
النعمان اليعلاوي
عاد الجدل حول النقل عبر التطبيقات الذكية إلى الواجهة، في ظل استمرار المواجهة بين سائقي سيارات الأجرة التقليدية والعاملين عبر المنصات الرقمية، وبعد عودة حوادث «البراكاج» التي يقوم بها أرباب سيارات الأجرة في مواجهة سائقي التطبيقات، وسط مطالب متزايدة بحسم الوضع القانوني لهذه الخدمات ووضع قواعد واضحة تنظم نشاطها وتحدد شروط الترخيص والمنافسة.
وتأتي التطورات الأخيرة في وقت مازال الإطار القانوني المنظم للنقل عبر التطبيقات غير واضح بشكل كاف، وهو ما أبقى القطاع في منطقة رمادية، وأدى إلى استمرار الاحتكاكات بين سائقي سيارات الأجرة وسائقي التطبيقات في عدد من المدن.
وفي مجلس النواب سبق أن طُرح الملف بشكل مباشر، إذ طالبت النائبة ربيعة بوجة الحكومة بالكشف عن مآل مشروع القانون المنظم للنقل عبر التطبيقات الذكية، مستندة إلى التحقيقات التي باشرها مجلس المنافسة بشأن الاختلالات التي يعرفها القطاع. وأثار السؤال البرلماني نفسه قضايا المنافسة الشريفة، والعدالة الضريبية وحماية المعطيات الشخصية للمستخدمين.
الطاكسيات.. لا منافسة خارج الترخيص
يصر مهنيو سيارات الأجرة على أن نشاط نقل الأشخاص مقابل أجر يجب أن يخضع للترخيص، معتبرين أن انتشار السيارات التي تشتغل عبر التطبيقات يخلق منافسة غير متكافئة مع قطاع يخضع لمجموعة من القواعد والالتزامات.
وتزامن ذلك مع تجدد شكاوى مهنيي سيارات الأجرة من انتشار ما يصفونها بـ«فوضى التطبيقات»، خصوصا في ظل الضغوط الاقتصادية التي يعيشها القطاع. وأعاد مهنيون، خلال الأسابيع الماضية، طرح ملف المنافسة مع التطبيقات إلى جانب ارتفاع تكاليف الاستغلال وتراجع المداخيل.
وكانت وزارة النقل واللوجستيك أوضحت، في أكتوبر 2025، أن الإطار القانوني الجاري به العمل لا يتيح لها التدخل في تنظيم خدمات النقل عبر التطبيقات، باعتبار أن الموضوع يدخل ضمن اختصاصات وزارة الداخلية. وهو ما أعاد مسؤولية الحسم في الملف إلى الجهة الحكومية المكلفة بتدبير قطاع سيارات الأجرة والنقل الحضري للأشخاص.
السائقون يطالبون بالتقنين بدل المنع
في الجهة المقابلة يعتبر العاملون عبر تطبيقات النقل أن انتشار هذه الخدمات أصبح واقعا يصعب تجاهله، وأن الحل لا يكمن في منعها وإنما في تقنينها وإدماج السائقين الذين يشتغلون بها داخل إطار قانوني واضح.
وعبرت النقابة الديمقراطية للنقل، في وقت سابق، عن مخاوفها من أن يؤدي التقنين المرتقب إلى إقصاء السائقين الموجودين حاليا في السوق، مطالبة بإدماجهم قانونيا ومهنيا ضمن المنظومة الجديدة. وأشارت النقابة إلى احتمال اعتماد نظام يقوم على ترخيص السيارة والسائق معا، مع إدراج النشاط ضمن منظومة النقل العمومي للأشخاص.
ويأتي هذا الموقف في ظل توسع استعمال تطبيقات النقل من طرف المواطنين، الذين يجدون فيها بديلا عن سيارات الأجرة التقليدية، خصوصا بسبب إمكانية طلب السيارة عبر الهاتف، ومعرفة موقعها، وتحديد الرحلة مسبقا، فضلا عن اختلاف الأسعار بحسب التطبيق والطلب.
غير أن توسع هذه الخدمات لم يضع حدا للمشاكل المرتبطة بها، بل نقل جزءا منها إلى المجال الأمني والاجتماعي، بعدما شهدت بعض المدن مواجهات واحتكاكات بين سائقي سيارات الأجرة وسائقي التطبيقات. وكان البرلمان سجل، في سؤال كتابي سابق، أن هذه الصراعات لم تعد مقتصرة على المدن الكبرى، وأن بعضها انتهى إلى تدخل السلطات الأمنية.
تقنين مؤجل ومنافسة تحت المجهر
في الوقت الذي يستمر فيه الخلاف بين الطرفين، دخل مجلس المنافسة بدوره على خط الملف، حيث باشر التحقيق في شبهات مرتبطة بالمنافسة في قطاع النقل عبر التطبيقات، في سياق شكايات ومطالب بمراقبة ممارسات الشركات العاملة في هذا المجال.
ويطرح هذا التحقيق جانبا جديدا من القضية، بعدما لم يعد النقاش مقتصرا على قانونية نقل الأشخاص عبر التطبيقات، وإنما أصبح مرتبطا أيضا بشروط المنافسة داخل السوق، والأسعار، والعلاقة بين المنصات والسائقين ومدى تكافؤ الفرص بينها وسيارات الأجرة.
وبينما يتمسك مهنيو سيارات الأجرة بضرورة احترام نظام الترخيص والقواعد المنظمة للقطاع، يطالب سائقو التطبيقات بالاعتراف بنشاطهم وتقنينه بدل تركهم في وضعية قانونية ملتبسة.
وهكذا تحولت المنافسة بين «الطاكسيات» والتطبيقات إلى ملف ينتظر الحسم على أكثر من مستوى، بعدما أصبح المواطن نفسه طرفا في المعادلة من خلال الإقبال المتزايد على الخدمات الرقمية.
وبين مطالب المهنيين بحماية نشاطهم، وضغط السائقين من أجل التقنين، وحاجة المستعملين إلى خدمة نقل أكثر مرونة، تظل الكرة في ملعب الحكومة لإيجاد صيغة قانونية تنهي حالة الغموض التي عمرت طويلا.





