
تظهر البيانات بالجدول أدناه أن التجارة البينية لإيران مع دول العالم الإسلامي تشهد تطوراً ملحوظاً، فبعد أن كانت لا تتجاوز 4.6 مليارات دولار عام 2000 وصلت عام 2010 إلى 33.2 مليار دولار. وهو ما يعني أن تجارة إيران مع دول العالم الإسلامي شهدت زيادة قدرها 28 مليار دولار عند المقارنة بين أداء عامي 2000 و2010، وبنسبة تقدر بنحو 6 أضعاف ما كانت عليه عام 2000.
وعلى مدار الفترة التي تغطيها بيانات الجدول، نجد أن هناك عجزاً بالميزان التجاري لإيران مع دول العالم الإسلامي يتراوح ما بين 0.2 مليار دولار عام 2000 و6.6 مليارات دولار عام 2008. ويعد ذلك أمراً طبيعياً في ظل هذا العدد الكبير من الدول أعضاء منظمة المؤتمر الإسلامي (57).
ووفق بيانات عام 2010، فقد وصلت التجارة البينية لإيران مع دول العالم الإسلامي 33.2 مليار دولار، بما يعادل نسبة 6.1 في المئة من إجمالي التجارة البينية للدول الإسلامية في العام نفسه، والتي بلغت 539 مليار دولار.
وتحتل إيران المرتبة السادسة في قائمة الصادرات البينية للدول الإسلامية، وتسبقها في هذا الترتيب السعودية والإمارات في المرتبتين الأولى والثانية على التوالي، ثم ثلاث دول إسلامية غير عربية وهي تركيا، ماليزيا وإندونيسيا.
وتبلغ الصادرات الإيرانية للعالم الإسلامي عام 2010 نحو 13.4 مليار دولار، بما يمثل نسبة 5.1 في المئة من إجمالي الصادرات البينية لدول العالم الإسلامي للعام نفسه، والبالغة نحو 257.7 مليار دولار.
أما الواردات البينية لإيران مع الدول الإسلامية فبلغت عام 2010 نحو 19.8 مليار دولار، بما يمثل نسبة 7 في المئة من إجمالي الواردات البينية لدول العالم الإسلامي للعام نفسه، والبالغة 7 في المئة. وتأتي في قائمة الواردات البينية مع إيران في هذا المجال تركيا وتليها الإمارات ثم إندونيسيا.
++++++++++
على شكل جدول
++
التجارة البينية لإيران مع دول العالم الإسلامي (القيمة بالمليار دولار)
| العام | صادرات | واردات | إجمالي التجارة | الميزان التجاري |
| 2000 | 2.2 | 2.4 | 4.6 | ـ 0.2 |
| 2006 | 9.4 | 12.5 | 21.9 | ـ 3.1 |
| 2007 | 10.7 | 14.2 | 24.9 | ـ 3.5 |
| 2008 | 14 | 20.6 | 34.6 | ـ 6.6 |
| 2009 | 7.9 | 15 | 22.9 | ـ 7.1 |
| 2010 | 13.4 | 19.8 | 33.2 | ـ 6.4 |
(الجدول من إعداد الباحث. المصدر: التقرير الاقتصادي السنوي حول الدول الأعضاء بمنظمة التعاون الإسلامي لعام 2011، ص 134 و135).
++++++++++++++
على صعيد الدول الإسلامية غير العربية، تعد تركيا الشريك التجاري الأول بنحو 8 ملايير دولار، ويرجع هذا الرقم في التجارة البينية بين البلدين، إلى الواردات التركية من النفط الإيراني، حيث تعد تركيا من الدول المستوردة للنفط، وبخاصة بعد نهضتها الصناعية خلال العقد الماضي.
وتظهر الأرقام أن الميزان التجاري بين البلدين لصالح إيران بنحو 7.5 مليارات دولار، في حين تبلغ الصادرات التركية إلى إيران أقل من نصف مليار دولار.
ولولا الظروف السياسية الإقليمية المتعلقة بسورية، واختلاف وجهة نظر كل من إيران وتركيا بشأنها، لزادت معدلات التجارة والاقتصاد بشكل عام بين البلدين.
وتنضاف إلى الشأن الإقليمي، العقوبات الاقتصادية الأوروبية على إيران، ما فرض على تركيا بعض القيود، وإن كانت تركيا تحللت من هذه القيود في فترات سابقة، بل سعت إلى توطيد علاقاتها بإيران اقتصادياً، كنوع من الضغط على أوروبا لإنهاء مصالح تركية تتعلق بانضمامها للاتحاد الأوروبي، أو لمعالجة مواقف أوروبية وأمريكية سلبية تجاه تركيا. وهو ما صنف على أنه نوع من تعظيم المصالح في سياسة تركيا الخارجية.
وتأتي باكستان في الترتيب الثاني من حيث الشراكة التجارية من بين دول العالم الإسلامي مع إيران، بحجم تعاملات تجارية بنحو 1,5 مليار دولار، وتأتي نتيجة الميزان التجاري لصالح إيران بما يزيد عن مليار دولار.
ومن خلال ما ذكر في المحاور السابقة، نجد أن العلاقات التجارية لإيران مع كل من الدول العربية والإسلامية، آخذة في النمو، وإن كانت الأرقام متواضعة، مقارنة بحجم العلاقات التجارية الخارجية للدول العربية والإسلامية مع بقية دول العالم. وهذه سمة رئيسة في علاقات دول الجنوب، أو الدول النامية، والتي تضم غالبية الدول العربية والإسلامية، حيث تقل التجارة البينية وبقية العلاقات الاقتصادية في ما بينها، بينما تتجه إلى الزيادة مع الغرب وأمريكا. وفي ما يلي نشير إلى المرتكزات الاقتصادية للمشروع الإيراني في المنطقتين العربية والإسلامية.
تركيز على دول محددة
تركز إيران، في علاقاتها الاقتصادية على الصعيد العربي، على دول بعينها على رأسها الإمارات العربية، ثم سورية ولبنان والعراق والبحرين والكويت.. حيث استطاعت إيران أن تستفيد من الجوار الجغرافي مع دولة الإمارات، والسياسات الاقتصادية الانفتاحية التي انتهجتها الإمارات على مدار السنوات الماضية، فزادت من الحضور البشري داخل الإمارات العربية.
وحسب البيانات المنشورة، فإن الإيرانيين يستحوذون على نسبة 12 في المئة من مشتري الوحدات السكانية التي تعطي حق الإقامة لفترة طويلة في الإمارات. ناهيك عن أن بيانات عام 2005 توضح أن نحو 10000 (عشرة آلاف) شركة إيرانية أسست بدولة الإمارات، وأن عدد الأفراد الإيرانيين المقيمين بدولة الإمارات بلغ حتى ذلك التاريخ 450 ألف نسمة.
المنهج نفسه تمارسه إيران في كل من لبنان وسورية والعراق، مستغلة في ذلك الأوضاع السياسية والأمنية غير المستقرة في هذه الدول. كما أن الملاحظ هو وجود قوي وموجه على الصعيد السياسي، وكذلك النشاط الاقتصادي لإيران داخل هذه الدول. وإن كانت الأرقام المنشورة على صعيد التجارة البينية لإيران مع هذه الدول لا تعكس حقيقة الواقع. فالواردات الإيرانية من العراق ولبنان وسورية، عام 2010، كانت على التوالي هي 93,7 مليون دولار، 43,3 مليون دولار و16,3 مليون دولار، بينما كانت صادرات إيران للبنان 14,6 مليون دولار وسورية 980 مليون دولار.
وتحرص إيران على علاقاتها الاقتصادية مع الدول الإسلامية غير العربية أيضاً، باعتبارها منفذاً للخروج من العقوبات الاقتصادية، كما هو الحال مع تركيا وإندونيسيا وماليزيا. وكذلك بقية الدول الإسلامية بأوروبا الشرقية، باعتبار الامتداد الفارسي في هذه الدول.
سلع رخيصة ومزارات
لوحظ على الممارسات الإيرانية، منذ نجاح ثورتها عام 1979، أنها توظف العمل الخيري والتعليمي والإغاثي لصالح مشروعها بالمنطقة، وهو ما ووجه باعتراضات ومواجهات في كل من مصر والسودان وماليزيا، وإن كان يحقق بعض النجاحات في باكستان وبنغلاديش.
وتحاول إيران تسويق برنامجها النووي على أنه ثمرة لتقدم علمي واقتصادي، وبالتالي على الدول العربية والإسلامية أن تفتح أسواقها للمنتجات أو المشاركات الاستثمارية مع إيران. والحقيقة أن البرنامج ساهمت فيه دول عدة، وبخاصة في ما يتعلق بالجانب التكنولوجي، وإن كان لا ينكر امتلاك إيران لعلماء متخصصين في هذا المجال.
وثمة مدخل آخر عن التعاملات الاقتصادية لإيران مع بقية الدول، وبخاصة في الدول العربية والإسلامية، وهو رخص السلع الإيرانية مقارنة بمثيلاتها من الدول الأخرى، لكن هذا الأمر لا يرجع لمزايا تنافسية أو تقدم تكنولوجي للصناعة الإيرانية، بقدر ما يرجع لسيطرة الدولة على مؤسسات الإنتاج وتقديم الدعم بصورة كبيرة للمؤسسات الإنتاجية.. وبالتالي فأسعار السلع الإيرانية لا تعبر عن التكلفة الحقيقية، بقدر ما تعكس الدعم الحكومي.
وتروج إيران لسياحتها الخارجية المتجهة للدول الإسلامية، وعلى وجه الخصوص نحو مصر، لما تمتلكه من مزارات تخص آل البيت، كنوع من المداخل الاقتصادية للتمكين لمشروعها. إلا أن الموقف المصري رفض لهذه السياحة لما تحمله بين طياتها من عمليات ترويج للتشيع في مصر، وبخاصة أن الشعب المصري بفطرته محب لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثوب الذي يقدم به العرض الإيراني ثوب اقتصادي، إلا أن حقيقته ثوب سياسي ترويجي للمشروع الإيراني. ففي الوقت الذي تتوقف فيه مصر أمام السياحة الدينية القادمة من إيران، فإنها تسمح لطائفة البهرة، حيث يأتون من الهند وباكستان بأعداد ملحوظة كل عام.
غياب المشاريع البديلة
يمكن إجمال القول بأن الحديث عن البعد الاقتصادي في المشروع الإيراني، بالمنطقتين العربية والإسلامية، يعد ضرباً من العبث، ما لم تكن هناك مشروعات عربية وإسلامية بديلة، تعكس هوية ومصالح المنطقتين. فقد كان لفشل المشروع العربي على الصعيدين السياسي والاقتصادي الأثر الأكبر في تواري قوى إقليمية عربية مثل مصر والسعودية، وبروز كل من إيران وتركيا كقوى فاعلة في المنطقة.
والعمل على مواجهة المشروع الإيراني يقتضي العودة إلى المشروع العربي، وأن ينظر إلى إيران على اعتبارها دولة يمكن استيعابها، لا محاربتها، في إطار المصالح الاقتصادية المشتركة، لكن ليس على حساب الهوية العربية، وأن تكف إيران عن تصدير مذهبها الشيعي، الذي يعده المتخصصون إحدى أدوات تمكين مشروعها القومي الفارسي.
ولدى كل من المنطقتين العربية والإسلامية ما يمكنهما من إنزال مشاريعهما الإقليمية على أرض الواقع، كما توجد قواسم مشتركة للمشروعين، تمكن لكل منهما.. لكن تبقى الإرادة السياسية حجر عثرة، ما يصرف الجميع إلى المعالجات القطرية لمواجهة المشروع الإيراني وباقي المشروعات البديلة.
ولعل الظرف السياسي الحالي لكل من مصر وتركيا يجعلهما حجر زاوية في تفعيل المشروعين العربي والإسلامي على أرض الواقع.
ولا بد من الأخذ في الاعتبار أن الاقتصاد الإيراني يعيش ما يمكن أن نطلق عليه «اقتصاد أزمة» منذ عام 1979 ونجاح الثورة الإيرانية، ما يجعل العديد من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية في طي الكتمان داخل المجتمع الإيراني.
ويتوقع أنه إذا ما خرج الاقتصاد الإيراني من هذه الحالة، فإنه سوف يواجه موجات اقتصادية عنيفة لمعالجة مشكلاته الداخلية، سواء في ما يتعلق بدور الدولة، أو استيفاء الأبعاد الاجتماعية للأفراد داخل المجتمع الإيراني.
++
نافذتان
تحرص إيران على علاقاتها الاقتصادية مع الدول الإسلامية غير العربية أيضاً، باعتبارها منفذاً للخروج من العقوبات الاقتصادية، كما هو الحال مع تركيا وإندونيسيا وماليزيا
تحاول إيران تسويق برنامجها النووي على أنه ثمرة لتقدم علمي واقتصادي، وبالتالي على الدول العربية والإسلامية أن تفتح أسواقها للمنتجات أو المشاركات الاستثمارية مع إيران





