حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةتقاريرثقافة وفن

لقاء نصف الجالية في مقدونيا

قبل عامين، في عز الصيف وحرارته اللاهبة، وجدت نفسي في صربيا أستعد لرحلة طويلة بالحافلة من بلغراد إلى سكوبيا، عاصمة مقدونيا الشمالية، مع توقف قصير في مدينة نيش.

وصلت إلى المحطة الطرقية في سكوبيا حوالي العاشرة مساء، وكانت المحطة نائمة تقريبا؛ المكان شبه فارغ وكل شيء مغلق، لا مكتب لصرف العملات ولا سيارات أجرة تقبل الدفع الإلكتروني. استغللت وجود شبكة “الواي فاي” لحجز غرفة في فندق بوسط المدينة، وثبت موقعه على الخريطة، عارفا أنني لن أتمكن من تحديثه لاحقا من دون شريحة إنترنت.

سرت في الطريق، وكان نصفه الأول شبه خال؛ على اليمين حديقة شاسعة، وعلى اليسار مراكز تجارية كبيرة. بدأت الحياة تزداد تدريجيا مع دخولي الجزء الثاني من المدينة، الذي شعرت أنه حديث البناء، وعرفت لاحقا أنه أعيد بناؤه بعد الزلزال المدمر سنة 1963.

هنا، في قلب المدينة، لم تتوقف الحياة رغم الساعة المتأخرة، كانت نظرات الناس مطمئنة، ووجوههم تحمل ابتسامة تجمع بين الترحيب والفضول، مشهد يختلف عن كثير من دول البلقان التي زرتها، حيث يميل البعض إلى تجنب نظرات الآخرين، ربما لأسباب مرتبطة بالماضي والصراعات الإثنية.

ورغم أن البلاد عاشت لسنوات نزاعا طويلا مع اليونان حول اسم «مقدونيا»، بدأ بعد استقلالها عن يوغوسلافيا في بداية التسعينيات، بسبب وجود منطقة في اليونان تحمل الاسم نفسه وارتباطه التاريخي بالإسكندر الأكبر، فإن هذا الخلاف انتهى بتوقيع اتفاق بريسبا سنة 2018، الذي تم بموجبه تغيير اسم الدولة من مقدونيا إلى مقدونيا الشمالية، في خطوة هدفت إلى حل النزاع مع اليونان وتسهيل اندماج البلاد في المنظمات الدولية.

بعد نحو نصف ساعة من المشي، وصلت إلى ساحة مقدونيا، قلب المدينة النابض. الساحة شاسعة ومخصصة للراجلين فقط، تحيط بها الفنادق والمطاعم والمقاهي والمحلات التجارية. في وسطها تهيمن تماثيل ضخمة، تمثال الإسكندر الأكبر، المحارب على حصانه، ونافورة «أمهات مقدونيا»، إلى جانب تماثيل أخرى تزين المكان.

إلى يمين الساحة، عبر الجسر، يمتد الحي العثماني المعروف بآثاره التاريخية ومساجده وكنائسه، وإلى الشمال، وعلى بعد نحو ربع ساعة، يوجد الحي البوهيمي “ديبار مالو”، حيث تزدهر الحياة الثقافية والفنية.

وصلت إلى الفندق، وكان المسؤول عنه برازيليا، وخطيبته يابانية؛ وكان كلاهما مرحبا، عفويا واجتماعيا. في اليوم، التالي اقترحا علي مشاهدة مباراة من بطولة كأس أوروبا في أحد المقاهي مع مجموعة من المقيمين الأجانب. قبلت العرض، وكانت المباراة بين إسبانيا وإنجلترا.

وصلنا قبل انطلاق المباراة بساعتين، مما أتاح لنا التعرف إلى الآخرين تدريجيا. كنا نحو أربعين شخصا من دول مختلفة. كان هناك شاب بريطاني وآخر إسباني، وقد أطلقا تحديا طريفا لمعرفة أيهما سينجح في استقطاب أكبر عدد من المشجعين.

حاول الإسباني إقناعي بتشجيع إسبانيا لأنها جارة للمغرب، فأجبته مازحا بأن إنجلترا جارة أيضا عبر جبل طارق. فضحكنا ضحكات ممزوجة بروح رياضية، قبل أن ننغمس جميعا في تسعين دقيقة من متعة المباراة وحماسة المنافسة.

كان بين الحضور مغربيتان متزوجتان من مقدونيين، وانضم إلينا لاحقا شاب مغربي آخر. بدوا وكأنهم خير سفراء للثقافة المغربية في غياب أي تمثيلية رسمية. أخبروني، استنادا إلى الإحصائيات القليلة المتوفرة لديهم، أن عدد المغاربة المقيمين في مقدونيا الشمالية لا يتجاوز ثمانية أشخاص. عندها شعرت بنوع من الفخر الطريف، إذ بدا لي أنني التقيت، في تلك الأمسية وحدها، بما يقارب أربعين في المئة من الجالية المغربية في البلاد.

ومنذ ذلك اللقاء بقينا على تواصل، وكانوا كرماء في تقاسم ما يعرفونه عن البلاد، فزودوني بمعطيات وإرشادات قيمة لاكتشاف مدن مثل بيتولا وكومانوفو وأوخريد وتيتوفو، فضلا عن مناطق أخرى أقل شهرة سياحيا، لكنها لا تقل سحرا وهدوءا.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى