حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةسياسية

رحلة إلى إيران عام 1974….. التبشير بفكرة التفاهم الإقليمي بين الدول المطلة على الخليج العربي

 

بقلم الدكتور: عبد الله فهد النفيسي

أستاذ العلوم السياسية

 

 

منذ أوائل السبعينيات من القرن الماضي (1972) توفّرت لديّ قناعة بأن السلام الإقليمي في الخليج والجزيرة العربية لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تفاهمات إقليمية بين الدول المتشاطئة على مياه الخليج العربي. وانطلاقاً من هذه القناعة اتصلت بنظيري في طهران د. حميد عنايت رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة طهران الحكومية (دانشكاه تهران) لبلورة مشروع في هذا الاتجاه. وفعلاً وجّه لي د. حميد دعوة لزيارة جامعات في إيران (وتحديداً في طهران وأصفهان وشيراز) للتبشير بالفكرة – أي فكرة التفاهم الإقليمي حول (ميثاق) أو (منظمة إقليمية) تضم كل الدول المطلة على الخليج العربي. وتعرّفت في هذه الرحلة إلى زملاء لنا في جامعة طهران أذكر منهم –على سبيل المثال لا الحصر- د. شاهرام تشوبين ود. عباس أميري وغيرهما، ولفت نظري مستوى هؤلاء الزملاء الأكاديمي وتبحّرهم في اختصاصاتهم الدقيقة وتقبّلهم لفكرة التفاهم الإقليمي وحماسهم لها. هذا في طهران الشاه 1974 ولمست هناك أن نظام الشاه يروّج لنفس الفكرة ولكن تحت وصايته وبقيادته والإصرار على (فارسية) الخليج.

قلت لنفسي قد تكون هذه النزعة للاستهلاك المحلي لكن إذا نجحنا في ترويج الفكرة (التفاهم الإقليمي) قد تتعدل المواقف بين الأطراف في ما بعد. وفي أصفهان الجميلة الخلابة ألقيت محاضرة بنفس المعنى وكذلك في جامعة شيراز، وكانت رحلة ناجحة بكل المقاييس اتفقت مع الزملاء الأكاديميين الإيرانيين (ذكرت بعضهم) على ضرورة دوام الاتصال وتذليل الصعوبات ومواصلة المحاولة لوضع (ميثاق charter) يتمحور حول هذه الفكرة، وفي السنة التي بعدها وتحديداً في مارس 1975 تسلمت دعوة من (النادي الدبلوماسي) التابع لوزارة الخارجية الإيرانية لمؤتمر يبحث في العلاقات بين الدول المطلة على الخليج العربي. وذهبت إلى هناك (طهران) ولمست أن الفكرة بدأت تلقى قبولاً لدى كل الأطراف مع الفهم المتمايز بينهم خاصة إذا استحضرتنا احتلال إيران لجزر الإمارات الثلاث في 1971. ومما أذكر أنه خلال مداولات المؤتمر فاجأنا رئيس المؤتمر بأن (وزير البلاط) وَصَل ويريد أن يوجّه إلينا كلمة عاجلة، فارتقى المنبر رجل ستيني كما أذكر وقال بصوت حزين:

باسم الشاه أطلب منكم رفع جلستكم حداداً على روح المرحوم فيصل بن عبدالعزيز العاهل السعودي الذي وصل إلينا تواً نبأ مقتله.

وفي جو من الصدمة رفعت جلسات المؤتمر 25/3/1975 وساد حزن لما حدث وترحّمنا على قامة قيادية قلما توفرت في دنيا العرب المعاصرة.

واتفقت وقتها مع الزملاء الإيرانيين على ضرورة المباشرة في فرش الأرضية العلمية للخطوة مثل تبادل الطلبة بين الجامعات وتبادل هيئات التدريس والزيارات العلمية المشتركة والأبحاث المشتركة والمشاريع العلمية المستقبلية المشتركة وغير ذلك، ولإبداء حسن النية في هذا الاتجاه اقترحت على القسم (العلوم السياسية) عندنا في جامعة الكويت أن تكون (اللغة الفارسية) متطلباً جامعياً لخريج القسم لكي يتمكن طلبة القسم من قراءة ومتابعة ما يتم نشره في إيران من جرائد ومطبوعات وذلك لكي يتحقق الفهم المشترك ونفس الخطوة تمت في جامعة طهران، لكن للأسف لم يتم قبول المقترح لا هنا في الكويت ولا هناك في طهران.

وأدركت أن الهوة بين الطرفين كبيرة وأن المعيقات كثيرة، ولم أكن أعلم أن الجهل والضيق قد بلغ عندنا في العالم الثالث مبلغه إذ هاجمتني الصحافة الكويتية هجوماً عنيفاً واتهمني البعض من (القوميين العرب) بموالاة إيران وتشجيع التبادل العلمي مع الجامعات الإيرانية (وكأن هذا الأمر (التبادل العلمي) من الأمور المشينة) ووصلت الأمور إلى حد الرسوم الكاريكاتورية والاستهزاء بالفكرة وأصحابها. وأدركت من يومها أن الشعوب غير مهيأة لخطوة مهمة كهذه إلا إذا طحنتها التجارب العسكرية مثل الحروب والصدامات واضطرتها اضطراراً لخطوة كهذه. فقط أردت بهذه السطور أن أبيّن خلفية اهتمامي بالشؤون الإيرانية وعلاقة ذلك بفكرة (المنظمة الخليجية) المرتجاة، وهو أمر سبق الثورة الإيرانية بسنوات عديدة .

ثورة خطفها الملالي

قامت الثورة في إيران 1979 وتحمسنا لها في بداية الأمر للأسباب التالية:

أولاً: لأنها أطاحت بعرش بهلوي وقد كان عرشاً معادياً للعرب في المحافل الدولية والإقليمية ومتعاوناً مع الكيان الصهيوني ومتآمراً معه ضد العراق ووحدة أراضيه، وكان الشاه في سنواته الأخيرة استفزازياً واحتلاله لجزر الإمارات 1971 دليل مادي على عدوانيته ونياته في التوسع وأما موقفه من البحرين فقد كان شرساً وبدائياً.

 

ثانياً عندما طرحت الثورة الإسلامية استبشرنا خيراً رغم تحذير بعض الأصدقاء من زيف هذا الادّعاء (وجاء دور المجوس) وعندما انتقدت الثورة احتفالات الشاه الباذخة بمناسبة مرور 2500 عام على عرش كورش في صحراء شيراز (برسبوليس) قلنا إن هذه الثورة نزعت عن إيران رداء (القومية الفارسية) وجعلتها إسلامية.

ثالثاً: عندما سلمت باحتفال رسمي مقر البعثة الإسرائيلية في طهران إلى منظمة التحرير الفلسطينية يعني هذه الثورة تبنّت قضية العرب المركزية (فلسطين) فلا أقل من الاصطفاف معها. ودون البحث في التفاصيل والخلفيات كنا معها باعتبارها ثورة شعوب مظلومة (فرس وكرد وعرب وأذريون وبلوش وتركمان وغيرهم) ضد حاكم ظالم ممثلاً بمحمد رضا بهلوي (شاهنشاه آريا مهر أي ملك الملوك وشمس الشعب الآري) أليس لقباً طاغياً وعنصرياً؟ لم نكن على علم واطلاع بالتقاطبات السياسية داخل الثورة وتطوراتها السريعة الخاطفة.

كانت سنوات 1979-1988 في إيران سنوات اضطراب وحرب مدمّرة بين العراق وإيران استمرت ثماني سنوات وخسرت إيران والعراق في هذه الحرب مليون قتيل وأربعمئة مليار دولار وكان أطول نزاع عسكري في القرن العشرين. العراق خسر 340.000  قتيل و700.000 جريح و70.000 أسير، بينما إيران خسرت 730.000 قتيل و200.000 جريح و45.000 أسير (ويكيبيديا).

وخلال الحرب كانت التقاطبات السياسية داخل إيران تسير على وتيرة خشنة للغاية، تصفيات متبادلة بين القوى السياسية: الجبهة القومية الإيرانية أو حركة تحرير إيران وتنظيمات علمانية ودينية وشيوعية وليبرالية، نخص منها بالذكر تفجير مقر الحزب الجمهوري الإسلامي الذي أسسه بهشتي زعيم الحزب ومنظّره وصاحب فكرة الحزب وكان التفجير المدمّر في 29/06/1981 وبلغ عدد القتلى من زعامات الحزب (من ضمنهم بهشتي) أكثر من سبعين قتيلاً. كان بهشتي خريج هامبورج – ألمانيا يؤمن بضرورة وجود حزب سياسي ليأخذ مكان الملالي وأن على الملالي أن يعودوا إلى الحوزات الدينية في قم ومشهد والنجف وكربلاء وغيرها، وهناك شكوك كثيرة تحيط بمقتله إذ تعتقد بعض الأوساط أنها تصفيات داخلية ضمن الحظيرة الشيعية المندفعة نحو السلطة والتي اعترضت على أفكار بهشتي، لقد كسب بهشتي خبرته السياسية من إقامته الطويلة في ألمانيا واحتكاكه المباشر بالأحزاب الحاكمة والمعارضة هناك.

 

الثورة تأكل أبناءها

لا أدري لماذا أتذكر موسى الصدر كلما جاء ذكر بهشتي، ربما لأن الأخير يحمل نفس فكر موسى الصدر ونزعته البراجماتية.

لقد قضيت نهاراً كاملاً مع موسى الصدر من التاسعة صباحاً إلى ما بعد غروب اليوم نفسه صيف 1975 أجريت معه لقاء تلفزيونياً لصالح تلفزيون الكويت واستمر اللقاء أكثر من ساعة ونصف الساعة شخّص فيها موسى الصدر الوضع في لبنان وأنحى باللائمة يومها على ياسر عرفات والمنظمات الفلسطينية التي تتصرف في لبنان وكأنها صاحبته.

وأكد لي موسى الصدر أن حرباً أهلية ستندلع في لبنان وأن هذه الحرب ستطول (وفعلاً اندلعت بعد لقائنا بأسابيع) وأرجع السبب إلى (تيش عرفات) فقد فعلها في الأردن وها هو يكررها في لبنان وقال لي بلكنته الفارسية (من التبيئي الطبيعي) أن يتهم عرفات نتيجة أعماله ومن التبيئي أن نطرده من لبنان. قال لي ذلك في الحازمية حيث مقر (المجلس الشيعي الأعلى) والذي حضرت جلسته في ذلك الصباح حيث أحضروا لموسى الصدر الأركيلة خلال الاجتماع وأخذ يدير الجلسة وأنا بجانبه مندهشاً من كاريزما هذا الرجل، ثم امتطينا سيارته السوداء المصفحة متوجهين إلى (النبطية) في الجنوب اللبناني، وفي الطريق توقفنا عند دار – كان اسم صاحبها في ما أذكر علي عَرَب – في صُور حيث أعد وليمة فخمة لنا ودعا جمهوراً غفيراً لها حيث ألقى موسى الصدر كلمة سياسية حذر فيها من الأعمال اللامسؤولة للمنظمات الفلسطينية ثم تناولنا الشاي بين كركرة النراجيل وعطونة التنباك العَجمي.

في السيارة حيث جلسنا في الخلف وحدنا ونحن في الطريق إلى النبطية ذكرت لموسى الصدر جولتي الميدانية في الفرات الأوسط 1968 وبالأخص في النجف وكربلاء وذكرت له ما حدث بيني وبين السيد عبد المحسن الحكيم عندما أبديت رغبتي لزيارة المنفيين الإيرانيين إلى النجف وكيف أنه نهاني عن ذلك ونصحني بالابتعاد عنهم (لعلم القارئ كان ضمنهم الخميني) فسألت موسى الصدر: ما السبب في أن السيد عبد المحسن نهاني عن ذلك؟ ما زلت أذكر كيف اعتدل موسى الصدر في جلسته ونظر إليّ وقال: هؤلاء المنفيون الإيرانيون في النجف متشددون أكثر من اللازم ومعرفتهم بواقع الأمور محلياً ودولياً محدودة للغاية وأنا في «الحقيقة» غير مرتاح لدورهم في التحريض مع حكومة الشاه وأشارك السيد عبد المحسن رأيه) طبعاً هذا يعكس خلافاً كبيراً في الرأي بين موسى الصدر وخط خميني، فهل كان لإيران دور في اختفاء موسى الصدر؟ وهل القذافي كان قد تصرف مع موسى الصدر بوحي من تعاون مع إيران خميني؟ لست أدري.

مجلة (الشراع) اللبنانية وصاحبها حسن صبرا (الشيعي) اللبناني لها نظرية في هذا الاتجاه وبالنظر إلى الوراء سنلاحظ أن عدداً غير قليل من الذين تمت تصفيتهم من قادة الثورة طالقاني ومُطهري وبهشتي وموسى الصدر (في ما بعد) ومُنتظري (الذي تمت إزاحته وفرض الإقامة الجبرية عليه وشريعتمداري وغيرهم كثير كانوا يطالبون الملالي بالعودة إلى الحوزات وترك الدولة وشؤونها لرجال السياسة.

سنلاحظ أن عدداً غير قليل منهم غيّروا قناعتهم بفكرة (ولاية الفقيه) الذي تحمس لها الخميني وما أدّت إليه هذه الفكرة من فساد الأوساط العلمانية وتدني الحياة العلمية في الحوزات وتفرّق الطائفة الشيعية بفعل التكالب على المناصب والثروة والسياسة ولازال الصراع محتدماً في إيران بين أنصار (ولاية الفقيه) القلة التي تسيطر على المؤسسات (الصلبة) في الدولة مثل الحرس الثوري والاستخبارات والمالية والكثرة الكاثرة التي اهتزت قناعاتها بفكرة (ولاية الفقيه) وما أدّت إليه من فساد وتفكك وفرقة وتخبط ليس في إيران فحسب، بل في خارجها أيضاً في الشتات الشيعي (ثمانية بالمائة من العالم الإسلامي) كحد أقصى وثلث هؤلاء يتمركز في إيران.

 

شارع وَلي عَصْر

شارع وَلي عَصْر (سيد الزمان) المهدي المُنتظَر والذي كان أيام الشاه يُسمى (افينو بهلوي) أطول شارع شاهدته في حياتي، لقد زرت بكين وموسكو ولندن وباريس وواشنطن وبرلين وغيرها فلم أشاهد شارعاً بهذا الطول. هل تعلم أن (ولي عصر) طوله 30 كلم يخترق طهران من شمالها إلى جنوبها، أول شيء أفعله عند الوصول إلى طهران المشي السريع في هذا الشارع الفسيح الجميل لمدة لا تقل عن أربع ساعات وبالكاد أصل إلى منتصفه أبدأ من ميدان تجريش الطرف الشمالي للشارع وأتجه جنوباً حيث حديقة (مِلّت) الجميلة الخضراء الممتدة ثم (ميدان ونك) ثم حديقة (ساعي) ثم ميدان راه آهن ثم.. ثم.. فأتعب فأشير لسيارة أجرة لأعود إلى الفندق يلفت نظري عند مدخل حديقة (مِلّت) بائع الجرائد الذي يفرش بضاعته الصحفية على الرصيف وعلى مسافة لا تقل عن عشرين متراً في إيران 1300 مطبوعة يومية من سوء حظي أني لا أقرأ الفارسية، أطلب من مرافقي أن يترجم لي عناوين الصحف معظم الصحف التي أمامي تنافس الصحف البريطانية في نقدها وسخريتها من الحكومة والمسؤولين (إذن هناك حرية تعبير في إيران) أقول ذلك وأتمعن في ملامح مرافقي، فيبتسم ويقول: نحن نقول ما نشاء وهم يفعلون ما يشاؤون. قلت له الوضع كذلك في الكويت عندنا وربما في كل مكان هنا تكمن كلمة السر لفهم تركيبة النظام وفلسفته نحن لنا حرية القول بل القول الكثير وهم لهم حرية الفعل والفعل الكثير كما قال مرافقي البَرم.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى