
مع تزايد هيمنة التكنولوجيا المالية والمنصات الرقمية على الاقتصاد العالمي، لم تعد الأسواق تقتصر على تداول الأسهم والعملات والسلع، بل امتد نشاطها إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير. ففي السنوات الأخيرة ظهرت منصات تُعرف بـ«أسواق التنبؤ»، وهي فضاءات رقمية تسمح للمستخدمين بالمراهنة على أحداث واقعية كبرى، من نتائج الانتخابات إلى اندلاع الحروب وسقوط الأنظمة السياسية. ومع هذا التوسع غير المسبوق، باتت الأحداث السياسية والأزمات الدولية تُعامَل أحيانا كما لو كانت أصولا مالية قابلة للتسعير والمضاربة، الأمر الذي يثير جدلا واسعا حول الحدود الأخلاقية والاقتصادية لمثل هذه الممارسات. وقد عاد هذا الجدل إلى الواجهة بقوة، بعد الضجة التي رافقت الرهانات الضخمة على مقتل المرشد الإيراني، علي خامنئي، حيث كشفت القضية عن عالم معقد تتداخل فيه التكنولوجيا والمال والسياسة، وتطرح تساؤلات عميقة حول مخاطر تحويل المآسي الإنسانية والصراعات الدولية إلى مجرد فرص للربح في أسواق رقمية عابرة للحدود.
إعداد: سهيلة التاور
أحدث مقتل المرشد الإيراني، علي خامنئي، زلزالا في أروقة أسواق التوقعات، وهي منصات رقمية تتيح المراهنة على أحداث حقيقية. وأماط اللثام عن وجه مظلم لاقتصاد جديد، يقوم على تسعير الأحداث السياسية، ويثير أسئلة أخلاقية وأمنية عميقة حول حدود الربح من المآسي الإنسانية.
ووفقا لتقرير نشرته «واشنطن بوست»، فقد وضع متداولون على منصة «كالشي» رهانات بلغت قيمتها الإجمالية نحو 54 مليون دولار على أن خامنئي سيغادر منصبه بحلول شهر مارس، أو الأول من أبريل.
وعندما انتشرت أنباء مقتله، بدا لكثير من المستخدمين أنهم حققوا أرباحا ضخمة، حتى أن أحد المستثمرين، وهو مدير تنفيذي إسرائيلي أمريكي في نيويورك، قال للصحيفة إنه راهن بمبلغ 3460 دولارا فقط، لكن التطبيق أظهر أنه فاز بما يزيد على 63 ألف دولار.
غير أنه بعد دقائق فقط، جمدت الشركة التداولات التي بلغت قيمتها 54 مليون دولار لكل من راهن على هذا السيناريو، موضحة أن موقعها لا يسمح بمعاملات «مرتبطة مباشرة بالموت».
وأدى هذا التغيير إلى إثارة ضجة عبر الإنترنت، حيث غصت وسائل التواصل الاجتماعي بمستخدمي تطبيقات «كالشي»، الذين جادلوا بأن الموقع سرق منهم رهاناتهم الفائزة بشكل غير عادل.
وقال المدير التنفيذي الإسرائيلي الأمريكي لصحيفة «واشنطن بوست» مازحا: «كنت أحجز رحلتي إلى كورشوفيل (منتجع التزلج في جبال الألب الفرنسية)، ثم غيروا القواعد… وخُدع الجميع». ولم تكشف الصحيفة اسم هذا المدير.
وتسبب هذا الجدل في تسليط الضوء بشكل أكبر على الارتفاع السريع لأسواق التنبؤ، التي تعمل بطريقة مشابهة لمكاتب المراهنات الرياضية، لكنها تسمح للناس بالمقامرة على الانتخابات والأحداث الدولية وقضايا العالم الحقيقي.
ودافع مؤيدو «كالشي» وأكبر منافسيها «بوليماركت» عن هذه المواقع، باعتبارها منصات تشبه الألعاب لمتابعة الأخبار وربما التربح منها.
فساد مفرط
أثار تعامل منصات المرهنات مع الأحداث الكبرى على أنها «منتجات مقامرة» حفيظة مشرعين أمريكيين، من أمثال السيناتور الديمقراطي كريس ميرفي، الذي يرى أنها توجِد عالمًا «ديستوبيا»، عبر تشجيع الناس على المراهنة على الأزمات الحياتية والهجمات العسكرية بطريقة قد تحفز العنف السياسي.
والديستوبيا تعني، حسب تعريف موسوعة ويكبيديا، مجتمعا غير فاضل تسوده الفوضى، فهو عالم وهمي ليس للخير فيه مكان، يحكمه الشر المطلق، ويتجرد فيه البشر من إنسانيتهم ويتناحرون.
