
يقول عبد الله العروي: «المغرب جزيرة، قدرنا أننا جزيرة ويجب أن نتصرف كسكان جزيرة». ولأن العروي لا يلعب النرد، فـ«الجزيرة» هنا ليست عزلة البؤساء ولا وحدة المنفيين، بل صورة دولة اختارت منذ قرون أن تكون مختلفة، فدفعت ثمن الاختلاف ثم حوّلته اليوم إلى مصدر قوة. نعم، المغرب جزيرة… لكن من قال إن الجزيرة أقل شأناً من القارة؟ أحياناً القارات تتشاجر على من يملك التاريخ، بينما الجزيرة تصنع المستقبل بهدوء وتضع بوصلتها في المكان الصحيح.
المغرب جزيرة لأنه يمتلك هوية مركّبة لا تقبل الاختزال. هو جزيرة لأن حضارته لم تكن يوماً «تابعاً» ينتظر الاعتراف من مركزٍ ما، بل كانت تاريخاً يكتب نفسه على تخوم المتوسط والأطلسي والصحراء. من فاس إلى مراكش، ومن طنجة إلى الكويرة، هناك خيط حضاري طويل يقول إن هذا البلد لا يعيش في الهامش، بل يصنع هوامشه الخاصة ثم يحوّلها إلى متن. هذه «الجزيرة» لم تُبنَ على جغرافيا من الماء، بل على ذاكرة من الدولة وعلى قدرة نادرة في التكيّف دون الذوبان.
وإذا كان بعضهم في المشرق ما زال يتصرف كأنه مركز الكون، فالمغرب تعلّم مبكراً أن المركزية الوهمية لا تُطعم خبزاً ولا تحمي حدوداً. لذلك تصرّف كسكان جزيرة: اشتغل على نفسه، لا على التصفيق، بنى مؤسسات تتطور وراكم خبرة دولة تعرف معنى الاستمرارية. وحين يطلب منك الآخرون أن تذوب كي «تنتمي»، تكتشف أن الانتماء الحقيقي ليس أن تتنازل عن شخصيتك، بل أن تملكها كاملة ثم تدخل بها إلى العالم.
جزيرة المغرب، أيضاً، هي مشروع اقتصادي واقعي لا يبيع الأوهام. فبينما يتجادل كثيرون حول الشعارات، كان المغرب يراكم أوراشاً كبرى: بنية تحتية تربط الجهات، موانئ تُحوّل الجغرافيا إلى قيمة مضافة، قطار فائق السرعة يختصر المسافات ويُعلن أن هذا البلد لا ينتظر المستقبل بل يستقبله. ثم تأتي الطاقة المتجددة لتقول شيئاً آخر: المغرب لا يريد فقط أن يكون مستهلكاً في سوق العالم، بل فاعلاً يفاوض ويستثمر ويصنع مكانه تحت الشمس، حرفياً ومعنوياً.
ولأن الجزيرة تحتاج «مناعة» أكثر من الحاجة إلى الضجيج، فهم المغرب معنى الاستقرار: أن تُدير التحولات بذكاء، وأن تُبقي الدولة قائمة بينما تتغير الحكومات، وأن تحافظ على توازن المجتمع في منطقة غالباً ما تُدار بالعصبية والقطيعة. الجزيرة القوية لا ترفع صوتها لتثبت وجودها، وجودها هو الذي يفرض الاحترام. ولذلك حين تمر رياح الأزمات، تجدها تضرب هنا وهناك، بينما المغرب، رغم كل التعقيدات، يحافظ على خط سيره وكأنه يعرف مسبقاً أن التاريخ لا يبتسم لمن يتهور.
ثم جاء الانتصار الكروي ليقدم للعالم درساً رمزياً بليغاً: المغرب ليس «استثناءً لطيفاً» بل نموذجاً قادراً على المنافسة. ما فعله أسود الأطلس لم يكن مجرد نتائج في ملعب، بل استرجاع لحق معنوي: أن يُنظر إلينا كقوة، لا كحكاية هامشية. كرة القدم هنا لم تكن ترفاً، بل لحظة كشف: بلد يعرف كيف ينتج الانضباط والعمل الجماعي، وكيف يحول الحلم إلى خطة والخطة إلى إنجاز. الجزيرة حين تتقن التنظيم تصبح قارة داخل القلوب.
أما الدبلوماسية، فهي المجال الذي يثبت فيه المغرب معنى «التصرف كسكان جزيرة» بأقصى درجات الحنكة. لأن الجزيرة لا تدخل الحروب لتثبت الشجاعة، بل تبني التحالفات لتضمن المصالح. والمغرب في السنوات الأخيرة راكم انتصارات دبلوماسية واضحة، خصوصاً في معركة وحدته الترابية، عبر عمل طويل النفس، لا عبر خطابات عابرة. هنا يتجلى الفرق بين من يعيش السياسة كعرض يومي، ومن يفهمها كفن التراكم. الجزيرة القوية لا تلهث وراء الإجماع، بل تصنعه حين يصبح ضرورياً.
وفي محيط إقليمي يحيك المكائد ضد وحدته الترابية، اختار المغرب أن يواجه بمنطق الدولة لا بمنطق الانفعال. فليس كل من يصرخ أكثر يربح أكثر، وليس كل من يوزع الاتهامات يحمي نفسه. المغرب قدّم نموذجاً: قوة هادئة، عقلانية، لا تساوم على الثوابت، لكنها لا تحوّل السياسة إلى ثأر. وهذا هو معنى التميّز: أن تكون صلباً دون أن تكون صاخباً، وأن تربح دون أن تهين أحداً.
إذاً، «جزيرة العروي» ليست قدراً من العزلة، بل دعوة إلى السيادة الذكية: أن تعرف حدودك جيداً لتوسعها بالإنجاز، لا بالمزايدة. أن تستثمر في الإنسان، في التعليم، في الصناعة، في الثقافة وفي صورة بلد يعرف كيف يجمع بين الأصالة والتحديث. المغرب جزيرة لأنه لا يشبه غيره، ولأنه قرر أن يصير جسراً لا تابعاً، وشريكاً لا ظلاً.
إن أجمل ما في الجزيرة أنها تعلم سكانها فنا نادرا: أن يثقوا بأنفسهم دون حاجة إلى تصفيق الآخرين. المغرب ليس مضطراً أن يثبت انتماءه لأي دولة أو ثقافة أو هوية، لأن انتماءه الأول هو لذاته: لتاريخه، لتعدده، لقدرته على البناء. المغرب جزيرة، نعم… لكن جزيرة تلمع وتزدهر، لا تتوارى خلف قرصنة التاريخ و«كولسة» التراث.




