
يونس جنوحي
في ليلة أمس، حلت ذكرى زلزال الحوز وتارودانت.
وقبل أيام قليلة على الذكرى، عادت الأرض لتتحرك بعنف مرة أخرى وتوقظ سكان إقليمي الحوز وتارودانت مرة أخرى.. ولو بدرجة أقل هذه المرة.
خبر الهزة انتشر في ربوع المغرب، خلال الساعات الأولى ليوم الأربعاء الماضي، حوالي الرابعة والنصف صباحا، ليعيد إلى الواجهة مأساة سكان الحوز وتارودانت، بعدما نُسيت في خضم تسارع الأخبار والهموم اليومية..
وبينما كانت المدارس، أو ما تبقى منها على الأصح، في المناطق الجبلية، تستعد لتستقبل الموسم الدراسي، وتستضيف موظفي التعليم الذين جرى تعيينهم حديثا في المنطقة، استيقظ السكان مذعورين، إذ أن الوعي المشترك لم يتجاوز بعد فاجعة الزلزال المدمر، رغم مرور عامين على الكارثة.
هزة بلغت قوتها أربع درجات ونصف، لا شك وأنها ذكرت الناجين بالحدث الذي غير حياتهم إلى الأبد وجعلهم يسكنون الخيام ويغادرون قراهم الأصلية التي لم يعد بعضها صالحا للاستغلال.
التصنيف المعتمد أخيرا من قبل السلطات، وضع بعض القرى في المنطقة الحمراء.. أي المساحات المدمرة التي لم تعد صالحة نهائيا لإعادة البناء أو الاستغلال. والمشكل أن الأهالي، رغم أنهم قبلوا بالنزوح الجماعي، إلا أنهم لا يزالون ينتظرون حتى الآن، تسوية وضعيتهم مع الإدارة ومنحهم أراض صالحة للبناء حتى يغادروا الخيام المتهالكة المحشورة أجسادهم فيها منذ التاسع من شتنبر 2023.
والغريب أن الهزة الأرضية التي ضربت فجر الأربعاء الماضي، وجدت الأهالي يستعدون للخروج في مسيرة من “أسمكرار”، وهي قرية في منطقة “تافينگولت” التابعة لإقليم تارودانت.
وهكذا، فإن الهزة لم تُثن الأهالي عن الخروج في الموعد المحدد للاحتجاج وتذكير المسؤولين في إقليم تارودانت بالوعود التي قطعوها أمام السكان على مدى عامين، لإعادة إيوائهم.
هناك دراسة اجتماعية غاية في الأهمية، صدرت نهاية الموسم الجامعي الماضي، أنجزها أحد أبناء إقليم تارودانت، وتستحق فعلا الوقوف عندها.
هذا البحث الجامعي توج مسار الباحث محمد بلهي، في علم الاجتماع، ونوقش في كلية الآداب والعلوم الإنسانية ابن زهر، عنوانه: “زلزال الأطلس الكبير والتغير الاجتماعي”.
هذا البحث خلص إلى أن هناك “خلخلة” كبيرة في المشهد الاجتماعي -والنفسي بطبيعة الحال- عند مئات آلاف الناجين من الزلزال، وانكب على دراسة حالة جماعة “إداوكيلال” المنسية.
هذه الجماعة الواقعة في إقليم تارودانت، والمُحدثة إداريا منذ سنة 1978، تضم حاليا 37 دوارا، ويقطن بها 6036 مواطنا مغربيا حسب إحصاء 2024، أي أن هذه الأرقام حديثة وأعطيت بعد الزلزال.
هناك اليوم 1459 أسرة في هذا الدوار انقلبت حياتهم على عقب حرفيا بعد الزلزال المدمر، ولا بد أن الهزة التي ضربت فجر الأربعاء الماضي، قد أحدثت هزات ارتدادية في نفوسهم..
من المؤسف أن يكون أغلب سكان هذه الجماعة -58 بالمئة منهم- دون الستين سنة.. أي أنهم شباب، في حين أن وضعهم الاجتماعي والإنساني شبه متجمد، ويعيشون الهشاشة التي زاد الزلزال في تعميقها.
الإيواء البديل الذي اقترحته السلطات، يختلف جذريا عن نمط السكن المألوف في المنطقة.. نواة الأسرة المتعارف عليها في المنطقة، والمكونة من ثلاثة أجيال تقريبا، لا يمكن أن تسعها المنازل الجديدة التي لا تتعدى مساحة الواحدة منها 70 مترا مربعا فقط لا غير. وهناك اليوم قضايا معروضة في المحاكم، عنوانها النزاع بين أفراد الأسرة الواحدة حول أحقية السكن!
الزلزال تسبب في اندثار عادات يقوم عليها اقتصاد آلاف الأسر.. خصوصا اقتصاد جني محاصيل زيت الأرگان، وهو من الأنشطة الرئيسية في المنطقة.
من المفارقات الغريبة، أن السكان أنفسهم لم يعودوا يجدون أماكن إيواء تسعهم هم وأطفالهم، وإن وجدوا مكانا للجلوس “القرفصاء”، فإن المجال لا يسعفهم حتى لمد أرجلهم المتعبة من المسير.. فما بالك بمساحة مناسبة لتخزين المحاصيل!