وفي المقابلة التي أجرتها معه الصحيفة، وصف ميرفي هذه الممارسات بأنها «انحلال أخلاقي وفساد تجاري أمريكي مفرط»، محذرا من أن تحويل الصراعات الوجودية إلى منتج مالي يطمس الحدود بين الحق والباطل، ويحفز العنف السياسي.
شبهات التداول
يرى بول ديفيز، وهو كاتب عمود الرأي في وكالة «بلومبيرغ»، أن «فكرة أن يراهن مطلعون على هجوم أمريكي أو إسرائيلي على إيران، تكاد تكون من أبشع ما يمكن تخيله في عالم المال».
واعتبر أن جني الأرباح من الموت والدمار في الشرق الأوسط، أو في أي مكان آخر، هو وسيلة «وضيعة».
ولعل ما أثار قلقا بالغا – وفق ما نقلته «واشنطن بوست»- هو الدقة المذهلة لبعض الرهانات، فقد كشفت شركة التحليلات «بابل مابس» (Bubblemaps)، عن 6 حسابات على منصة «بوليماركت» حققت 1.2 مليون دولار، من خلال المراهنة حصريا على أن يوم 28 فبراير هو موعد بدء الضربات الأمريكية على إيران.
والغريب أن هذه الحسابات أُنشئت حديثا ووضعت رهاناتها، قبل ساعات فقط من دوي الانفجارات الأولى في طهران.
وهذه «المصادفات» دفعت السيناتور ميرفي إلى التصريح بأن هناك شبهات تزعم أن «الأشخاص المحيطين بترامب يتربحون من الحرب والموت».
وكانت شركة «بوليماركت» قد ذكرت في غشت الماضي أن دونالد ترامب جونيور، الابن الأكبر للرئيس الأمريكي، انضم إلى مجلسها الاستشاري، وقد أثارت بضعة رهانات أخيرة على تحركات الإدارة اتهامات عامة بالتداول، بناء على معلومات داخلية.
ورغم نفي البيت الأبيض لأي مصلحة خاصة، فإن مواقع إخبارية، مثل «بلومبيرغ»، تؤكد أن شبهات «التداول بناء على معلومات داخلية» تنمو بسرعة موازية لنمو حجم التداول، الذي تجاوز 5 مليارات دولار أسبوعيا للمنصات الكبرى.
ونقلت «بلومبيرغ» عن السيناتور ميرفي قوله إنه يصوغ تشريعا من شأنه حظر تداولات سوق التوقعات المتعلقة بالإجراءات الحكومية على نطاق واسع، معتبرا أنها قد تفسد صنع القرار العام من خلال السماح للمسؤولين العسكريين أو الحكوميين بالتربح من المعلومات السرية.
الخطر الأمني
في تقدير ديفيز، وهو كاتب متخصص في الشؤون المالية والمصرفية، أن أسواق المراهنات هذه قد تصبح «جهاز استخبارات مفتوحا»، حيث يمكن لتحركات الأسعار أن تسرب معلومات سرية.
وقال إن ارتفاع الرهانات على ضربة عسكرية، قد يشكل إشارة استخبارية غير مباشرة قد تفسرها الدول المستهدفة بأنها دليل على هجوم وشيك.
على أن الخطر لا يتوقف عند الربح المالي، بل يمتد إلى الردود العسكرية، فقد حذر كاتب عمود الرأي في «بلومبيرغ» قائلا: «تخيلوا لو أن قادة إيران اعتبروا الارتفاع المفاجئ في هذه الرهانات معلومة استخبارية أكيدة، وقرروا شن هجوم استباقي؟».
هذا قد يدفعهم إلى شن هجوم استباقي مدمر، حسب رأيه، وقد استشهد ديفيز هنا بواقعة حقيقية، حيث وجهت إسرائيل اتهامات لشخصين استخدما معلومات سرية للمراهنة على عمليات أمنية، واصفة إياهما بأنهما يشكلان «تهديدا للأمن القومي».
وتزداد هذه المخاوف، بسبب طبيعة هذه التطبيقات، إذ تسمح بعض المنصات – مثل «بوليماركت»- باستخدام محافظ العملات المشفرة، مما يمنح المستخدمين درجة عالية من إخفاء الهوية.
المستقبل المظلم
رغم الجدل، فإن أسواق التنبؤات تزداد توحشا. فشركة «بوليماركت»، التي لا تخضع للرقابة الأمريكية المباشرة وتعمل من الخارج، أصبحت قبلة للمراهنين بمبالغ وصلت إلى 500 مليون دولار على حرب إيران وحدها.
بل إن تلك الأسواق، كما يذكر ديفيز في مقاله على موقع «بلومبيرغ»، تستضيف رهانات على احتمال انفجار قنبلة نووية في أوكرانيا، في مشهد سريالي يحول الإبادة الجماعية إلى «خيار للتداول».
وبينما تحاول لجنة تداول السلع الآجلة الأمريكية (CFTC) فرض رقابتها، يظل المراهنون، مثل المؤثرة إميلي أوستن، يجدون في الأمر «متعة اجتماعية».
لكن خلف هذه المتعة، تختبئ حقيقة مرعبة، وهي أن التكنولوجيا نجحت في تحويل دماء القادة ودمار المدن إلى مجرد رسوم بيانية خضراء وحمراء، حيث يربح البعض ثروة، بينما يشتعل العالم في الخارج.
وبينما تحاول «كالشي» تهدئة العاصفة عبر إعادة الرسوم والمراهنات لمستخدميها في «خسارة فادحة» قُدِّرت بـ 2.2 مليون دولار، تستمر «بوليماركت» في العمل عبر البحار بعيدا عن الرقابة الأمريكية الصارمة، مما يجعل «بورصة الموت» مفتوحة للجميع، في انتظار الكارثة القادمة لتحديد سعر الصرف الجديد للدماء.
ما هي منصة «بوليماركت»؟
تتيح لك «بوليماركت»، وهي منصة تنبؤ لامركزية على Polygon، الرهان على نتائج مختلف الأحداث الواقعية. وهذه المنصة تكتسب أهمية في مشهد العملات الرقمية، بفضل نهجها الفريد في التنبؤ بالسوق وتكاملها مع العملات المستقرة مثل USDC للرهان، مما يضمن السيولة والاستقرار في المعاملات. في أكتوبر 2025، وصل عدد المستخدمين النشطين شهريا لـ«بوليماركت» إلى أكثر من 445,000.
وتوفر «بوليماركت» طريقة شفافة وآمنة باستخدام تقنية البلوكشين والعقود الذكية، للتكهن بالأحداث التي تتراوح بين الانتخابات السياسية ونتائج الرياضة، وحتى المؤشرات الاقتصادية. هذا يعني أن جميع المعاملات شفافة وآمنة وتُنفذ باستخدام العقود الذكية على بلوكشين Ethereum، مدعومة بحل الطبقة الثانيةPolygon ، لتحسين قابلية التوسع وتقليل الرسوم.
وعلى منصة «بوليماركت»، يمكنك شراء أسهم تمثل احتمالية وقوع حدث معين. على سبيل المثال، إذا كنت تعتقد أن مرشحا معينا سيفوز في الانتخابات، يمكنك شراء أسهم «نعم» بسعر يعكس احتمالات السوق الحالية. إذا حدث الحدث كما توقعت، تصبح أسهمك بقيمة 1 دولار لكل سهم. إذا لم يحدث، تصبح بلا قيمة. يتيح هذا النظام لك تحقيق الربح بناء على معرفتك وتوقعاتك حول الأحداث المختلفة.
وتم تأسيس «بوليماركت» بواسطة شين كوبلان، وهو رائد أعمال شاب يحمل رؤية لإحداث ثورة في صناعة أسواق التوقعات. تحت قيادته، اكتسبت «بوليماركت» زخما سريعا وجذبت استثمارات كبيرة.
وجمعت المنصة ما مجموعه 70 مليون دولار عبر جولتي تمويل. الجولة الأولى (Series A)، التي قادتها General Catalyst، جمعت 25 مليون دولار، وشملت مشاركة مستثمرين بارزين مثل جو جيبيا من Airbnb وبوليتشاين. أما الجولة الثانية الأكثر حداثة (Series B)، التي قادتها Founders Fund التابعة لبتر ثيل، فقد جمعت 45 مليون دولار وشهدت مساهمات من مستثمرين مشهورين بمن في ذلك فيتاليك بوتيرين، دراغونفلاي، وكيفن هارتز، مؤسس Eventbrite.
وعلى الرغم من التحديات التنظيمية، مثل غرامة قدرها 1.4 مليون دولار من لجنة تداول السلع الآجلة (CFTC)، بسبب تقديم عقود قائمة على الأحداث، استمرت «بوليماركت» في الازدهار. قامت المنصة بالتكيف من خلال تقليل خدماتها في الولايات المتحدة مع التوسع عالميا. يشير وجود الرئيس السابق للجن CFTC، جي كريستوفر جيانكارلو، في المجلس الاستشاري، إلى جهود «بوليماركت» للتعامل مع اللوائح بشكل فعال وضمان الامتثال.





