حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف


الرئيسيةتقاريرثقافة وفن

يوجياكارتا.. روح التعايش وسحر المعابد



منذ أن وطأت قدماي مطار جاكرتا الدولي، كانت أغلب النصائح من الناس الذين التقيتهم تسير في الاتجاه نفسه؛ علي زيارة يوجياكارتا، أو كما يسمونها هنا “دجوجا”. وعلى عكس “بالي” التي كانت أقل حضورا في نصائحهم لأسباب عدة، بدت يوجياكارتا الخيار الأبرز.

مقالات ذات صلة

قررت أن أخصص بضعة أيام لزيارتها، فالكل كان يتحدث عن هذه المدينة التي تلهم الفنانين والموسيقيين والمهتمين بالأديان والرحالة، وتجذب الطلبة والباحثين الذين يلتقون في جامعة غادجاه مادا. إنها المنطقة الوحيدة في إندونيسيا التي لا يزال يحكمها سلطان وتتمتع بوضعية خاصة، وهي مدينة ذات أغلبية مسلمة.

نزلت في أحد الفنادق الكبيرة القريبة من شارع ماليوبورو، القلب النابض للمدينة. كان ثمنه مشجعا. وضعت حقيبتي في الغرفة وخرجت أبحث عن شيء يخفف الجوع.

مشيت على طول شارع ماليوبورو، وفهمت لماذا ينصح الجميع بهذه المدينة؛ فلها روح خاصة، نظيفة وصغيرة وبسيطة، تشعرك براحة وطمأنينة منذ الساعات الأولى لوصولك. كل شيء فيها بأسعار مناسبة، وابتسامة الناس لا تنقطع. أكل الشارع شهي، والطهاة وأوانيهم نظيفة، والأسعار في متناول الجميع. لكن معدتي هي نقطة ضعفي، لذلك أتجنب قدر الإمكان ما يطهى في الهواء الطلق.

وجدت مطعما يقدم موسيقى محلية، فدخلت وتناولت العشاء هناك، ثم قصدت أحد المقاهي التي يجتمع فيها المسافرون. وجدت مجموعة من الأوروبيين، بينهم طلبة محليون جاؤوا للتحدث وتطوير كفاءتهم في اللغة الإنجليزية. سألتهم عن أهم ما يمكن أن أفعله كسائح في مدة قصيرة، فجاء الجواب دون تردد، زيارة بوروبودور، أكبر معبد بوذي في العالم، ومجمع معابد برامبانان، أكبر مجمع معابد هندوسية في إندونيسيا.

الجميل أن كلا الموقعين، رغم تباعدهما المكاني واختلافهما الديني، يشتركان في تذكرة واحدة كان ثمنها نحو سبعين دولارا أمريكيا، لكن المكان يستحق ذلك.

قضيت يوما كاملا بينهما أحاول فهم الثالوث الهندوسي المكون من براهما وفيشنو وشيفا، والفرق بينه وبين ما رأيته في معابد هندوسية أخرى زرتها سابقا.

في نهاية اليوم زرت كاتدرائية المدينة، وكثرت الأسئلة في رأسي، وترددت في طرحها حتى لا أسبب إحراجا للسكان المضيافين. اتصلت بصديقة إندونيسية تقيم في باندونغ، كانت أستاذة في إحدى جامعاتها. تعرفت إليها في مونتريال حين كانت تنهي دكتوراهها في جامعة ميكغيل، وقلت لها إن لدي سؤالا واحدا، كيف لمدينة ذات أغلبية مسلمة أن تحتضن هذه المعابد الضخمة لأديان مختلفة.

أجابتني أنها كانت متأكدة من أنني سأطرح هذا السؤال، وأن الجواب يكمن في التعايش وبساطة العيش وتسامح السكان الذين يرفضون تسييس الاختلاف بآلياته الحديثة. وهكذا كانت منذ الأزل أرضًا للجميع، والكل فيها إخوة، حيث تتجاور المساجد والكنائس والمعابد في مشهد يزين معمار المدينة.

فالمنطقة تعايشت فيها ممالك بوذية وهندوسية، وتركت كل واحدة بصمتها المعمارية والدينية. فقد عرفت في القرن الثامن حكم سلالة سايلندرا البوذية في جاوة الوسطى، ثم جاء بعد ذلك حكم سلالة سانجايا الهندوسية، أي قبل نحو ثلاثة قرون من وصول الإسلام إلى إندونيسيا، حيث تعايش فيما بعد البوذيون والهندوس والمسلمون.

أما كاتدرائية القديس أنطونيوس دي بادوا، فتقع في قلب يوجياكارتا غير بعيد عن شارع ماليوبورو، وقد بنيت في أوائل القرن العشرين خلال الفترة الاستعمارية الهولندية. فإندونيسيا، رغم كونها أكبر بلد مسلم من حيث عدد السكان، تعترف رسميا بعدة ديانات هي الإسلام والمسيحية الكاثوليكية والبروتستانتية والهندوسية والبوذية والكونفوشيوسية.

انتهت زيارتي وأخذت الطائرة نحو جزيرة بالي. أمعنت النظر في المدينة من السماء، فبدت يوجياكارتا مدينة تتجاور فيها الروح الإسلامية مع معبد بوذي عظيم وآخر هندوسي شامخ، في لوحة فريدة تجسد معنى التعدد والتعايش، ما يشكل سر جمالها وروحها ومفخرة للشعب الإندونيسي.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى