
توران قشلاقجي
عندما ننظر إلى الفترة الأخيرة من الدولة العثمانية بصورة عامة، نرى أن ثلاثة اتجاهات سياسية كانت نشيطة في السياسة التركية السائدة آنذاك. كما تجمع المثقفون الأتراك حول هذه الآراء، أو التيارات الثلاثة، وهي: النزعة الغربية والإسلاموية والتركية. ظهرت هذه التيارات في الفترة التي بدأ فيها تراجع الدولة العثمانية أمام الغرب، ولا يزال تأثيرها في السياسة التركية، والتيارات الفكرية التركية متواصلا حتى اليوم.
في القرن الثامن عشر، منح «فرمان الإصلاحات» حقوقا جديدة لغير المسلمين، الذين كانوا يزدادون ثراء، بالتعاون مع رأس المال الغربي، كما أن الإصلاحات التي جرت إبان «فترة التنظيمات» وضعت البلاد تحت ضغط الدول الغربية، من دون أن تعود بالفائدة على الشعب المسلم، وهو ما أثار سخطا وإزعاجا واسعين. وتعد حادثة «كولالي» عام 1859 مظهرا من مظاهر هذا السخط، لأنها وقعت عبر تنظيم سري بجانب حركات التمرد، التي اندلعت في جميع أنحاء البلاد. وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1850 و1860 تشكلت جميع الشروط اللازمة لظهور التنظيمات السياسية.
كانت «حركة العثمانيين الجدد» واحدة من أوائل الحركات السياسية والفكرية، التي ظهرت إبان تلك الفترة. ودافع أنصار هذه الحركة عن عملية تحديث تراعي السلاطين العثمانيين، حيال الفكر الغربي القائم على النقل. وعلى الرغم من أنهم أسسوا وجهات نظرهم وابتكاراتهم استنادا إلى الإسلام، إلا أنهم شكلوا نضالهم وفقا للتيارات الغربية، وفي العواصم الغربية، وباستخدام خطاب غربي. لقد تأسست «حركة العثمانيين الجدد» عام 1865، وكانت متأثرة بالثورة الفرنسية. ويعد الشاعر العثماني الشهير نامق كمال، أحد القياديين الفكريين للحركة، التي شارك في تأسيسها أيضا مينابير زاده نوري بك، ومحمد بك، ورشاد بك، وضياء بك، ورفيق بك. ولاحقا، ظهرت «العثمانية» وهي عبارة عن إيديولوجية كانت تهدف إلى توحيد جميع الأمم والأفراد في الإمبراطورية العثمانية، إبان القرن التاسع عشر بروح العثمانية. ثم تأسست حركة «تركيا الفتاة» أو «الأتراك الشباب» التي أشرف على تنظيمها شباب أتراك كانوا يدرسون في البلدان الغربية. استخدمت عبارة «الأتراك الشباب (Young Turks)» للمرة الأولى عام 1828 من قبل تشارلز ماكفارلين، للإشارة إلى الجيل العثماني الشاب، وفي سبعينيات القرن التاسع عشر استخدمت عبارة
( «Jön Türk»جون تُرك) للشباب العثمانيين، الذين يدرسون في أوروبا. أما في الفترة بين 1890 و1918 مثلت هذه العبارة حركة جديدة شكلت جمعية الاتحاد والترقي ذراعها السياسية في الفترة بين 1908 و1918، وأمر السلطان عبد الحميد باستخدام كلمة «المفسد» عند الحديث عن هذه الحركة.
على الرغم من ظهور تيارات مختلفة، في فترات لاحقة، إلا أن ضياء كوك ألب ويوسف أقجورا، وهما اثنان من كبار المفكرين في الدولة العثمانية، جمعا هذه الآراء حول ثلاث أفكار. كتب يوسف أقجورا مقالا بعنوان «نحو ثلاثة أنماط للسياسة: العثمانية والإسلاموية والتركية» في العدد 24- 34 من الجريدة التركية الصادرة في القاهرة عام 1912، ليثير صدى واسعا. وبعد فترة، عرف المفكر التركي الشهير ضياء كوك ألب هذه الآراء في كتابه بأنها «تتريك، وأسلمة، ومعاصرة». يقول يوسف أقجورا بشكل صريح، في مقاله الذي كتبه في القاهرة، إن «هذه الأنماط السياسية الثلاثة هي مقترحات لإنقاذ الدولة»، أي أنه يتحدث عما يجب القيام به من أجل إنقاذ الدولة العثمانية من الانهيار الذي كانت تتجه إليه، ويقول «يجب انتهاج سياسة العثمانية (النزعة)» ويوضح أن «هذا يمكن أن يتحقق إذا بذلت جهود من شأنها توحيد جميع العناصر داخل الدولة العثمانية». ومن المعلوم أن هذه الأطروحة تكون قد انهارت أصلا مع انهيار الدولة العثمانية.
هذه الحركات السياسية الثلاث، التي يمكن تلخيصها بـ«الغربية والإسلامية والتركية»، لا تزال تؤثر في السياسة التركية والعالم الفكري التركي القائم حاليا، منذ تأسيس الجمهورية. وسنوسع الحديث عن هذه التيارات الفكرية في مقالات مقبلة.



