوم، كل عيد حب وأنتم تقرؤون هذا العمود وتبتسمون لصاحبته.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى